اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
تحتل نقابة المهندسين الأردنيين مكانة راسخة في تاريخ المؤسسات الوطنية؛ فمنذ تأسيسها، أسهمت في تنظيم العمل الهندسي، وبناء الكفاءات، ورفع مكانة المهندس الأردني، وكان لها حضور مؤثر في الحياة المهنية والوطنية. وقد راكمت عبر عقود خبرات ومؤسسات وصناديق وخدمات تشكل جزءاً أصيلاً من ذاكرة المهنة وحياة أعضائها.
ومع ذلك، فإن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات البناء والتكنولوجيا والاقتصاد والعمران تضعنا أمام سؤال يستحق نقاشاً هادئاً وشجاعاً: هل ما زالت المنظومة التي ننظم من خلالها مهنتنا قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة المقبلة؟
أعتقد أن الوقت قد حان لإعادة التفكير في العلاقة بين تنظيم الممارسة الهندسية والتمثيل النقابي، وفي الأدوار المتوزعة بين النقابة والجامعات والبلديات والجهات الحكومية والقطاع الخاص. فهذه الجهات تعمل جميعها داخل منظومة متكاملة، وأي تداخل أو خلل في توزيع المسؤوليات بينها ينعكس مباشرة على جودة المشاريع، وكلفة البناء، وفرص الاستثمار، ومستقبل المهندس الأردني وحياته المهنية.
لقد جمع النموذج القائم داخل النقابة بين وظيفتين جوهريتين: حماية حقوق المهندسين وتمثيلهم والتعبير عن مصالحهم، وتنظيم ممارسة المهنة وضبط شروطها ومعاييرها. ولكل وظيفة طبيعتها وأولوياتها وأدواتها؛ فالتمثيل النقابي يقوم على رعاية شؤون الأعضاء وتحسين ظروفهم المهنية والاجتماعية، بينما يستند التنظيم المهني إلى حماية المصلحة العامة، وضمان الكفاءة، ومراقبة الالتزام بالمعايير، وترسيخ المساءلة. ومن هنا تبرز أهمية التفكير في إطار مؤسسي أكثر وضوحاً يحقق التوازن بين الوظيفتين، ويمنح كل جهة القدرة على أداء مسؤولياتها باستقلالية وكفاءة.
تقدم التجارب الدولية نماذج تستحق التأمل؛ ففي بريطانيا، تتوزع المسؤوليات بين هيئات تنظم تسجيل المهندسين المعماريين وتحمي الجمهور، ومؤسسات مهنية تُعنى بتطوير الأعضاء وتمثيلهم. وفي الولايات المتحدة، تتولى مجالس الولايات مسؤولية ترخيص الممارسة الهندسية، فيما تؤدي الجمعيات المهنية دوراً رئيساً في التطوير وتبادل المعرفة. تختلف هذه النماذج في تفاصيلها، لكنها تلتقي عند حقيقة جوهرية: تنظيم المهنة وحمايتها مسؤولية ترتبط بالمصلحة العامة للمجتمع، بينما تمثيل أصحاب المهنة مسؤولية نقابية تُعنى بالإنسان وشؤونه المهنية.
وفي الأردن، يمكن أن يشكل هذا التوجه مدخلاً لتأسيس مجلس وطني مستقل لتنظيم الممارسة الهندسية، يتولى اعتماد الكفاءات، وتطوير متطلبات الترخيص والتدريب المستمر، ومتابعة الالتزام بمعايير الممارسة وتأكيد المسؤولية المهنية. ويمكن بناء هذا المجلس بتطوير الهياكل والرسوم القائمة، بما يضمن استدامة تمويله واستقلال قراره، مع الحفاظ الكامل على حقوق المهندسين المكتسبة ومراعاة خصوصية التجربة الأردنية.
في المقابل، تتفرغ النقابة بصورة أعمق لرسالتها الإنسانية والنقابية الأساسية: حماية المهندسين، وتطوير صناديق التقاعد والتأمين الصحي والرعاية الاجتماعية، ورفع مستوى الخدمات، وتعزيز فرص التدريب والتشغيل، وفتح آفاق حقيقية أمام المهندسين الشباب. فالنقابة القوية هي التي يجد فيها أعضاؤها سنداً حقيقياً وملجأً مهنياً، ويشعرون بأن صوتهم حاضر في رسم ملامح غدهم.
وهنا تبرز إحدى أكثر القضايا إلحاحاً: العلاقة بين التعليم الهندسي وسوق العمل. فالجامعة تُعدّ المهندس، والمهنة تصقل خبرته، والدولة تنظم ممارسته، والسوق يختبر كفاءته، والمدينة تكشف جودة عمله. وتقتضي هذه الحلقات اتصالاً وثيقاً وتعاوناً مستمراً.
لقد تطورت العلوم الهندسية وتنوعت تخصصاتها، وتغيرت معها طبيعة المشاريع ومتطلبات الحياة؛ فلم يعد المهندس مطالباً بالجانب الفني فحسب، بل بفهم التكنولوجيا، والاقتصاد، وإدارة العقود، والعمل ضمن فرق متعددة التخصصات. ومن هنا تأتي مسؤولية الجامعات في تحديث برامجها، وتعزيز التعليم التطبيقي، وربط مشاريع التخرج بالصعوبات الواقعية التي تواجه قطاع البناء والعمران.
