اخبار لبنان
موقع كل يوم -نافذة العرب
نشر بتاريخ: ١٠ أيلول ٢٠٢٦
تحولت بعض المناسبات الاجتماعية والثقافية في لبنان إلى فرصة لإعادة ظهور شخصيات طواها الزمن السياسي، وتحاول اليوم إعادة تموضعها، كلٌّ وفق حساباته وطموحاته، بحثًا عن دور جديد في المشهد السياسي.
الصورة التي جمعت نهاد المشنوق ومحمد رحال وأيوب قزعون في عزاء والد مفتي البقاع الدكتور الشيخ علي الغزاوي أعادت إلى الواجهة ثلاثة أسماء عُرفت من خلال الحريرية السياسية، وما كانت لتصل إلى مواقعها لولاها. ومع تعليق الرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل العمل السياسي المباشر، تفرّق هؤلاء، وراح كل واحد منهم يبحث عن مساحة جديدة ودور يعيده إلى المشهد.
فالفراغ السياسي الذي خلّفه تعليق الحريرية السياسية نشاطها المباشر، فتح الباب أمام طموحات كثيرة، داخل الطائفة السنية وخارجها، لإعادة التموضع ومحاولة ملء جزء من الفراغ، ولو من خلال الحضور في المناسبات واللقاءات والعلاقات العامة.
الوزير السابق نهاد المشنوق، الذي خرج من البرلمان وابتعد عن سعد الحريري، يحاول منذ ذلك الوقت تقديم نفسه بوصفه شخصية قادرة على لعب دور في ترتيب البيت السني، وجمع شخصيات من مناطق واتجاهات مختلفة، رغم أنه لا يملك أي قاعدة شعبية.
المشنوق، المعروف بخطابه السياسي المتكبر ونخبوية حضوره، يبدو أنه اختار لنفسه مسارًا جديدًا يقوم على التواصل مع مجموعة محددة من الشخصيات والفاعليات، في محاولة لإعادة بناء موقع سياسي خارج الإطار الذي كان يتحرك ضمنه سابقًا.
وعلى ما يبدو، فإن معالي الأستاذ نهاد المشنوق أصيب بعدوى الطموح نفسه الذي يرافق النائب فؤاد مخزومي، أي الطموح الدائم إلى لعب دور أكبر داخل الساحة السنية، وربما الوصول إلى موقع يؤهله لتقديم نفسه كأحد أقطابها.
أما محمد رحال، الوزير السابق الذي لم يقدم أي شيء خلال عمله في الوزارة، فقد كثف ظهوره من بوابة المناسبات والنشاطات والخدمات المحلية في البقاع الغربي، مستثمراً في خطاب المطالب الإنمائية وحقوق المنطقة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل يشكل هذا النشاط مشروعًا سياسياً واضح المعالم، أم أنه محاولة لإعادة بناء نفوذ سياسي فقد جزءاً كبيراً من موقعه السابق؟
فالحضور في المناسبات، والاقتراب من الناس، ورفع المطالب المحلية، تبقى عناصر ضرورية لأي شخصية سياسية، لكنها لا تتحول تلقائيًا إلى مشروع سياسي ما لم ترتبط برؤية واضحة وبرنامج يتجاوز حدود المنطقة والحضور الشخصي.
أما أيوب قزعون، فيبدو أكثر وضوحًا في سعيه إلى العودة إلى دائرة الضوء. فبعد انتهاء دوره التنظيمي السابق في تيار المستقبل، بقي يتحرك ضمن المساحة المحلية في البقاع الأوسط، متنقلًا بين الاستحقاقات البلدية والمناسبات واللقاءات.
لكن كثرة الحضور وحدها لا تصنع مشروعاً سياسياً، كما أن الظهور في المناسبات لا يمنح صاحبه تلقائياً صفة تمثيل السنة أو التحدث باسم مصالحهم.
فالسياسة لا تُبنى بكثرة الصور واللقاءات، بل بقدرة صاحبها على إنتاج فكرة، وتقديم مشروع، وتكوين حيثية شعبية حقيقية.
المفارقة أن الشخصيات الثلاث التي جمعتها الصورة في مناسبة اجتماعية، رغم اختلاف مناطقها ومساراتها، تتقاطع أحاديثها عند واقع سني مأزوم، وحاجة الساحة إلى إعادة تنظيم حضورها السياسي.
لكن المشكلة أن هذا التقاطع لم يتحول، حتى الآن، إلى فكرة سياسية واضحة أو برنامج مشترك قادر على معالجة هذا الواقع.
بل إن تاريخ هذه الشخصيات ومساراتها السياسية لا يقدم، حتى اللحظة، ما يكفي للقول إنها قادرة على صياغة رؤية متكاملة في الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تواجه الطائفة، فضلاً عن أن جمعها ضمن إطار سياسي موحد لا يبدو أمراً سهلاً.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يعتقد البعض أن العلاقات الاجتماعية والاتصالات الودية يمكن أن تصبح بديلاً عن التمثيل الشعبي، وأن مجرد القدرة على جمع عدد من الشخصيات حول طاولة أو في مناسبة اجتماعية تكفي لإنتاج دور سياسي جديد.
في الواقع، ما نشهده حتى الآن لا يتجاوز، في كثير من الحالات، إعادة تدوير لمواقع سياسية سابقة.
فالحضور الاجتماعي يمكن أن يكون مدخلاً إلى السياسة، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنح الشرعية الشعبية، ولا أن يصنع زعامة أو مشروعاً.
والموجود على الساحة السنية حتى الآن هو مجموعة من الأدوار الفردية التي تبحث عن مساحة مشتركة، وربما عن غطاء أو مباركة إقليمية، فيما تحتاج الساحة السنية قبل أي شيء إلى شخصيات قادرة على إثبات شرعيتها من الداخل، عبر الناس والصناديق والمشروع، لا عبر العلاقات والاتصالات الخارجية.
الساحة السنية لا تحتاج إلى شخصيات تبحث عمن يزكيها في الخارج بقدر حاجتها إلى من يستطيع أن يثبت حضوره وشرعيته في الداخل، وأن يقدم إجابات فعلية عن الأسئلة التي تواجه الناس في السياسة والاقتصاد والإنماء والاجتماع.
قد تتغير الصور، وتتبدل المناسبات، وتتوسع دائرة اللقاءات، لكن المعضلة تبقى واحدة فعندما لا يظهر في المشهد سوى إعادة تموضع الأشخاص أنفسهم، من دون مشروع جديد أو رؤية مختلفة، يصبح السؤال مشروعًا:
هل الطائفة هي الهدف فعلاً… أم أنها مجرد الطريق إلى موقع سياسي جديد؟











































































