اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ٢٩ أب ٢٠٢٦
خاص الهديل الإخبارية..
بقلم: ناصر شرارة
نقل 'موقع واللا' أمس عن مصادر أمنية التالي [١] 'ان إسرائيل أرسلت لواشنطن تبلغها بفشل المناطق التجريبية'؛ وبأن [٢] 'الجيش اللبناني لم يلتزم بالتعامل مع الإحداثيات التي قدمها الجيش الإسرائيلي عن بنى حزب الله التحتية (أي أنه لم يفتشها أو يدمرها)'؛ وأن [٣] 'تل أبيب [بالمجمل] غير راضية عن أداء الجيش اللبناني'..
واضح لأي مراقب أن هذه المواقف الثلاثة التي يمكن استخلاصها من عملية تفكيك مضمون تسريب موقع واللا، ليست جديدة؛ ولكن الجديد فيها هو توقيت إعلانها..
.. ليست جديدة لأن إسرائيل سبق لها، وأبلغت واشنطن أنها غير مقتنعة بقدرات الجيش اللبناني على تنفيذ مهمة حصرية السلاح وتأمين منطقة جنوب الليطاني أو شمال الليطاني.
وهذا يعني أن موقف إسرائيل من الجيش اللبناني لم تبنه نتيجة أن الجيش نجح أو لم ينجح في اختبار المنطقة التجريبية أ أو ب؛ بل هو موقف مسبق وموجود لأسباب استراتيجية وليس لأسباب تقنية.. فهذا الموقف الذي سربه 'موقع واللا' لم تستنتجه إسرائيل كمحصلة لتجربة معينة تخص الجيش اللبناني، بل هو موقف ينسجم مع استراتيجية إسرائيل الأمنية الموضوعة بعد ٧ أكتوبر، وأهم عنوان فيها يفيد بأن إسرائيل لن تعتمد بعد الآن على أية ضمانات دولية أو لبنانية أو من الأمم المتحدة بخصوص كيف تحقق ما تسميه أمنها في جنوب لبنان أو في غزة أو في جنوب سورية، بل ستعتمد فقط على قوتها المباشرة وتواجدها المادي في هذه المناطق التي هي من وجهة نظر العقيدة العسكرية الإسرائيلية الجديدة تعتبر مناطق صالحة لأن تتكرر انطلاقاً منها عمليات شبيهة لعملية ٧ أكتوبر ٢٠٢٣.
والواقع أن المتابعة الدقيقة تظهر أنه من بين أهم أهداف إسرائيل في جولة حربها الأخيرة على لبنان، كان هدف إظهار أن سردية الجيش اللبناني بأنه أنجز مهمة إخلاء سلاح حزب الله من جنوب الليطاني لم تكن صحيحة.. لقد تقصدت إسرائيل القول إنه بعد دخولها لجنوب الليطاني تبين لها أن الحزب لا يزال في قواعده (علماً أنه حتى الأميركان كانوا اعترفوا قبل جولة الحرب الأخيرة بأن الجيش أنجز مهمته لحد كبير).
وكان الهدف الأساسي لإسرائيل من وراء توزيع صورة أن الحزب لا يزال موجوداً في جنوب الليطاني هو تقديم 'إثبات' للعالم، وبالأخص لترامب ولكل أميركا، يزعم أن كل سردية الجيش اللبناني عن قدرته أو رغبته (وليس فقد قدرته) في تأمين منطقة جنوب الليطاني هي واهية.. وأكثر من ذلك تقصدت السردية الإسرائيلية الزعم والإيحاء بأن المشكلة مع الجيش ليس نقص الإمكانات بل حجم الاحتراقات لصالح الحزب بداخله وأن المطلوب ليس مؤتمرات ومبادرات لدعم الجيش بل إجراء إصلاحات وتغييرات بداخله(!!)، الخ..
وعليه فإن ما يجدر تعميم الوعي به هو أن زعم إسرائيل بأن الجيش اللبناني 'غير قادر من جهة'، و'لا يريد من جهة ثانية' نزع سلاح الحزب جنوبي الليطاني وشماله؛ هو – أي هذا الزعم الاسرائيلي – ليس استنتاجاً عملياً خلص إليه المستوى السياسي الإسرائيلي نتيجة اختبارات المناطق التجريبية، بل هو واحد من أهداف حرب إسرائيل على لبنان: أي ضرب دور الجيش اللبناني في تصفية آثار العدوان والاحتلال في الجنوب.. ولعل هذا الهدف هو أحد أخطر أهداف خطة إسرائيل الراهنة ضد لبنان؛ وفحوى هذا الهدف هو إقناع العالم بأن أحداً غير القوة الإسرائيلية المغطاة سياسياً من واشنطن، لا/ولن يستطيع نزع سلاح الحزب وتأمين أمن إسرائيل ومنع تكرار حدوث ٧ أكتوبر جديد انطلاقاً من لبنان، إلى آخر هذه السردية الإسرائيلية..
