اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ١٧ أيلول ٢٠٢٦
يشهد موسم الأعياد اليهوديّة الطويل تصاعدًا في سياسة التعتيم الإعلامي على الأقصى، وهو عدوانٌ ممنهج يتزامن مع تمادي عناصر تهويد المسجد في العدوان عليه، فلم يعد باستطاعة الفلسطينيين رصد أفواج المقتحمين، وتسجيل مقاطع مصورة لجولاتهم، وأدائهم الطقوس العلنية في ساحات المسجد، وهو ما سنوضحه في المعطيات أدناه، ما يجعل اكتشاف تفاصيل التدنيس على المسجد وساحاته ومكوناته البشرية، عبر المقاطع المصوّرة والمعطيات التي تنشرها صفحات 'منظمات المعبد' على وسائل التواصل الاجتماعي، ووسائل إعلام الكيان، أمرًا صعبًا، ويعني عدم قدرة المصلين والمرابطين وحراس الأقصى على مراقبة أيّ عدوانٍ جديد في المسجد، وفي الكثير من الحالات لا يتم التنبه له إلا بعد وقتٍ طويل من حدوثه، وعلى أثر إفصاح أذرع الاحتلال عنه.
كيف أُبعد حرّاس الأقصى عن مسرح العدوان
شهدت السنوات الماضية تصاعدًا ملحوظًا في استهداف حراس الأقصى، حيث تعرضوا لهجمات متتالية، هدفت إلى تحييد عصب حماية المسجد، من خلال استهدافهم بشكلٍ مباشر، والحدّ مما يستطيعون القيام به، وتُشير مصادر فلسطينية إلى أن الاحتلال صعّد من استهداف الحراس على أثر 'هبة باب الأسباط' في تموز/يوليو 2017، فقد بدأت شرطة الاحتلال حينها بتطبيق سياسة جديدة تقضي بالسماح لحارسين فقط بالوجود في الأقصى خلال جولات اقتحامات المستوطنين، بعد أن كان يُسمح بوجود عشرة حراس، ومن ثم أتبعها بتعليمات جديدة منعت الحراس من ملاحقة المقتحمين، وفرضت على الحارس المشي وراء آخر جندي إسرائيلي مرافق لجولة الاقتحام على مسافة بعيدة.
وخلال السنوات اللاحقة صعّدت شرطة الاحتلال من هذه الإجراءات، وقد رافقها تصعيد الاستهداف المباشر الجسدي والنفسي للحراس، من خلال الاعتداء عليهم داخل الأقصى، واعتقالهم بشكلٍ متكرر، وإصدار قرارات الإبعاد بحقهم، وبذلك استطاع الاحتلال أن يُحجِّم دور حراس الأقصى بشكلٍ ملحوظ، والذي أثّر على قدرتهم على التوثيق، وصولًا إلى تحديد شرطة الاحتلال مسافة 200 متر تفصل الحراس عن المستوطنين، وأخيرًا منعهم من الاقتراب بشكلٍ كامل. وعلى الرغم من مضي هذه السنوات، لم يتغير واقع حراس الأقصى، إن من حيث تصاعد العدوان المباشر عليهم من قبل قوات الاحتلال، أو في سياق منعهم من القيام بأي محاولات لتوثيق ما يجري داخل المسجد، ولا تترك قوات الاحتلال فرصة لمنع الحراس من القيام بأي دور، إلى جانب تراجع أعداد الحراس بفعل إجراءات الاحتلال، والتي أشرنا إليها في العنوان السابق.
لا شهود في المسجد: حصار المصلين والمرابطين
وإلى جانب حراس الأقصى، كان للمرابطين والمصلين دورٌ كبير في الإسهام في توثيق الانتهاكات التي تجري في الأقصى، بحماية من قوات الاحتلال، إلا أن العنصر البشري الإسلامي تعرض منذ عام 2015 إلى استهدافٍ متنامٍ، ومنذ ذلك الوقت تصعّد أذرع الاحتلال الأمنية من فرض القيود المختلفة التي تستهدف المرابطين والمصلين، وتتنوع هذه القيود ما بين فرض القيود العمرية أمام أبواب الأقصى، وتقليل أعداد المصلين بالتزامن مع اقتحامات المسجد، وصولًا إلى إصدار قرارات الإبعاد بحقهم، ومنعهم من الاعتكاف في الأقصى، إن كان ذلك في شهر رمضان، أو في مواسم العبادة الإسلامية الأخرى.
