اخبار لبنان
موقع كل يوم -أي أم ليبانون
نشر بتاريخ: ٧ أيلول ٢٠٢٦
كتب نخلة عضيمي في 'نداء الوطن':
في 26 تشرين الأول المقبل، تبدأ في باريس اجتماعات مجموعة العمل المالي الدولية 'فاتف' التي تمتد حتى 30 منه، وفيها سيكون الملف اللبناني مرة جديدة تحت المجهر. لبنان ليس أمام استحقاق تقني عادي، بل أمام اختبار لمدى قدرة الدولة على إقناع المجتمع المالي الدولي بأنها انتقلت من مرحلة إصدار القوانين والتعاميم إلى مرحلة تنفيذها وإظهار نتائج ملموسة في التحقيقات والملاحقات والمصادرات وتجفيف قنوات التمويل غير المشروع.
ومنذ إدراجه في تشرين الأول 2024 ضمن الدول الخاضعة للمراقبة المعززة، أي ما يُعرف بـ'اللائحة الرمادية'، لم يتمكن لبنان حتى الآن من انتزاع قرار يؤكد إتمام خطة العمل. وفي آخر مراجعة لها في 19 حزيران 2026، أبقت 'فاتف' لبنان على اللائحة، وكررت تقريبًا البنود العشرة التي تشكل جوهر خطة العمل المطلوبة منه.
والرسالة الأهم في قرار حزيران ليست فقط أن لبنان بقي على اللائحة، بل إن 'فاتف' لم تعلن أن بيروت أنجزت بصورة كافية أيًّا من الملفات الأساسية التي تسمح بالانتقال إلى المرحلة التالية، على غرار ما حصل مع دول أخرى أحرزت تقدمًا كافيًا، فانتقلت إلى تقييم ميداني تمهيدًا للخروج من المراقبة المعززة.
وهنا تكمن المشكلة اللبنانية.
فالدولة تستطيع أن تقول إنها عدلت قانونًا، أو أصدرت تعميمًا، أو شددت رقابة معينة. لكن السؤال الذي سيصل إلى طاولة باريس في تشرين الأول سيكون أكثر قسوة: كم قضية غسل أموال جرى التحقيق فيها؟ كم ملاحقة وصلت إلى القضاء؟ كم حكمًا صدر؟ كم من الأموال جُمّد أو صودر؟ وهل تستطيع الدولة كشف المستفيد الحقيقي من الشركات والحسابات والعمليات المعقدة؟ هذه هي اللغة التي تفهمها 'فاتف': النتائج لا النيات. وحتى الآن، النتائج غير مرضية.
من الرمادية إلى الرمادية الطويلة
من الخطأ التعامل مع اللائحة الرمادية وكأنها عقوبة تجمد لبنان ماليًا بين ليلة وضحاها. لكن المشكلة تكمن في الأثر التراكمي.
فكلما بقي لبنان مدة أطول في هذه المنطقة، أصبح على المصارف المراسلة والمؤسسات الدولية أن تتعامل معه بدرجة أعلى من التدقيق وإدارة المخاطر. وفي بلد يحاول أصلا إعادة بناء علاقته بالنظام المالي العالمي بعد انهيار القطاع المصرفي، تصبح أي زيادة في كلفة الامتثال أو أي شك إضافي في مصدر الأموال عقبة جديدة أمام عودة الثقة.
والأهم أن لبنان لا يدخل اجتماع تشرين الأول من موقع دولة أغلقت كل الثغرات، بل من موقع اقتصاد تغير جذريًا منذ 2019، وانتقل جزء كبير من نشاطه من المصارف إلى الكاش.
وهذا التحول هو أحد أخطر العوامل في معادلة مكافحة غسل الأموال.
والسؤال: هل اقترب لبنان من 'السوداء'؟
الجواب حتى الآن: لا توجد معطيات رسمية تسمح بالقول إن الانتقال إلى اللائحة السوداء في تشرين الأول بات قرارًا محسومًا.
فاللائحة السوداء، بحسب 'فاتف'، مخصصة للدول ذات المخاطر العالية جدًا والتي تستوجب إجراءات مضادة لحماية النظام المالي العالمي. لكن هذا لا يعني أن لبنان يستطيع الاطمئنان.
فالخطر الحقيقي ليس بالضرورة 'الأسود' غدًا صباحًا. إنما الخطر هو الرمادي الذي يتحول إلى وضع دائم.
فكل شهر إضافي من عدم الإنجاز يعني أن لبنان يظل دولة ذات مخاطر مالية أعلى في نظر المؤسسات الدولية، في وقت يحاول فيه جذب أموال واستثمارات وإعادة بناء القطاع المصرفي.
تشرين الأول: ماذا سيبحث المفتشون؟
إذا أراد لبنان تغيير الصورة، فعليه أن يصل إلى الاجتماع المقبل ومعه شيء ملموس، وسيكون عليه أن يقدم، عمليًا:
أرقامًا عن التحقيقات المالية وملاحقات غسل الأموال.
أحكامًا قضائية ونتائج ملموسة، لا مجرد ملفات مفتوحة.
بيانات عن الأموال التي جرى تجميدها أو مصادرتها.
تقدمًا واضحًا في استرداد الأصول الموجودة في الخارج.
إجراءات فعالة لكشف المستفيد الحقيقي من الشركات.
نتائج ملموسة في مكافحة تهريب النقد عبر الحدود.
رقابة أكثر فاعلية على شركات الصرافة وتحويل الأموال.
معالجة عملية لمخاطر الاقتصاد النقدي.
رقابة قائمة على المخاطر على الجمعيات والقطاعات غير المصرفية.
إثباتًا أن العقوبات المالية المستهدفة تُطبق فورًا وبصورة فعالة.
وهذه النقطة الأخيرة ستكون شديدة الحساسية في ظل ملف 'القرض الحسن' وشبكات تمويل 'حزب الله'، إذ لا يستطيع لبنان أن يقنع المجتمع الدولي بأن نظامه المالي آمن إذا بقيت هناك مؤسسات تقدم خدمات مالية خارج الرقابة المصرفية، أو اقتصاد نقدي واسع يصعب تتبعه، أو عمليات ذهب وصرافة وتحويل أموال لا تصل فيها الرقابة إلى المستفيد النهائي، أو ملفات غسل أموال لا تنتهي إلى أحكام ومصادرات.
في المحصلة، الامتحان الحقيقي لبيروت في تشرين الأول لن يكون السؤال فقط: هل سيبقى لبنان على اللائحة الرمادية؟
إنما السؤال الأهم سيكون: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تثبت أنها بدأت فعلا باستعادة احتكارها للرقابة على المال؟
إذا جاءت الإجابة سلبية، فالسيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار لبنان في المراقبة المعززة.
أما إذا قدمت الدولة نتائج قضائية ومالية قابلة للقياس، وهذا مستبعد في ظل الفشل حتى الآن في وضع حد لتفلّت 'القرض الحسن' وعدم القدرة على إقفاله، فقد تبدأ عملية الخروج من اللائحة، لكن الطريق لن تكون قصيرة.
وفي الحالتين، فإن 'القرض الحسن' سيبقى واحدًا من أكثر الملفات حساسية، لأنه يجسد السؤال الذي يواجه لبنان كله: هل توجد منظومة مالية واحدة تخضع لقواعد الدولة، أم أن هناك اقتصادًا ماليًا موازيًا يستطيع أن يعيش إلى جانب النظام الرسمي؟
وهذا، بالنسبة إلى لبنان، هو الامتحان الأصعب في تشرين الأول.











































































