اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ١٠ أب ٢٠٢٦
د. حمد الكواري:
ما كان بالغ الصعوبة قبل أربعين عاما
أصبح اليوم يقال على المنابر
المصدر: جريدة الشرق
أمريكا.. حين تتغير حدود المسموح
37% ممن دون الخامسة والأربعين في أمريكا يرون ما فعلته إسرائيل في غزة إبادة جماعية
المال الهائل لم يعد كافيًا لإسكات الخصم بل قد يتحول إلى سلاح ضد صاحبه
لم يعد بمقدور أي مؤسسة مهما بلغ نفوذها أن تتحكم في السردية كما كانت تفعل من قبل
عمدة نيويورك يواجه AIPAC علنًا ومرشح مسلم يفوز رغم ملايين الدولارات لإسقاطه
أمريكا لم تغيّر سياستها تجاه إسرائيل لكن تغيّرت فيها مساحة الكلام عن إسرائيل
عملت سفيرًا لبلادي في نيويورك وواشنطن في ثمانينيات القرن الماضي، فتعلمت أن السياسة الأمريكية، على اتساع حريتها، كانت لها مناطق يعرف كل سياسي وإعلامي حدود الاقتراب منها. لم تكن تلك الحدود مكتوبة في دستور أو قانون، بل كانت حاضرة في الثقافة السياسية وحسابات الانتخابات والتمويل والإعلام. وكانت العلاقة مع إسرائيل في مقدمتها.
كان بالإمكان أن تختلف مع حكومة إسرائيلية في مسألة جزئية، أو تدعو إلى السلام. لكن نقد العلاقة الخاصة مع إسرائيل، أو نفوذ لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية AIPAC، كان له ثمن يعرفه من يقترب منه.
في عام 1984 خسر السيناتور الجمهوري تشارلز بيرسي، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، مقعده بعد حملة شاركت فيها بقوة أموال وشخصيات مؤيدة لإسرائيل. وفي مطلع التسعينيات، دخل جورج بوش الأب في مواجهة مع حكومة إسحاق شامير حول ضمانات قروض مرتبطة بالاستيطان، حتى وجد رئيس الولايات المتحدة نفسه يشكو علنًا من ضغط واقع على الكونغرس. لا أزعم أن إسرائيل كانت تتحكم في أمريكا؛ هذا تعميم غير منصف. لكن التأييد لها كان جزءًا راسخًا من بنية السياسة الأمريكية، تحرسه مصالح انتخابية وتنظيمية قوية.
أستعيد هذه الصورة اليوم، وأسأل: ما الذي تغير؟
فما كان بالغ الصعوبة قبل أربعين عامًا أصبح اليوم يُقال على المنابر، من سياسيين وإعلاميين لا ينتمون إلى اتجاه واحد.
في ميشيغان، فاز عبد الرحمن السيد، الأمريكي المسلم ابن مهاجرين مصريين، بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ. لم يخف موقفه من حرب غزة، ودعا إلى وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل. وأنفقت جهة مرتبطة بـAIPAC نحو ثلاثين مليون دولار لإسقاطه، رقم قياسي في سباق تمهيدي واحد، ومع ذلك فاز، وإن بفارق ضئيل. لا يعني هذا أن نفوذ AIPAC انتهى؛ فالمنظمة حققت انتصارات أخرى ولا تزال قوية ماليًا وتنظيميًا. لكنه يعني أن المال الهائل لم يعد كافيًا لإسكات خصمه، بل قد يتحول تدخله نفسه إلى سلاح يستخدمه المرشح ضده.
وهذه جديدة.
وقبله، برز ظهران ممداني في نيويورك بخطاب اقتصادي يضع كلفة السكن والمعيشة في قلب السياسة، وبموقف شديد النقد لحرب غزة ونفوذ AIPAC. ولم يمنعه ذلك من الفوز بعمدة أكبر مدينة أمريكية، التي تضم أكبر تجمع يهودي في العالم خارج إسرائيل. بل طالب بأن تنفذ السلطات الفيدرالية مذكرة الجنائية الدولية إذا زار نتنياهو نيويورك.