وفيما يتصل بموضوع منع المصلين من توثيق العدوان على المسجد، تُشير المصادر الفلسطينية إلى منع الفلسطينيين من القيام بذلك داخل الأقصى وفي خارجه، ففي الأقصى تمنع قوات الاحتلال المصلين من تصوير الانتهاكات، ومراقبة ما يقوم به المستوطنون، وتعتقل أيّ مصلٍ يستخدم هاتفه لتصوير اقتحامات المستوطنين للأقصى، إضافةً إلى انتهاج قوات الاحتلال سياسة إخلاء ساحات الأقصى بالقوة بالتزامن مع الاقتحامات، وباتت في الأشهر الماضية تمنع وجودهم خارج المصليات المسقوفة، في محاولة لإقصائهم بشكلٍ كامل عما يجري في ساحات الأقصى.
استهداف صحفيي القدس
في ظلّ تصاعد العدوان على الفلسطيني الذي يحاول توثيق العدوان على الأقصى، تصاعدت انتهاكات أذرع الاحتلال بحق الصحفيين الفلسطينيين، داخل الأقصى وفي محيطه، لإسكات الصوت القادر على كشف ما يجري في الأقصى، وارتباط الصحفيين بوسائل إعلام، ما يعني أن إسكات الصحفي في المسجد سيمنع المؤسسات الإعلامية العربية والعالمية من تغطية ما يجري في المسجد، فبحسب 'لجنة حماية الصحفيين' تصاعدت انتهاكات الاحتلال بحق الصحفيين الفلسطينيين الذين يحاولون تغطية المجريات في المسجد الأقصى ومحيطه، وأشارت اللجنة إلى أن هذا التصعيد اشتدّ بالتزامن مع حرب الإبادة في غزة. ووصلت حدّ حظر عددٍ من المنصات الإعلامية المقدسية في 23/2/2026، حيث حظرت سلطات الاحتلال عددًا من المنصات الإعلامية المقدسية، وهي 'القدس البوصلة، وشبكة العاصمة، وقدس بلس، ومعراج، وميدان القدس'، وهو ما شكّل نقطة جديدة في سياق كتم الصورة التي ترصد العدوان على الأقصى.
اعتداءاتٌ كشفتها عدسات المستوطنين
ألقت سياسات الاحتلال واعتداءاته آنفة الذكر بظلالها على قدرة الفلسطينيين على توثيق العدوان على المسجد الأقصى، ومكوناته البشرية، وأصبحت أداة الفلسطينيين لتوثيق الاقتحامات مقاطع مصورة تلتقط من خارج الأقصى من أماكن بعيدة، مستخدمين معدات تسمح بتقريب الصور والفيديوهات بشكلٍ كبير، أما من داخل الأقصى فإن جلّ المقاطع المصورة التي تُظهر قيام المستوطنين بأداء الطقوس العلنية في ساحات الأقصى الشرقية، وأداء 'السجود الملحمي'، وتقديم الشروحات حول 'المعبد' وغيرها، مصوّرة من قبل المستوطنين، وتصل إلى المهتمين والمتابعين بعد نشرهم لها عبر حساباتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، وقد أصبحت تُستخدم هذه المقاطع المصورة لتُظهر حجم السيطرة والتحكم التي تستطيع فرضها في الأقصى، إلى جانب تكثيف الرسائل لجمهورها، تستعرض من خلالها 'إنجازاتها'.
ولم يقف التصوير والنشر عند المستوطنين والمنظمات المتطرفة فقط، بل امتدّ للسياسيين الإسرائيليين، الذين يشاركون في اقتحام الأقصى، فقد دأب ساسة الاحتلال، وفي مقدمتهم إيتمار بن غفير، على تصوير مقاطع من داخل الأقصى خلال اقتحامه للمسجد، وتوجيه رسائل تحريضية على الفلسطينيين في غزة، أو على المسجد الأقصى ومكوناته البشرية، والتقاط صورة تحت خيمة داخل الأقصى، على غرار ما جرى في ذكرى 'خراب المعبد'، وغير ذلك، ويقوم بنشرها في وسائل التواصل الاجتماعي.
أما على صعيد أداء الطقوس العلنية، فقد شهد العام الماضي العديد من الحوادث التي تكشّف فيها الاعتداء بعد نشر المنظمات المتطرفة أو المستوطنين توثيقًا للعدوان، أو على أثر تنبّه حراس الأقصى للأمر فجأة، وهو ما جرى خلال 'عيد الأسابيع/الشفوعوت' في 2/6/2025، حيث تمكّن عددٌ من المستوطنين من الفرار باتجاه قبة الصخرة وبحوزتهم خبزٌ مغمّس في الحمر، بينما أشارت مصادر أخرى إلى أنها أجزاء من 'قربان' مذبوح تقطر منه الدماء، إلا أن حراس الأقصى تمكنوا من منعهم، وأغلقوا باب المصلى قبل وصولهم إليه، ومن بعدها قامت شرطة الاحتلال بإخراجهم من الأقصى.
