اخبار سوريا
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦
عندما يرى الطفل أنماطاً متنوّعة للنساء في مهنهن وأدوارهن الاجتماعية، يتعرّف إلى إمكانات متعدّدة للحضور الإنساني، وحين تختفي بعض هذه الصور أو تخضع لتعديلات تستهدف مظهرها، فقد يتلقّى رسالة ضمنية مفادها أن حضور المرأة في المجال العامّ مشروط بمطابقة نموذج محدّد، وينبغي خضوع مظهرها لمعيار واحد لا يقبل غيره.
قد يتعلّم الطفل إقصاء الآخر من غير سماع عبارة واحدة تحضّه على الكراهية. إذ يكفي حذف صورة أو تعديل مظهر ما في كتاب مدرسي كي يرى العالم من زاوية واحدة، وتتكوّن عنده معايير يحدّد على أساسها من يستحقّ القبول ومن يُقصى.
عبر هذا المدخل يمكن قراءة التعديلات التي طالت عدداً من المناهج الدراسية السورية، والتي عرض الصحافي السوري محمّد السلوم، نماذج منها في صفحته على الفيسبوك، ثم ضجّت منصّات التواصل الاجتماعي بالخبر المثبت عبر الصور المستقاة من الكتب المدرسية.
ففي الكتب الموجّهة إلى الصفوف الأولى الابتدائية الصادرة خلال العام الدراسي الحالي، أعادت وزارة التربية السورية طباعة كتب تعود إلى العام الدراسي 2012-2013، مع تعديلات شملت حذف موادّ مرتبطة بالنظام السابق، إلى جانب دروس تتناول الإدارة المحّلية والحياة السياسية والمواطنة والإعلام والمشاركة الديمقراطية، كما طالت التغييرات الجانب البصري أيضاً، فحُذفت صور لنساء وطفلات غير محجّبات، وأضيف الحجاب والبرقع إلى صور نساء أخريات، فيما غُطيت تماثيل وأُزيلت لوحات فنّية.
من هنا، تفتح هذه الوقائع باباً لسؤال يتجاوز سلامة التنفيذ الفنّي، بالقول: ما الذي يريد المنهج المدرسي أن يراه الطفل في العالم؟ وأيّ صورة عن المرأة والمجتمع والتاريخ والفنّ يجري تثبيتها أو إبعادها في ذهنه؟
يلتقط عقل الطفل من الصورة ما تعجز الكلمات أحياناً عن قوله في السنوات الأولى من التعليم، فيتعامل مع الكتاب المدرسي بوصفه مصدراً موثوقاً للمعرفة، وتكتسب الصور التي يتضمّنها أهمّية لا تتوقّف عند وظيفتها التوضيحية، فهي تشارك في تحديد ما يبدو طبيعياً ومقبولاً، أو غريباً وغير مرغوب فيه. وعندما يرى الطفل أنماطاً متنوّعة للنساء في مهنهن وأدوارهن الاجتماعية، يتعرّف إلى إمكانات متعدّدة للحضور الإنساني، وحين تختفي بعض هذه الصور أو تخضع لتعديلات تستهدف مظهرها، فقد يتلقّى رسالة ضمنية مفادها أن حضور المرأة في المجال العامّ مشروط بمطابقة نموذج محدّد، وينبغي خضوع مظهرها لمعيار واحد لا يقبل غيره.
وتتشكّل هذه الرسائل عبر التكرار، ومن خلال انسجامها مع ما يتلقّاه الطفل في أسرته ومحيطه الاجتماعي ووسائل الإعلام.
لذلك، يصعب عزل أثر صورة بعينها عن بقيّة عناصر التنشئة، غير أن تكرار التمثيل الأحادي قد يجعل نموذجاً اجتماعياً محدّداً يبدو طبيعياً، فيما تبدو النماذج الأخرى استثناءً يحتاج إلى تبرير.
ومن غير شكّ، يعدّ الحجاب في ذاته، مظهراً من مظاهر التنوّع الاجتماعي، وتمثيل المرأة المحجّبة في المناهج حقّاً مشروع، كما أن ظهور المرأة من دونه يعكس واقعاً اجتماعياً قائماً. فجوهر المشكلة يكمن في تحويل التمثيل إلى أداة للإقصاء، وإخضاع الصور الموجودة لمعيار أحادي بدلاً من توسيع مساحة التنوّع. إذ كان من الممكن إضافة شخصيّات نسائية محجّبة إلى الرسوم والموادّ التعليمية إذا كان الهدف تعزيز تمثيل فئات المجتمع، مع الإبقاء على الشخصيّات الأخرى. عندها سيعكس الكتاب تنوّع المجتمع، ويمنح الطفل فرصة التعرّف إلى اختلاف المظاهر من غير ترتيب أصحابها في مراتب أخلاقية. أمّا محو الاختلاف أو إعادة تشكيله وفق نموذج واحد، فسوف يرسّخ تصوراً مفاده أن وجود الصورة المختلفة مشكلة تستدعي التصحيح، بدلاً من أن يكون مناسبة لفهم المجتمع.