المسألة عندي ليست الاتفاق مع كل ما يقوله ممداني أو السيد، بل إن مثل هذا الخطاب أصبح ممكنًا انتخابيًا.
والأعجب أن الظاهرة تتجاوز اليسار الأمريكي كله. ففي الطرف الآخر يقف تاكر كارلسون، أحد أبرز أصوات تيار MAGA، وقد أصبح من أشد المنتقدين داخل اليمين لما يراه انحراف السياسة الأمريكية عن شعار «أمريكا أولًا» لصالح الحروب الخارجية. وصل خلافه مع ترامب حول إيران وإسرائيل إلى مواجهة علنية، وفي السادس من أغسطس طرح تصورًا من عشر نقاط يرفض فيها الحروب الخارجية غير الضرورية للمصلحة الأمريكية، معتبرًا الداخل الأمريكي نقطة البداية في تحديد أولويات الدولة.
فالبعض يصل إلى نقد إسرائيل من باب حقوق الإنسان وعدالة الفلسطينيين. والبعض الآخر يصل إليه من سؤال مختلف تمامًا: لماذا يدفع الأمريكي ثمن حروب لا يراها ضرورية؟ تختلف الدوافع، لكن السؤال الذي كان يصعب طرحه أصبح مطروحًا من جهات متباعدة. وهذا، في نظري، أهم من الأشخاص جميعًا.
بل إن التحول وصل إلى داخل المجتمع اليهودي الأمريكي نفسه. وهنا لا بد من الدقة: ليس صحيحًا أن اليهود الأمريكيين أصبحوا معادين لإسرائيل، ولا يجوز الخلط بين نقد حكومتها ونقد الصهيونية ومعاداة السامية — هذه مسائل مختلفة تمامًا. لكن المجتمع اليهودي الأمريكي لم يعد كتلة واحدة في علاقته بإسرائيل. منظمات مثل Jewish Voice for Peace وIf Not Now جعلت إنهاء الاحتلال محورًا لنشاطها، ولا تمثل كل اليهود الأمريكيين، لكنها أصبحت جزءًا واضحًا من المشهد. وتؤكد الاستطلاعات هذا الانقسام لا شعارات الناشطين وحدهم: ففي يوليو الماضي، قال 37 في المئة ممن هم دون الخامسة والأربعين إن ما فعلته إسرائيل في غزة يرقى إلى إبادة جماعية، مقابل 23 في المئة بين الأكبر سنًا.
وحين نوسع الدائرة إلى المجتمع الأمريكي كله، تتضح الصورة أكثر: أظهر استطلاع في أبريل أن 60 في المئة من الأمريكيين أصبحت لديهم نظرة سلبية إلى إسرائيل، ارتفاعًا من 53 في المئة قبل عام فقط. أرقام لم تكن مألوفة في أمريكا التي عرفتها.
ما الذي صنع هذا التحول؟ لا سبب واحدًا. جيل جديد لم يعش اسرائيل كما صورها الإعلام المسيطر عليه، بل يراها عبر الصور اليومية من غزة والضفة. وتغير ديموغرافي جعل أبناء المهاجرين جزءًا متزايدًا من السياسة الأمريكية لا هامشًا عليها. ومواطن يقلقه سعر السكن والتأمين الصحي، أصبح أكثر استعدادًا للسؤال عن مليارات تُنفق في الخارج — سؤال يجمع، على نحو لافت، بعض شباب التيارات التقدمية ببعض أنصار «أمريكا أولًا».
