اخبار لبنان
موقع كل يوم -الصدارة نيوز
نشر بتاريخ: ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦
كتبت جوزفين ديب…
لم يأتِ تقرير “رويترز” الأخير عن استعداد “الحزب” لاحتمال تجدّد الحرب ليضيف خبراً عسكريّاً فحسب. فما ذكره التقرير نقلاً عن مصادر أمنيّة من أنّ “الحزب” أمضى ثلاثة أشهر في ترميم قدراته، وركّز على توفير المتفجّرات وإنتاج المسيّرات وإعادة بناء منظومات القيادة والسيطرة، مستفيداً من تمويل إيرانيّ جديد، عادت وأكّدته مصادر مقرّبة من “الحزب” لموقع “أساس“.
يتحضّر “الحزب” فعلاً للمرحلة المقبلة، لكنّ الاستعداد لا يقتصر على جبهة الجنوب، ولا ينفصل عن مسارين محتملين: حرب إقليميّة تبدأ من طهران وتمتدّ إلى بيروت، أو مفاوضات تدخل فيها إيران ويكون لبنان حاضراً في حساباتها. وفي الحالتين، لا يبدو “الحزب” معنيّاً بالانتظار، فهو يستعدّ لاحتمال المواجهة، ويوجّه في الوقت نفسه رسائل تحذير وتهديد واضحة إلى السلطة اللبنانيّة في الداخل.
وبالتالي، ليست الإشكاليّة في ما أعاد “الحزب” بناءه من ترسانة فقط. إنّها طبيعة المرحلة التي يستعدّ لها: هل تتّجه المنطقة إلى حرب يكون لبنان جزءاً منها، أم إلى مفاوضات إقليميّة تصبح فيها الساحة اللبنانيّة جزءاً من التفاوض؟ في الحالتين، يبقى السؤال عمّن يملك قرار لبنان، وما إذا كانت إجراءات الدولة ستتحوّل إلى ساحة ضغط ومواجهة داخليّة.
من عقيدة المقاومة إلى ترابط الجبهات
منذ رسالته المفتوحة عام 1985، ربط “الحزب” مشروعه بمقاومة إسرائيل وبمرجعيّة إيرانيّة. ثمّ أعاد بيانه السياسيّ عام 2009 صياغة موقعه داخل النظام اللبنانيّ، من دون أن يتخلّى عن السلاح بوصفه ركناً من تعريفه لنفسه. هذه الخلفيّة تساعد على فهم أنّ إعادة التسلّح ليست قراراً تقنيّاً منفصلاً عن السياسة. فالسلاح يمنح “الحزب” قدرة عسكريّة، لكنّه أيضاً يشكّل أساس استقلال قراره عن الدولة ومصدر شرعيّته لدى جمهوره.
في السنوات الأخيرة، اتّسع هذا المنطق من ربط السلاح بمواجهة إسرائيل إلى ترابط أوضح بين الساحة اللبنانيّة وحسابات إيران الإقليميّة. الزيارة الإيرانيّة الأحدث لبيروت، التي قام بها نائب وزير الخارجيّة سعيد خطيب زاده في 14 تشرين الأوّل، أعادت هذا الترابط إلى العلن، حيث شدّد المسؤول الإيرانيّ على أنّ لبنان يجب أن يكون مشمولاً بأيّ اتّفاق نهائيّ بين طهران وواشنطن، وتحدّث عن الاستعداد لأسوأ السيناريوهات.
هذا تحديداً ما يجعل الاستعداد قائماً للاحتمالين: إذا سقط التفاوض مع إيران ووقعت ضربة كبيرة على طهران، فقد تنتقل المواجهة إلى بيروت، وعندها لن يبقى “الحزب” على الحياد، بحسب مصادر مطّلعة على أجوائه. أمّا إذا اتّجهت إيران إلى التفاوض، فسيكون السؤال عن موقع لبنان في هذا المسار، وعن انعكاسه على سلاح “الحزب”..
خريطة الحرب قد تصبح خريطة تهجير
في 14 تشرين الأوّل، ربط وزير الدفاع الإسرائيليّ يسرائيل كاتس علناً بين احتمال مشاركة “الحزب” في هجوم إيرانيّ وبين توسيع المنطقة الأمنيّة الإسرائيليّة داخل لبنان. وقال إنّ مناطق في النبطيّة والليطاني قد تصبح جزءاً من منطقة أمنيّة دائمة. بذلك، لم يعد خطر تمدّد الحرب مجرّد تقدير لبنانيّ أو تحذير دبلوماسيّ. فقد وضعت إسرائيل على الطاولة تهديداً جغرافيّاً محدّداً إذا دخل “الحزب” المواجهة إلى جانب إيران.
