اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦
تستحقُّ العقبةُ أن يرى القادمُ إليها شيئاً من روح أهلها في لوحةٍ، وأن يصغي إلى أصواتهم في أمسيةٍ، وأن يجد وراء واجهتها السياحية حياةً ثقافيةً تنمو مع المدينة وتمنحها حضوراً في الوجدان. تحملُ بوابتنا البحرية على العالم فرصةً واسعةً لتبادل الجمال والمعرفة، ويمنحها موقعُها مسؤوليةً في تقديم صورة الأردن، بأهله ومبدعيه وقدرتهم على صناعة المعنى. في هذا الأفق تتقدّم تجربةُ جمعية أيلة للثقافة والفنون، بما راكمته من عملٍ، وبما تنطوي عليه مثابرتُها من إيمانٍ بأن المدينة تستحقُّ نصيبَها من الإبداع، وأن أهلَها يستحقّون المشاركةَ في صناعته.
تأسّست الجمعيةُ في الحادي والعشرين من حزيران عام 2015، وحملت في أهدافها رعايةَ الأدباء والمبدعين، ونشرَ الفعاليات الثقافية، ودعمَ الفنون التشكيلية والفنون بأنواعها. يمنحُ هذا الاتساعُ تجربتَها أفقاً يتجاوز تخصّصاً واحداً، ويكشفُ رغبةً في إقامة مساحةٍ تتجاور فيها الكلمةُ مع اللون، وتتصلُ فيها الموهبةُ بفرصة التعلّم والظهور. يحملُ اسمُ أيلة كذلك صلةً بذاكرة المكان، ويضعُ العملَ الثقافي في امتداد مدينةٍ عرفت التواصلَ مع الآخرين، ثم واصلت بناءَ شخصيتها بين البحر والصحراء وحركة الناس.
تظهرُ قيمةُ الجمعية في عنايتها بتعليم الفن، وإتاحة التدريب على الرسم، كما تؤكّد إعلاناتُها المنشورة على صفحتها في فيسبوك. تكتسبُ الدورةُ التعليمية معناها حين تمنحُ المشاركَ قدرةً على النظر، وصبراً على المحاولة، وثقةً بما تستطيع يدُه أن تنجز. يتعلّمُ الطفلُ أمام الورقة كيف ينتبهُ إلى التفاصيل، ويكتشفُ الشابُّ أن التعبيرَ يحتاجُ معرفةً وممارسةً، ويجدُ الكبيرُ فسحةً لاستعادة جانبٍ من ذاته. هكذا يصلُ الفنُّ إلى الحياة اليومية، ويصبحُ تعلّمُه فرصةً لتوسيع الحسّ بالجمال وبناء علاقةٍ أعمق مع المحيط.
يعزّزُ هذا المسارَ مخيمُ أيلة للفن التشكيلي الذي اختُتم في كانون الثاني عام 2024، بمشاركة فنانين من الأردن والسعودية وتونس وليبيا، واستهدف تعريفَ النشء بالفنون وإتاحةَ اختلاطهم بالفنانين أصحاب الخبرة. تحملُ هذه الصلةُ بين الأجيال قيمةً تربويةً؛ فالموهبةُ تنضجُ بالمشاهدة والحوار، وتكتسبُ جرأةَ السؤال عندما تجدُ من يصغي إليها. يمنحُ الفنانُ الناشئَ شيئاً من خبرته، ويستعيدُ بدوره دهشةَ البدايات، فتغدو الورشةُ مكاناً لتبادل المعرفة، وتتحوّلُ المشاركةُ العربية إلى خبرةٍ قريبةٍ يلمسُها أبناءُ المدينة.
تتّسعُ التجربةُ في ملتقيات الفن والجمال، وتكشفُ موضوعاتُها عن صلةٍ بين الإبداع والوعي بقضايا الأرض والإنسان. حملت الدورةُ السابعةُ عنوانَ «القدس بعيون الفنانين»، وجاءت الدورةُ العاشرةُ عام 2025 بعنوان «حكايا أردنية»، بمشاركة ثمانين فناناً من سبع دول عربية. يفتحُ اختيارُ الموضوع أمام اللوحة مجالاً لقراءة التاريخ والهوية، ويتيحُ للفنان القادم أن يقتربَ من الأردن عبر المكان والناس والأثر. تتولّدُ هنا فائدةٌ متبادلةٌ؛ إذ تستقبلُ العقبةُ تجاربَ متنوعةً، ويعودُ المشاركون بصورٍ تستقرُّ في أعمالهم وذاكرتهم.
يحضرُ الأدبُ أيضاً في هذه المساحة؛ فقد استضاف مقرُّ الجمعية الأمسيةَ الثانيةَ من مهرجان رابطة الكتّاب الأردنيين في العقبة، في أيار عام 2025، ضمن احتفالات الرابطة بيوبيلها الذهبي. تكشفُ هذه الاستضافةُ عن استعدادٍ للتعاون، وعن فهمٍ للعمل الثقافي تتشاركُ فيه المؤسساتُ المكانَ والجمهورَ والخبرة. يحتاجُ الحراكُ المحلي إلى مثل هذه الروابط، لأنها تمنحُ المبادرةَ امتداداً، وتصلُ مبدعي العقبة بزملائهم في المحافظات، وتوسّعُ فرصَ اللقاء بين الكاتب والقارئ، وبين التجربة الفردية والحياة الثقافية العامة.
تستدعي المواسمُ الثقافيةُ جهداً يتجدّدُ مع كل برنامج؛ إعداداً وتواصلاً وتنظيماً واستضافةً وتوفيراً للمواد والمساحات. يكتسبُ الاعتمادُ غالباً على التمويل الذاتي، في هذه التجربة، دلالةً تتصلُ بإيمان القائمين عليها بجدوى ما يصنعون. يستثمرون من وقتهم ومواردهم كي يستمرَّ النشاط، ويمنحوا الموهبةَ موعداً وفرصةً. تستحقُّ هذه الإرادةُ شراكاتٍ منتظمةً مع مؤسسات المجتمع المحلي، ودعماً يتناسبُ مع أثر العمل واستمراره، ويتيحُ التخطيطَ لمواسم مقبلة بثقةٍ، ويربطُ العطاءَ الفردي بقدرةٍ مؤسسيةٍ تحفظُ تراكمه.
أحيّي الأستاذَ علي كريشان على هذه المثابرة، وعلى الجهد الذي يبذلُه في صناعة حالةٍ فنيةٍ ثقافيةٍ مقدّرة. تظهرُ قيمةُ العامل في الثقافة في قدرته على مواصلة العمل، وجمع الناس حول فكرةٍ، ورعاية بداياتهم حتى تجدَ طريقَها. تستحقُّ العقبةُ، ثغرُ الأردن الباسم، أن تتّسعَ فيها مساحاتُ الرسم والقراءة والحوار، وأن يجدَ أبناؤها ما يعينُهم على التعبير عن مدينتهم وعن أنفسهم. تمنحُ جمعيةُ أيلة هذا الطموحَ عملاً ملموساً، ويمنحُ دعمُ تجربتها المدينةَ فرصةً لتعميق حضورها الثقافي، وحملِ إبداعها عبر بوابتنا البحرية إلى العالم.

























































