اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شمس نيوز
نشر بتاريخ: ١ أب ٢٠٢٦
أبدت حركة الجهاد الإسلامي تحفظها على ورقة ميلادينوف التي أعلن عنها، بعدما قالت حماس إنها وافقت هي وباقي الفصائل عليها.
ومن سياق تصريحات الجهاد يفهم أن الحركة شاركت في المشاورات، ولم تتخذ موقفا مبدئياً معارضاً للورقة باعتبارها مدخلا لوقف الحرب أو لترتيبات انتقالية تتصل بالسلاح الثقيل.
غير أن الورقة النهائية التي أعلن عنها حملت مسارا أوسع، فهي تبدأ من السلاح الثقيل، ثم تقود في نهايتها إلى وضع كل السلاح المنظم تحت سلطة الإدارة الفلسطينية الجديدة.
وهذا يغير موضوع التفاوض نفسه، إذ تجاوز معالجة القدرات العسكرية الثقيلة المرتبطة بالحرب إلى إعادة تعريف موقع السلاح في المشروع الوطني الفلسطيني.
هذا الفارق يفسر جانبا من تحفظ الجهاد، فالحركة تدرك أن قبول مبدأ احتكار السلاح وتعطيله سيبقى قائما حتى لو فشلت الورقة أو رفضتها إسرائيل. فالاتفاق سيتحول مضمونه إلى سابقة تستدعيها واشنطن والوسطاء وإسرائيل في الجولات التالية.
لهذا تحمل اشارة الجهاد الى تفاجئها بنشر الورقة قبل حسم النقاش دلالة سياسية تفيد بأن التداول داخل الدائرة الفلسطينية ومع الوسطاء كان لا يزال مفتوحا، وأن الحركة قدمت ملاحظات تتصل بنطاق السلاح، وبمقابلة كل التزام فلسطيني بالتزام إسرائيلي محدد، خصوصا ما يتصل بوقف العدوان والاغتيالات، من دون أن يؤخذ بهذه الملاحظات.
وما عقّد الموضوع أكثر التصريحات الأمريكية المصاحبة للإعلان، والتي قدمته باعتباره اتفاقا على نزع السلاح، وهو ما دفع الحركة إلى تسجيل تحفظها سريعا، حتى لا ينسب إليها إقرار يطاول مستقبل السلاح وموقعه ووظيفته في الصراع.
وهذا الموقف يثير أسئلة تتجاوز بنود الورقة، وتتصل ببنية التفاوض نفسها. فحماس والفصائل تناقش التفاصيل والشروط مع الوسطاء ومجلس السلام، بينما تتابع إسرائيل النتائج من موقع منفصل يمنحها مساحة واسعة للمناورة، إذ تنتظر ما يوافق عليه الفلسطينيون قبل أن تحدد إن كانت ستقبل النص أو تطالب بتعديله. وقد بدأت إسرائيل فعلياً بالتشكيك في الورقة، وبانها لا تحقق مطلبها، وأعلنت تمسكها بحرية الاغتيال والعمل العسكري، وطالبت الوسطاء بالمزيد. وبذلك تصبح التنازلات الفلسطينية فرصة لجمع المكاسب من دون الدخول في التزام متبادل، ونقطة بداية لأي عملية تفاوضية لاحقة.
يزداد الأمر خطورة عند مقارنة طبيعة التزامات الطرفين. فهناك اختلال واضح في التزامات الجانبين، إذ إن المطلوب من الجانب الفلسطيني خطوات مادية لا لبس فيها، ويصعب التراجع عنها لاحقا، خصوصا ما يتصل منها بالتعامل مع السلاح. وفي الجهة المقابلة، يرد وقف العدوان الإسرائيلي والانسحاب ضمن صيغ تسمح بالتأجيل وإعادة التفسير كلما اقتضت مصالح إسرائيل ذلك.
بالنسبة للوسطاء، هناك دوافع جدية لوضع نهاية لحرب الإبادة في غزة، لأسباب كثيرة، منها ما هو إنساني وسياسي وأمني. لكن هذه الدول تملك تأثيرا كبيرا على حماس وبعض الفصائل الفلسطينية، من دون أن يقابل ذلك قدرة على إلزام إسرائيل، أو وجود خطة جدية للضغط على واشنطن من أجل التأثير في قرارها.
فوقف الحرب، والانسحاب من القطاع، ورفع الحصار، وإعادة الإعمار، كلها عناصر تحتاج إلى موافقة إسرائيلية وضمانة أمريكية حقيقية. أي إن دور الوسطاء ينحصر في الطلب من الفلسطيني أن يقدم ما يملكه، مقابل وعد بالحصول على ما يملكه طرف آخر. وهذا الفارق يجعل الوساطة وسيلة للضغط على الطرف الأضعف، ويحول عبء إنقاذ الناس من جحيم الإبادة إلى ورقة تفاوضية تستخدم لدفع الفلسطينيين إلى قبول شروط تمس مستقبل القضية الفلسطينية.
في المقابل، يوحي سلوك الولايات المتحدة بأنها تريد من هذا المسار تثبيت نزع السلاح أكثر من أي شيء آخر. فقد يضغط ترامب على نتنياهو لاتخاذ إجراءات شكلية، حتى لا يحرجه أو يفسد ما وصفه بالإنجاز التاريخي، إلا أن الفرق واسع بين الضغط لحماية صورة الرئيس الأمريكي والضغط لانتزاع التزام إسرائيلي، وحتى الآن، يبدو التركيز الأمريكي منصبا على ما ستقدمه حماس، فيما يترك المقابل الإسرائيلي للمرحلة التالية.
ربما ليس من الحكمة عقد مقارنة مباشرة بين هذه الصورة ومسار أوسلو، لاختلاف السياق والمقدمات، ولوجود فوارق أعمق من أي محاولة للاختزال. لكن إذا سلطنا الضوء على النهج التفاوضي الإسرائيلي والأمريكي، أمكن التقاط وجه التشابه. ففي أوسلو جرى تثبيت ما قدمه الطرف الفلسطيني، ثم دخلت القضايا الأخرى في مسار ممتد لعقود تحكمه موازين القوة. والخشية اليوم أن يتكرر المنطق نفسه، حيث يقدم الفلسطينيون تنازلات، ثم ينتظرون مسارا سياسيا يملك الاحتلال القدرة على تعطيله، من دون ان تكون واشنطن مستعدة لحمايته.
هذا لا يعني أن غزة تستطيع تحمل حرب مفتوحة بلا نهاية، فالأوضاع وصلت إلى حد اصبح فيه المخرج أولوية وجودية، كما أن المقاومة خرجت من الحرب مثقلة بالخسائر، وتواجه بيئة إقليمية شديدة التعقيد، ولا يبدو ان الدول العربية والإسلامية معنية بالدخول في مواجهة مع إسرائيل أو تحدي الولايات المتحدة.
ضمن هذا الظرف، يتحرك الموقفان، الموافق على الاتفاق والمتحفظ عليه، داخل مأزق واحد، ولا يقدم أي منهما يقيناً حول المخرج الممكن، فقبول المسار يحمل خطر التفريط بورقة يصعب استعادتها، بينما يحمل رفضه خطر استمرار الحرب في ظروف أكثر سوءاً..

























