كما أن المكاتب الهندسية وشركات الإنشاء والاستشارات والجهات الحكومية تمتلك خبرات ميدانية واسعة يمكن أن تثري المناهج وتوجه البحث العلمي. ومن المفيد أن يشارك الممارسون في العملية التعليمية، وأن تفتح المشاريع الوطنية أبوابها أمام التدريب العملي الجاد، لتتحول الأبحاث الجامعية إلى حلول ملموسة في مواقع التنفيذ ومراكز القرار. نحن بحاجة إلى بيئة يتعلم فيها الطالب من واقع المهنة، ويستفيد فيها القطاع من حيوية المعرفة الجامعية، ليجد الخريج مساراً آمناً للانتقال من مقاعد الدراسة إلى الممارسة الميدانية بثقة.
وهذه المسألة تمس مستقبل المهندس الشاب بشكل مباشر. إن سنوات الدراسة تمثل استثماراً كبيراً للأسرة والجامعة والدولة، وتكتمل قيمة هذا الاستثمار عندما يجد الخريج مساراً واضحاً للتدريب والتأهيل والتخصص والعمل الكريم. كما أن قراءة احتياجات السوق وتحديد المهارات المستقبلية يساعدان في بناء جيل هندسي قادر على المنافسة والابتكار داخل الأردن وخارجه.
وفي الوقت نفسه، تتغير طبيعة الممارسة الهندسية بفعل نمذجة معلومات البناء (BIM)، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات المدن الذكية. وهي تحولات تفتح أمام الأردن فرصاً واسعة لرفع كفاءة الطاقة، وتحسين إدارة المرافق والأصول، وتطوير الخدمات الحضرية. ويتطلب ذلك بيئة مهنية وتشريعية تتفاعل مع التكنولوجيا، وتمنح المهندس مساحة للابتكار، وتربط المعرفة بالتطبيق السليم.
ومن هنا يبرز دور البلديات وأمانة عمان والجهات المسؤولة عن التخطيط العمراني. فالمدينة ليست مجرد مبانٍ ورصف، بل هي حصيلة قرارات متراكمة تمس حياة الناس في استعمالات الأراضي، والنقل، والإسكان، والمساحات العامة. والتخطيط الحضري مسؤولية إنسانية وطويلة الأمد تستدعي رؤية تتجاوز الفترات الإدارية، وتستند إلى البيانات والمشاركة المجتمعية. كما تتطلب وضوحاً تاماً في الفصل بين تسجيل المهندس، واعتماد المكاتب الهندسية، وتدقيق المخططات، وإصدار الرخص، والرقابة على التنفيذ؛ بحيث تمارس كل جهة دورها بشفافية ومسؤولية قابلة للمحاسبة.
إن إعادة التفكير في منظومة الهندسة والعمران فرصة اقتصادية ووطنية جامعة. فوضوح الإجراءات، وسرعة المعاملات، وارتفاع جودة التصميم، عوامل تعزز الثقة وتدعم تنافسية الاقتصاد. كما أن وجود نظام متطور للمسؤولية والتأمين المهني يحمي حقوق المواطنين، وأصحاب المشاريع، والمهندسين على حد سواء.
إن أي تغيير في مؤسسة عريقة يتطلب حواراً واسعاً، واحتراماً لما أُنجز عبر تاريخها، وقراءة متأنية للحقوق والتشريعات. ولذا ينبغي أن يبدأ النقاش بالاعتراف بقيمة التجربة القائمة، ثم الانتقال إلى تطويرها لتلبي تطلعات غدٍ أفضل. ويمكن أن تشارك النقابة والجامعات والوزارات والبلديات والمكاتب الهندسية والمقاولون والمهندسون الشباب في صياغة تصور وطني مشترك، يستند إلى دراسة التجارب الدولية وتقييم الواقع المحلي، وصولاً إلى نموذج ناضج وقابل للتطبيق بالتدرج.
إن ما نطرحه يتجاوز إعادة توزيع الصلاحيات أو تعديل المواد القانونية؛ إنه دعوة للتعامل مع الهندسة والعمران باعتبارهما منظومة إنسانية ووطنية واحدة، تبدأ من مدرج المحاضرات، وتستمر في المكتب وموقع العمل، لتنعكس أخيراً على شكل المدينة التي يعيش فيها الإنسان ويصنع فيها مستقبله.
يمتلك الأردن جامعات عريقة، ومهندسين أصحاب كفاءة عالية، وقطاعاً هندسياً غنياً بالإنجازات. وما نحتاجه اليوم هو تتويج هذه الطاقات ضمن رؤية واضحة تجعل المعرفة أساس القرار، والكفاءة معيار المسؤولية، وجودة حياة الإنسان الغاية الأولى للعمل الهندسي.
فالدولة القوية تحسن توزيع الأدوار وتضع الكفاءة في موقع القرار. والنقابة القوية تحمي أعضاءها وترتقي بحياتهم ومكانتهم. والجامعة الناجحة تخرّج مهندساً واثقاً ومدركاً لمتطلبات عصره. والمدينة الناجحة هي التي تمنح ساكنيها حياة كريمة، ومستقبلاً أكثر أمناً واستدامة.
تلك هي المنظومة العمرانية الهندسية التي يستحقها الأردن؛ منظومة تنصف المهندس، وتحمي المواطن، وتحترم المال العام، وتفتح الأبواب أمام جيل جديد يرى في مهنته رسالة للبناء والابتكار وصناعة المستقبل.

























