تحوّل الفنون إلى ساحة إقصاء
تتجاوز دلالة إزالة التماثيل واللوحات الفنّية من الكتب المدرسية فقدان الصور التوضيحية، فالفنّ وسيلة يتعلّم الإنسان من خلالها النظر إلى العالم من نواحي متعدّدة، وفهم الرموز، وتقدير تنوّع أشكال التعبير، والتمييز بين العمل الفنّي والسياق الثقافي الذي نشأ فيه. وعندما يشاهد الطفل منحوتة أو لوحة، فإنه يلتقي بطريقة مختلفة في تمثيل الجسد والطبيعة والتاريخ والخيال، وقد يحتاج إلى شرح كي يفهم السياق الثقافي للعمل وقيمته الجمالية، غير أن وجوده في الكتاب يفتح باب السؤال: لماذا اختار الفنّان هذا الشكل؟ وما الذي أراد التعبير عنه؟ وكيف اختلفت أساليب الفنّانين من عصر إلى آخر؟
تعدّ هذه الأسئلة جزءاً من بناء العقل القادر على الملاحظة والتفسير والمقارنة. وحذف الأعمال الفنّية يحرّم الطالب من فرصة التعرّف إليها ضمن سياق تعليمي منظّم، ما لم توفّر المدرسة بدائل مناسبة تتيح له اكتساب المعرفة نفسها. وتتعمّق المشكلة عندما يصبح الحذف المتكرّر وسيلة لترسيم حدود المسموح به ثقافياً، من غير شرح أو نقاش أو تقديم سياق تاريخي وجمالي يساعد الطالب على الفهم. فالتعليم الجادّ يقتضي إعطاء الطالب أدوات التقييم والفهم، بدلاً من الاكتفاء بإبعاد الموادّ التي قد تثير أسئلة أو خلافات. ويمكن للمدرسة عرض أعمال فنّية مثيرة للجدل، وشرح سياقاتها التاريخية والثقافية، وإتاحة مناقشتها وفق معايير معرفية واضحة. أمّا تغييبها من الأساس، فيغلق باب التعلّم قبل أن يبدأ النقاش.
وتزداد أهمّية الفنّ في المجتمعات الخارجة من الحروب والانقسامات، لأنه يتيح التعرّف إلى الذاكرة الثقافية المتعدّدة، والطرق التي عبّر بها الناس عن أنفسهم عبر العصور. وفي سوريا تحديداً، تختزن الآثار والمنحوتات واللوحات شواهد على تعاقب حضارات وتقاليد دينية وثقافية وفنّية مختلفة. والتعامل مع هذا الإرث على أنه مادّة قابلة للحذف وفق اعتبارات أيديولوجية ضيّقة يضعف قدرة الأجيال الجديدة على فهم تاريخها المركّب، لذلك فإن حماية التراث تتحقّق بتعليم الطلاب قراءة الماضي، والتمييز بين سياقاته، وفهم تنوّعه، والتعامل مع مكوّناته باعتبارها جزءاً من تاريخ الإنسان والمكان.
من يعلّم الطفل حقوقه؟
تكتسب التعديلات المتعلّقة بدروس المواطنة والحياة السياسية والإدارة المحلّية والمشاركة الديمقراطية أهمّية خاصّة، لأنها تمسّ علاقة الطالب بالمجتمع الذي يعيش فيه، والمؤسّسات التي تنظّم حياته، وبحقوقه وواجباته، فالطفل الذي يفهم جيداً معنى المواطنة يبدأ في معرفة أن الناس مختلفين في معتقداتهم وأصولهم ومواقفهم، وتجمعهم حقوق مشتركة في المجتمع.
وعندما تُحذف موضوعات تتناول المشاركة الديمقراطية والحياة السياسية والإعلام، يبرز سؤال جوهري عن البدائل التي يقدّمها المنهاج لفهم المجال العامّ، والتمييز بين المعلومة والرأي، واستيعاب العلاقة بين السلطة والمسؤولية.
وهنا، من الضروري التمييز بين حذف موادّ مرتبطة بالنظام السابق، وهو ما قد يدخل في مراجعة المناهج بعد تغيّر سياسي، وإقصاء موضوعات معرفية أساسية لارتباطها بمجالات السياسة والمشاركة العامّة. فمراجعة المحتوى الذي يكرّس تمجيد سُلطة سابقة أو يفرض روايتها للتاريخ قد تكون ضرورة تربوية، أما إضعاف تعليم المواطنة فيحرم الطلاب من مفاهيم يحتاجون إليها لفهم حقوقهم ومسؤولياتهم.