ومن الاعتداءات التي تصاعدت في الأقصى خلال الفترة الماضية، ففي 24/9/2025 أظهر مقطع مصور نشره المستوطنون أحدَ الحاخامات وهو ينفخ في 'الشوفار' داخل الأقصى، في حين كان الشرطي يصوره، وسط تصفيق وتشجيع من باقي المقتحمين. وفي 17/12/2025 نشرت منظمة 'أبناء جبل موريا' مقطعًا مصورًا، يُظهر عددًا من أتباعها خلال اقتحامهم الأقصى، مجتمعين أمام درج الصخرة الغربي، ورددوا شعارات من الأساطير المنسوجة عن 'التمرد المكابي'.
'رأس السنة العبرية' عندما غابت الصورة تمامًا
ولعل أبرز تجسيد لهذا النمط الثلاثي من التعتيم الإعلامي ما جرى خلال اقتحامات الأقصى بالتزامن مع 'رأس السنة العبرية'، فقد شهد المسجد واحدًا من أسوأ محطات تغييب الصورة في المسجد الأقصى، فمع مضي المناسبة لم تستطع المصادر الفلسطينية نشر أي معطيات لها علاقة بما جرى في الأقصى خلال هذا اليوم، وبحسب الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص، نشر بعض نشطاء المنظمات المتطرفة في اليوم التالي للاقتحامات تقريرًا عن النفخ في بوق 'الشوفار'، وأكد التقرير إقامة 'صلاة جماعية تاريخية' في ساحات الأقصى الشرقية صباح الأحد في 13/9/2026، حضرها 220 مستوطنًا. ونُفخت خلال هذه الطقوس في أبواق 'الشوفار' المصنوعة من العظم، رافقتها أبواق معدنية صغيرة.
ولم يكن الخبر السابق هو الوحيد، فعلى أثر التعتيم الذي رافق الاقتحامات، وتعذّر الحصول على أي توثيق مصوّر لها، نقلت العديد من المنصات الفلسطينيّة عن تقاريرٍ إعلامية عبريّة أن البوق نُفخ داخل الأقصى أكثر من ثلاثين مرة خلال 'صلاة الظهيرة' التي قادها الحاخام آرييه ليبو. وأوضح ليبو للقناة السابعة العبريّة أن شرطة الاحتلال 'تعاطفت معه بوضوح'، ولم تعتقله عقب أول نفخة، بل انتظرت حتى أتم صلاته الجماعية كاملة.
أخيرًا، يكشف نمط التعتيم في 'رأس السنة العبرية' وما سبقها من محطاتٍ عن حقيقة أعمق، مفادها أن الاحتلال يتجه بشكلٍ محموم نحو إحلال مستوطنيه في الأقصى، وهذا الإحلال يجب أن يتم في ظلّ غيابٍ للصورة، بالتوازي مع تصعيد فرض القيود، وتقليل أعداد المصلين إلى المسجد، ما يسهل على الاحتلال وأذرعه المتطرفة المضي قدمًا في هذا الإحلال، ويشكل غياب التوثيق نجاح سياسة الإقصاء التي تناولتها فقرات هذا المقال، ويؤكد انقلاب الأدوار الخطير في المسجد، حيث يتحول المدافع عن المسجد إلى ملتقٍ لتطورات العدوان، ويتفاعل مع ما يجري في المسجد وهو خارج دائرة المواجهة، أما من هم خارج دائرة التفاعل المباشر مع الأقصى من الشعوب العربية والإسلامية، فتصل إليهم أخبار التدنيس منجّمةً مبعثرةً، لا تُحدث فيهم الأثر المطلوب من التفاعل واستنهاض الفعل المناسب تجاه العدوان. ما يعني أن الوظيفة الأساسية التي صُمم من أجلها التعتيم تتجلى في تحييد كل الفاعلين عن مشهد الدفاع عن الأقصى، وأن يُدار العدوان على الأقصى في غياب الطرف الذي من المفترض أن يكون حارسه الأول.

























































