اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٢٩ تموز ٢٠٢٦
كتب جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة
لا أحد يردع إسرائيل، ويكبح جموح بنيامين نتنياهو وجنونه في جنوب لبنان، غير عابئ بصيغة الإطار، ولا بالالتزام الذي قطعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئيس جوزاف عون أثناء زيارة الأخير إلى واشنطن، بحمل تل أبيب على وقف عملياتها في المناطق التي يحتلها جيشها، لأنّ جرف المنازل وتسويتها بالأرض في غير مدينة وبلدة وقرية، يُعتبَر عملاً عسكرياً محظوراً بالقانون الدولي، خصوصاً إذا كانت الأبنية المنسوفة وحدات سكنية ومؤسسات تربوية، ومستشفيات، ومستوصفات، ومصانع ومحال تجارية. إنّها سياسة الأرض المحروقة، «المحلوقة» التي يريدها الكيان العبري صحراء قاحلة، لا أثر للحياة فيها، من أجل ضمان أمن مستعمراته الشمالية.
لقد بات واضحاً بما لا يحمل النقض، والإلتباس، أنّ نتنياهو وافق على صيغة المناطق التجريبية، وقبِل بدخول الجيش اللبناني إليها للتعمية وإيهام الرأي العام الدولي أنّه جاد في تجاوبه مع الساعين لوقف الحرب، ورغبته في سلام مع لبنان، لكنّ المنطقة التجريبية التي انتشر فيها الجيش لم تكن محتلة. وهو لا يعطي قولاً قاطعاً في انسحاب القوات الإسرائيلية إلى الحدود الدولية، بل يتحدّث عن إعادة انتشار وتموضع. وهذا يعني أنّ لا كلام فعلياً، ولا خطوات عملية حول الانسحاب قبل الانتخابات الإسرائيلية التي يسعى لحصد النسبة الأعلى من نتائجها وضمان عودته إلى الحكم. والدليل على نزوع نتنياهو إلى معارضة أي مسعى، والإلتفاف على أي ضغط، ورفض كل وساطته، هو استمراره في دفع الجيش الإسرائيلي إلى مواصلة إعتداءاته في مناطق واسعة من الجنوب، مضيفاً إليها مواقع للجيش اللبناني.
فالمراهنة على واشنطن، وتحديداً الرئيس ترامب، ليلزم إسرائيل على الانسحاب لا تستقيم، لأنّ «أجندة» نتنياهو مختلفة تمام الإختلاف وتعاكس تطلّعات لبنان، وحتى الإدارة الأميركية التي لا يزال للوبي الصهيوني فيها ألف يد ويد، قادرة على العبث و«الخربطة». ويقول ديبلوماسي أميركي سابق، شغل مناصب مختلفة في عدد من سفارات بلاده في الشرق الأوسط، إنّ إسرائيل غزت لبنان لكي لا تخرج منه، وإن خرجت فبثمن باهظ أو بالحري «جزية» تؤدّى لها، وإنّ مَن يظن أنّ واشنطن قادرة على إخراجها لا يدري شيئاً عن مدى تأثير تل أبيب على دوائر القرار في هذه الدولة العظمى.
ويرى الديبلوماسي عينه، أنّ تصلّب نتنياهو ورفضه أي تسوية عادلة، تقوم على الانسحاب كمقدّمة لمفاوضات تفضي إلى اتفاق سلام، هو أمر واقع ولا يحتاج إلى كثير من الأدلة. لكنّ ذلك يعزّز موقع مَن يدعو إلى تصعيد «حزب الله» ضدّ وحدات الجيش الإسرائيلي، والدعوة إلى مواجهتها بكل الوسائل، وينتج توتراً مع الدولة. فالانسحاب شيء، وإعادة الانتشار شيء آخر، والمناطق التجريبية غير المحتلة ليست إنجازاً كبيراً يوازي جلاء القوات الإسرائيلية، ولو أنّه خطوة جيدة على طريق إعادة بسط سلطة الدولة بواسطة الجيش اللبناني الذي لا يتعايش مع الاحتلال ولا يمكن أن يكون متراساً له. على أنّ ما يُخطَّط له في بعض الدوائر الأميركية المتعاطفة مع تل أبيب، هو الدفع في اتجاه صدام بين الجيش و»حزب الله» وبيئته التي تتملّكها الهواجس، وتستبد بها المخاوف نتيجة شعورها بالاستهداف، وعدم حصولها على ضمانات مطمئنة.
إنّ التصرُّفات الإسرائيلية العدائية لم تتوقف حتى الساعة، وليس هناك ما يؤكّد أنّها ستتوقف، ولو قدَّم لبنان بعض التنازلات، أو عقد تفاهمات ما كانت لتحصل قبل «حرب الإسناد». هذه هي الصورة الواقعية للمشهد السياسي والميداني قبل اجتماع روما بعد أيام. والحقيقة أنّ إسرائيل ستكثف عملياتها في الجنوب وتمعن قتلاً ودماراً بغرض إحداث وقائع جديدة على الأرض، وإفراز معادلة تكون الكفة الراجحة فيها لها. والخوف أن يكون الجيش اللبناني مرّة أخرى في مهداف الدولة العبرية لإلزامه بسلوك يتنافى مع دوره الوطني، وتواصله الإيجابي مع أبناء شعبه.
من هنا يمكن القول إنّ هذه المرحلة ستكون محفوفة بالحذر والخطر، وإنّ المطلوب تعميق التواصل بين المسؤولين في لبنان لتقديم مقاربة متقاربة، ولو في حدودها الدنيا، لعبور الموجة العاتية التي تضرب البلاد. وفي هذا الإطار يجب ترقّب لقاء رئيس المجلس النيابي نبيه بري ورئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بعد طول قطيعة، وما سيسفر عنه، وإلى أي مدى يمكن أن يزيل من ألغام من طريق العلاقة المقطوعة تماماً مع الرئيس عون و»حزب الله». لأنّ أي اتفاق مع الخارج – أي خارج – لا يستطيع أن يحلّ مكان التفاهم الوطني، أو النسبة الأعلى من هذا التفاهم، إذا لم يكن مركوزاً في وفاق وطني لا مفرّ منه.











































