نعم! يمكن للمناهج الجديدة أن تصحّح ما شاب الكتب القديمة من دعاية أو تحيّز، وتقدّم تاريخ البلاد بصورة أكثر نقدية وتوازناً، مع الحفاظ على المفاهيم التي تساعد الطالب فهم حقوقه والمشاركة في الحياة العامّة. ولعلّ الانتقال السياسي يجعل الحاجة إلى هذه المفاهيم أشد إلحاحاً، لأن المجتمع يتطلّب مواطنين قادرين على التفكير والعمل والمساءلة، وأفراداً يمتلكون أدوات لفحص الروايات الرسمية ومناقشتها.
وهنا تكمن المفارقة: قد تنجح المناهج في إزالة آثار سُلطة سابقة من صفحاتها، فيما تعيد إنتاج منطقها إذا اكتفت باستبدال السردية المهيمنة بسردية أخرى، أو تعاملت مع الطفل بوصفه متلقّياً ينبغي ضبط أفكاره، بدلاً من اعتباره إنساناً يتشكّل وعيه ويحتاج إلى أدوات مستقلّة للفهم والحكم.
من الابتدائية إلى الجامعة وبناء رفض الآخر
قد يبدو الحديث عن أثر هذه التعديلات على طلاب الجامعات قفزاً فوق مراحل طويلة من التنشئة، إلا أنه يصبح أكثر وضوحاً عندما ننظر إلى التعليم بوصفه مساراً متراكماً تتفاعل فيه المناهج مع طرائق التدريس والبيئة الاجتماعية والخبرات الشخصية. فالطالب الذي يصل إلى الجامعة يحمل معه تصوّرات تبلورت من خلال سنوات عن المعرفة والسُلطة والاختلاف، ومعنى الحوار وحدود الاعتراض. وتتأثّر هذه الأفكار بنوعية التعليم الذي تلقّاه، والمساحة التي أُتيحت له كي يسأل ويشكّك ويقارن، والرسائل التي تلقّاها حول الأشخاص والمعلومات المخالفة له.
عندما تقوم المدرسة على التلقين، وتقدّم المعرفة باعتبارها حقائق مغلقة، وتتعامل مع السؤال المزعج بأنه خروج عن المألوف، قد يتعلّم الطالب حفظ الإجابات أكثر ممّا يتعلّم بناءها وفحصها. وإذا اقترن ذلك بتضييق التمثيل الثقافي والاجتماعي، فقد يدخل الجامعة وهو يمتلك معرفة محدودة بالاختلاف، وقدرة ضعيفة على التعامل مع الرأي المخالف بوصفه فرصة للفهم والنقاش.
ولعلّ هذه النتائج تُظهر الخلل في صور متعدّدة، منها: رفض الاستماع إلى رأي يناقض القناعة الشخصية، وتحويل النقاش العلمي إلى مواجهة هويّاتية، واعتبار النقد إساءة إلى صاحب الفكرة، والتعامل مع الاختلاف الثقافي أو الديني أو الاجتماعي باعتباره تهديداً ينبغي مقاومته.
ولا يعني ذلك أن الطلاب الذين يرفضون الآخر نتاج مناهجهم وحدها، فالتعصّب قد يتغذّى أيضاً من الأسرة والجماعات المغلقة والخطاب السياسي والتجارب العنيفة والبيئات الرقمية. كما أن التعليم الجامعي نفسه قد يوسّع أفق الطالب ويغيّر مواقفه. غير أن المؤسّسة التعليمية من المدرسة إلى الجامعة، تتحمّل مسؤولية توفير الأدوات التي تساعده على مراجعة أفكاره، بدلاً من الاكتفاء بنقل المعلومات إليه.
وهنا ينبغي أن نطرح أسئلة على الجامعات السورية أيضاً: هل تتيح البيئة الجامعية حواراً حقيقياً بين الطلاب المختلفين؟ وهل تُدرّس الموادّ الإنسانية والاجتماعية بطريقة تدرّبهم على تحليل الخطاب والحجّة ومراجعة المسلّمات؟ وكيف يستطيع الطالب الاعتراض على فكرة أستاذه، أو مناقشة رأي زميله، من غير أن يتحوّل الاختلاف إلى خصومة شخصية أو تصنيف أخلاقي؟
إن بناء عقل جامعي متقبّل للاختلاف يبدأ قبل دخول الجامعة، ويستمرّ داخلها، فالجامعة التي تستقبل طلاباً تشكّلت تصوّراتهم في بيئات محدودة التنوّع تستطيع توسيع خبراتهم، إذا أتاحت النقاش الحرّ، وشجّعت القراءة النقدية، ووضعت قواعد واضحة تحمي حقّ الجميع في التعبير، وتمنع تحويل الخلاف الفكري إلى اعتداء أو إقصاء. أمّا إذا اكتفت بتكرار ثقافة الإجابات الجاهزة، فقد تزيد سنوات الدراسة المعرفة التخصّصية من غير أن توسّع بالضرورة قدرة الطالب على فهم الآخر.