ولعل العامل الأكثر حسمًا في هذا التحول هو ذلك الذي لم يكن قائمًا حين عملت سفيرًا في واشنطن: عالمٌ تحوّل إلى قرية صغيرة عبر سلطة خامسة لم تكن موجودة. ففي تلك الحقبة، كانت الرواية الرسمية تُصاغ وتُدار من غرف مغلقة، تحتكرها المؤسسات الإعلامية الكبرى وتمررها إلى الجمهور مُهذَّبة ومُنقّحة، بحيث يصل المشهد إلى المواطن الأمريكي بعد أن يمر عبر مصفاة من التحرير والتأويل. أما اليوم، فقد سقط ذلك الاحتكار. لم تعد الصورة تحتاج إلى إذن من غرفة تحرير لتصل إلى ملايين الهواتف في اللحظة نفسها التي تقع فيها الحادثة، ولم يعد بمقدور أي مؤسسة، مهما بلغ نفوذها، أن تتحكم في السردية كما كانت تفعل من قبل. وقد رأينا أثر ذلك بوضوح في غزة: فالمشاهد التي وصلت مباشرة من الميدان، دون وسيط ولا تعديل، هي التي شكّلت وعي جيل بأكمله، وحوّلت التعاطف الإنساني إلى موقف سياسي يصعب تجاهله. وهذا فارق جوهري بين أمريكا التي عرفتها في الثمانينيات، وأمريكا اليوم: لم تعد الرواية الرسمية تملك الكلمة الأخيرة.
ثم جاءت غزة.
وأقولها كعربي ومسلم لا يستطيع أن يتعامل مع آلام الشعب الفلسطيني كأرقام في تقرير سياسي: كانت المشاهد القادمة منها صادمة للضمير الإنساني. لكن الواجب في التحليل ألا يجعل موقفنا الأخلاقي يستبق النتائج. فالتحالف الأمريكي الإسرائيلي لا يزال قويًا، والمؤسسات المؤيدة لإسرائيل لا تزال شديدة النفوذ، والكونغرس لا يزال أكثر تأييدًا لها من واسع الرأي العام. وفي المقابل ارتفاع مقلق في معاداة السامية والاعتداءات على اليهود، يجب رفضه بلا تردد، تمامًا كما نرفض الإسلاموفوبيا والعنصرية ضد العرب والمسلمين. فالنقد المشروع لسياسة دولة أو جماعة ضغط لا يجوز أن يتحول إلى عداء لدين أو شعب.
لذلك لا أقول إن أمريكا غيّرت سياستها تجاه إسرائيل. أقول شيئًا أقل من ذلك، لكنه بالغ الأهمية: تغيّرت فيها مساحة الكلام عن إسرائيل.
والفرق بين العبارتين كبير. فالسياسة تبقى سنوات بعد أن يتغير المجتمع الذي صنعها؛ المؤسسات أبطأ من الأفكار، والكونغرس أبطأ من الجامعات. لكن السياسات لا تعيش إلى الأبد إذا تغيرت القاعدة التي تحملها.
عشت زمنًا في واشنطن كان السياسي يحسب ألف حساب قبل أن ينتقد AIPAC. واليوم أرى مرشحًا مسلمًا يفوز رغم عشرات الملايين التي أُنفقت ضده، وعمدة نيويورك يواجه AIPAC علنًا، وإعلاميًا من قلب التيار المحافظ يعيد تعريف «أمريكا أولًا»، وشبابًا يهودًا يعيدون النظر في علاقة هويتهم بدعم حكومة إسرائيل. أحداث متباعدة الدوافع، ومن الخطأ وضعها في سلة واحدة. لكن اجتماعها في زمن واحد ليس أمرًا عابرًا.
هل تتحول هذه الظاهرة إلى سياسة جديدة؟ من المبكر القول. هل يستطيع المال السياسي احتواءها؟ ربما.
لكنني بعد أكثر من أربعة عقود من متابعة أمريكا منذ عملت سفيرًا فيها، أستطيع القول: إن شيئًا يستحق التأمل قد تغير.
فالتحولات الكبرى لا تبدأ يوم يصدر القرار. تبدأ يوم يصبح السؤال الممنوع سؤالًا مشروعًا.
وأمريكا اليوم تسأل عن إسرائيل وفلسطين والمال والنفوذ، بجرأة لم تعرفها في الثمانينيات. أما إلى أين تقود هذه الأسئلة، فذلك فصل لم يُكتب بعد.
دكتور حمد بن عبد العزيز الكواري
وزير دولة بدرجة نائب رئيس وزراء
رئيس مكتبة قطر الوطنية











































































