اخبار لبنان
موقع كل يوم -أي أم ليبانون
نشر بتاريخ: ٢٢ أب ٢٠٢٦
كتب أنطوان الأسمر في 'اللواء':
تأتي زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن إلى بيروت في لحظة تكرّسَ فيها ملف سلاح حزب الله جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، تتداخل فيها مسألة السيادة اللبنانية مع مستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب ودور الجيش اللبناني، ومآل الانسحاب الإسرائيلي، وشكل العلاقة المقبلة بين لبنان وسوريا.
تكتسب زيارة قالن أهمية خاصة لأن الاستخبارات التركية تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى إحدى أدوات أنقرة الأساسية في إدارة الملفات الإقليمية المعقدة. وقد أجرى قالن في 6 آب محادثات مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني تناولت، إلى جانب العلاقات التركية ــ السورية، التطورات في لبنان والعلاقات السورية ــ اللبنانية، مما يعكس مستوى الاهتمام التركي بالملف اللبناني ضمن منظومة الأمن الإقليمي الأوسع.
ترمي زيارة قالن إلى متابعة نتائج زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى تركيا، وإلى تحويل التفاهمات التي جرى بحثها مع الرئيس رجب طيب أردوغان إلى خطوات عملية، ولا سيما في مجالات التنسيق الأمني والتعاون العسكري والطاقة والعلاقات الثنائية.
لكن البُعد الأكثر حساسية يبقى ما يتصل بسلاح حزب الله.
لا يبدو أن أنقرة تدخل هذا الملف من موقع الساعي إلى فرض صيغة جاهزة على اللبنانيين، بل من موقع محاولة إيجاد مساحة بين مواقف متعارضة وصلت إلى طريق مسدود. يتمسك لبنان بمبدأ حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية، فيما يربط الحزب أي بحث في سلاحه بانسحاب إسرائيل ووقف الاعتداءات. وتربط إسرائيل انسحابها من الجنوب بنزع سلاح الحزب، في حين تحاول واشنطن الدفع باتجاه تنفيذ الترتيبات الأمنية التي تم التوصل إليها.
في هذا السياق، يمكن فهم أي أفكار تركية جديدة لا باعتبارها بديلاً عن المسار الأميركي، بل محاولة لخلق مسار مساعد، يسمح بتدوير الزوايا في النقاط التي تعجز المفاوضات المباشرة عن تجاوزها.
تملك أنقرة عناصر لا تتوافر بالضرورة لوسيط آخر. هي عضو في حلف شمال الأطلسي، وتملك علاقات وثيقة مع واشنطن وأوروبا، وفي الوقت نفسه تحتفظ بقنوات اتصال مع أطراف إقليمية متعددة، بينها سوريا وإيران وقيادات سياسية لبنانية. هذه الشبكة تمنحها قدرة على التواصل مع أطراف يصعب جمعها حول طاولة واحدة.
الأهم في المقاربة التركية أن ملف السلاح قد لا يُطرح بمعزل عن البيئة الأمنية المحيطة به. أي أن النقاش قد يتجه تدريجياً من السؤال المباشر: ماذا سيفعل حزب الله بسلاحه؟ إلى سؤال أكثر شمولاً: ما الضمانات التي يمكن أن تجعل حصر السلاح بيد الدولة قابلاً للتنفيذ والاستمرار؟
هنا يدخل الجيش اللبناني في صلب المقاربة التركية.
ليس جديداً التعاون العسكري بين تركيا ولبنان، إذ يستند إلى اتفاق إطار عسكري وُقّع سنة 2010، وتطوّر لاحقاً عبر اتفاقات وبرامج تدريب ومساعدات وتعاون تقني بين الجيشين. وتناولت النقاشات اللبنانية ــ التركية الأخيرة إمكان توسيع التعاون في تجهيز الجيش ودعمه، بالتزامن مع البحث في ترتيبات الجنوب وإعادة الإعمار. لذا قد يكون الجهد التركي قائماً على معادلة متدرجة قائمة على تقوية مؤسسات الدولة والجيش، توفير شبكة دعم إقليمية للبنان، الدفع باتجاه انسحاب إسرائيلي، وضمان ألا يؤدي الانتقال إلى حصرية السلاح إلى انفجار داخلي أو مواجهة مفتوحة.
تفسّر هذه المعادلة أيضاً الاهتمام التركي المتزايد بسوريا. فاستقرار الحدود اللبنانية ــ السورية، وضبط المعابر، ومنع تحوُّل لبنان إلى امتداد للصراعات الإقليمية، كلها ملفات مرتبطة بصورة مباشرة بمستقبل الأمن اللبناني.
لذلك، لا ينبغي قراءة الحضور التركي كمنافسة مباشرة للدور الأميركي، بقدر ما هو محاولة من أنقرة لحجز موقع لها في هندسة المرحلة المقبلة. تدرك تركيا أن أي تسوية لبنانية لن تكون قابلة للحياة إذا بقيت محصورة في البعد العسكري، وأن إعادة بناء الدولة اللبنانية تحتاج إلى مظلة سياسية واقتصادية وأمنية أوسع.
مع ذلك، يبقى السؤال الأساسي: هل تستطيع تركيا فعلاً التأثير في قرار حزب الله، أم أن قدرتها ستبقى محصورة في توفير قنوات اتصال وأفكار بديلة؟
هذا هو الاختبار الحقيقي لزيارة قالن.











































