أيّ تعليم نحتاج إليه في سوريا الجديدة؟
تحتاج سوريا إلى مراجعة مناهجها، غير أن الإشكاليّة الحاسمة تتعلّق بطبيعة هذه المراجعة واتجاهها، فالتحوّلات السياسية والاجتماعية تفرض إعادة النظر في الموادّ التي كرّست تمجيد السلطة أو قدّمت رواية أحادية للتاريخ، كما تستوجب معالجة الصور النمطية والأفكار التي تبرّر التمييز أو تنتقص من جماعات المجتمع المختلفة. إلا أن التخلّص من إرث الاستبداد يتطلّب ما هو أعمق من إزالة صور ورموز من الكتب أو استبدال منظومة من المحظورات بأخرى. إنه يحتاج تغييراً في العلاقة بين الطالب والمعرفة، وبين المدرسة والسؤال، والمؤسّسة التعليمية وحقّ المجتمع في أن يرى نفسه بتنوّعه الحقيقي.
ويبدأ ذلك بتشكيل لجان متخصّصة تضمّ خبراء في التربية وعلم النفس والمناهج والفنون والتاريخ والعلوم الاجتماعية، تتولّى مراجعة الكتب وفق معايير واضحة ومعلنة. كما يتطلّب نشر مبرّرات التعديلات الجوهرية، وإخضاعها لنقاش مهني، وضمان الاتّساق بين المحتوى النصّي والبصري، وتوفير موادّ تعليمية تعرّف الطلاب إلى المواطنة والتنوّع الثقافي والفنون وحقوق الإنسان بما يناسب أعمارهم.
ويحتاج الأمر أيضاً إلى إشراك المعلّمين في المراجعة، فهم الأكثر احتكاكاً بالطلاب والأقدر على ملاحظة أسئلتهم والصعوبات التي تواجههم في الفهم. كما ينبغي أن تتضمّن مراجعة المناهج تقييماً لما يتعلّمه الطلاب فعلياً، ولقدرتهم على الحوار والتفكير النقدي والتعامل مع المعلومات المتعارضة، بدلاً من الاقتصار على حذف المحتوى القديم. فالمنهج الجيّد يُقاس بما يقدّمه من معرفة، وبنوعية الأسئلة التي يتيحها، والمهارات التي ينمّيها، وقدرته على إعداد الطالب لحياة تتعدّد فيها المعتقدات والآراء وأنماط العيش.
ذاكرة ما وراء المشهد
قد يُطوى الكتاب المدرسي، وينتقل الطفل إلى صفّ جديد، ثم يكبر ويدخل الجامعة، وتتغيّر الكتب التي يدرسها والمدرّسون الذين يتلقّون أسئلته. ومع ذلك، قد تظلّ بعض التصوّرات التي تشكّلت في سنواته الأولى حاضرة في طريقة نظره إلى الناس، والأحكام التي يصدرها، وقدرته على الاستماع إلى من يختلف معه.
تلك التصوّرات قابلة للمراجعة والتغيير، فالإنسان يستطيع اكتشاف عوالم جديدة خارج حدود المدرسة، وإعادة النظر في قناعاته، لكنّ التعليم الجيّد ينبغي أن يختصر عليه طريق الخروج من الأحكام المسبقة، بدلاً من الإضافة إليها حواجز جديدة. فالمجتمع الذي يطمح إلى نبذ الكراهية يحتاج إلى مدرسة توسّع أفق الطفل، وتمنحه المعرفة اللازمة لفهم الآخر، وتعلّمه أن الاختلاف لا ينتقص من إنسانية أحد. أمّا المدرسة التي تضيق بالصور والأفكار المتنوّعة، فقد تعيد إنتاج الشروط الثقافية التي تجعل الإقصاء مألوفاً، والتعصّب قابلاً للانتقال من جيل إلى آخر.
ولعلّ ما يُمحى من الكتب قد يعود يوماً في صورة حكم مسبق، أو إقصاء، أو حرمان إنسان من حقّه في الانتماء. عندها، تكون المناهج قد أسهمت في صناعة جدار بين أبناء الوطن الواحد.




































