هنا ينبغي التمييز بين خرائط السيطرة وأوامر الإخلاء. الخريطة التي عرضها رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو في حزيران تناولت المنطقة الأمنيّة ومناطق تجريبيّة قالت إسرائيل إنّها ستنسحب منها. أمّا أوامر الإخلاء التي امتدّت خلال الحرب إلى مناطق جنوب الزهراني، فلا تعني أنّ كلّ تلك المساحة أصبحت محتلّة. لكنّها وسّعت عمليّاً نطاق النزوح، ووضعت مدناً وبلدات بعيدة عن الحدود في دائرة التهديد.
إذا كانت إسرائيل تتحدّث الآن عن إدخال النبطيّة والليطاني في منطقة أمنيّة دائمة عند اتّساع المواجهة، يصبح السؤال عن مصير سكّان هذه المناطق والقرى المحيطة بها جزءاً من قراءة الاستعداد للحرب: هل ستُدفع موجة التهجير شمالاً مرّة أخرى، لتشمل مناطق لم تكن في قلب المواجهة الحدوديّة؟
شاحنة المتفجّرات: واقعة واحدة وسؤال أوسع
توقيف شاحنة المتفجّرات عند ضهر البيدر كشف جانباً من استمرار حركة السلاح خارج مؤسّسات الدولة. وقد أقرّ النائب حسن فضل الله بأنّ الشحنة تعود إلى “الحزب”، فيما قال “الحزب” إنّها مخصّصة لمواجهة إسرائيل. تتحدّث معلومات “أساس” عن أنّ مصادر السلاح تشمل الحدود السوريّة، وأنّ توقيف شحنة أو أكثر لا يعني أنّ كلّ مسارات العبور قد أُغلقت. وهذا ما يجعل أمن الحدود جزءاً من السؤال عن خطوط الإمداد المفتوحة.
أمّا المسار الماليّ فهو بات موضع اهتمام جدّيّ لدى وزارة الخزانة الأميركيّة، لا سيما مع تسريبات عن عقوبات ستطال شخصيّات سياسيّة وعسكريّة وماليّة مرتبطة بـ”الحزب” بشكل من أشكال الدعم. ففي شباط وآب الماضيَين، أعلنت الخزانة عقوبات استهدفت، وفق بياناتها، آليّات ماليّة وشبكات نقل أموال مرتبطة بتمويل “الحزب”، بينها شبكة قالت إنّها استخدمت وسطاء نقديّين ومسارات بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران. هذه العقوبات فتحت النقاش في الكواليس عن مصادر التمويل وتبييض الأموال، على اعتبار أنّ واشنطن تتعامل مع شبكات التمويل والتحويل بوصفها جزءاً أساسيّاً من ملفّ إعادة بناء “الحزب”، وأنّ التحقيق الماليّ اللبنانيّ بات أكثر إلحاحاً.
تحذير للدّاخل
في موازاة الاستعداد العسكريّ، تقول معلومات “أساس” إنّ “الحزب” وجّه رسائل واضحة إلى المعنيّين في السلطة بأنّه لن يقبل إجراءات إضافيّة بحقّه. وتشمل هذه الرسائل رفض إحالة ملفّ المتفجّرات إلى المجلس العدليّ، ورفض تنفيذ مداهمات من دون العودة إلى آليّات التنسيق التي كانت معتمَدة.
هذا ليس تفصيلاً إجرائيّاً في قضيّة الشاحنة. إنّه تحذير سياسيّ وأمنيّ للداخل يضع الدولة أمام سؤال صلاحيّاتها: هل تستطيع متابعة التحقيق واتّخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة، أم أنّ عليها التنسيق المسبق مع الجهة التي يُطلب منها توقيفها والتحقيق معها؟ ومن يحدّد حدود الملاحقة حين يتعلّق الأمر بسلاح خارج سلطة الدولة؟
عليه، يتّجه “الحزب” إلى تحصين موقعه على مسارين متوازيين: ترميم قدراته والاستعداد لاحتمال حرب إقليميّة تتّصل بإيران، ورفع كلفة أيّ خطوة داخليّة تستهدف سلاحه أو شبكاته. وبين تهديد إسرائيليّ بتوسيع المنطقة الأمنيّة، ورسائل “الحزب” إلى السلطة، لا يعود الخطر محصوراً في احتمال اندلاع مواجهة على الحدود. الخطر أن يدخل لبنان الحرب من دون قرار وطنيّ جامع، ثمّ يجد نفسه أمام احتلال أوسع ونزوح جديد، فيما تشتدّ وطأة التحدّيات أمام تماسك الداخل اللبنانيّ الهشّ.











































