وغاية إسرائيل الاستراتيجية على هذا الصعيد هي إيصال مفاوضات روما إلى الاعتراف بأن أمن إسرائيل في لبنان يجب أن يكون أمناً إسرائيلياً، ووساؤله يجب أن تكون إسرائيلية؛ وأن بديل قوة اليونيفيل يجب أن يكون 'قوة إسرائيل المسلحة بموافقة دولية على منحها حرية التواجد والحركة حينما ترى إسرائيل أنه يوجد خطر أو قد يتشكل خطر مقبل'.
إن نظرية الأمن الإسرائيلية بعد ٧ أكتوبر حصل عليها تعديلات جوهرية؛ أهمها اعتبار أن مهام الدفاع عن أمن إسرائيل ينفذها حصرياً الجيش الإسرائيلي ومؤسسات اسرائيل العسكرية.. وتنتهج هذه العقيدة الجديدة عملية الانتقال من 'الردع التقليدي' إلى 'نظرية الأمن الدائم' التي تدعو لتبني الأمن المفرط؛ وترجمتها العملية هو ليس فقط إبادة الجسم العسكري للعدو بل إبادة البيئة الاجتماعية التي خرج منها. وهذا يعني أن إسرائيل لا ترى فقط أنه يجب استئصال حماس من غزة بل أيضاً استئصال الغزاويين الذين يشكلون مجتمع حماس.. ونفس الأمر في جنوب لبنان حيث المستهدف ليس فقط حزب الله بل المجتمع المدني اللبناني الذي خرج منه الحزب والموجود على حدود لبنان مع إسرائيل.. هذه البيئات بموجب عقيدة الأمن الدائم هي خطر مقبل ويجب استئصاله.. وهذا ما يفسر استراتيجيات التدمير والإبادة ومنع العودة للسكان التي تنتهجها إسرائيل في جنوب لبنان وغزة وفي مناطق من الضفة.
إن معادلة الأمن الدائم يتم ترجمتها في جنوب لبنان على الشكل التالي:
أولاً – كل دولة تواجه خطراً وجودياً يصبح مبرراً لها 'أخلاقياً' وسياسياً الدفاع عن نفسها وفق نظرية 'العنف المفرط' (إبادة وتهجير البيئات المدنية). وإسرائيل ينطبق عليها مفهوم أنها من الدول المعرضة لخطر وجودي وذلك بدليل تجربة ٧ أكتوبر؛ وبدليل وضعها الجغرافي الحرج (مساحة صغيرة كما وصفها ترامب) ووضعها الديموغرافي غير المستقر؛ ولذلك من حق إسرائيل تبني عقيدة الأمن الدائم.
ثانياً- خطة إسرائيل تقوم على عدم وجود سكان (كانوا يحتضنون حزب الله) بجانب حدودها وذلك تحت عنوان أن هؤلاء احتمال خطر مقبل…
ثالثاً- إسرائيل وفق عقيدة الأمن الدائم ونظرية إنجاز العمل بأيد إسرائيلية؛ لا تريد رؤية وجود ناجح للجيش اللبناني في الجنوب؛ لأن وجوده هناك مع صورة نجاحه سيعني استقرار تلك المنطقة؛ وهذا الاستقرار سيعني بدء البناء وعودة السكان. وهذه العودة تخرب ما تسعى إليه عقيدة الأمن الدائم. كما أن خروج الاحتلال هو أمر معاكس لما تسعى إليه نظرية أن تنفذ إسرائيل مهمة أمنها بأيد إسرائيلية.
أرادت إسرائيل من توقيت تسريب موقع واللا أن تشوش مبادرات دعم الجيش اللبناني وبالأخص مبادرة باريس الأخيرة..
وأرادت إسرائيل بنفس الوقت عرقلة احتمال أن تسفر جولة روما ٨ عن تقدم عملي يحقق انسحاباً إسرائيلياً في الجنوب لصالح توسيع مساحة انتشار الجيش اللبناني..
قصارى القول إن إفشال الجيش اللبناني ليس تكتيكاً تستخدمه إسرائيل لغايات لحظوية، بل هو واحد من أهم أهداف حرب إسرائيل ضد لبنان. وضمن عقيدة الأمن الإسرائيلية الجديدة فإن انتشار الجيش اللبناني في كل الجنوب، يساوي عودة الأمل باستقرار هذه المنطقة جيوسياسياً وديموغرافياً ضمن معادلة استقرار وطني؛ وهذا أمر تعتبره إسرائيل أنه ينطوي بين ثناياه على خطر مقبل، وفقاً لنظرية الأمن الدائم الباحثة عن إبقاء جوار إسرائيل من دون مقدرات دفاعية ولو نسبية، وبحالة ما دون دولة كما تحاول فعله في سورية وكما هو توجهه في كل من غزة والضفة.











































































