اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٤ أيلول ٢٠٢٦
أقامت الجمعية الثقافية اللبنانية البرازيلية في ساو باولو، برعاية القنصلية العامة للبنان، احتفالًا حاشدًا في نادي مونتي ليبانو لمناسبة مرور 150 عامًا على زيارة إمبراطور البرازيل دوم بيدرو الثاني إلى لبنان، وهي الزيارة التاريخية التي ارتبطت بانطلاق موجات الهجرة اللبنانية إلى البرازيل، وأسست لفصل استثنائي من العلاقات بين البلدين والشعبين.
وحضر الاحتفال نائب رئيس الجمهورية البرازيلية جيرالدو ألكمين، والرئيس البرازيلي الأسبق ميشال تامر، ودوم برتراند دي أورليانز إي براغانزا من الأسرة الإمبراطورية البرازيلية، وقنصل لبنان العام في ساو باولو رودريك الخوري، وأمين شؤون أفريقيا والشرق الأوسط في وزارة الخارجية البرازيلية السفير كارلوس سيرجيو سوبرال دوارتي، والسفير نلسون تاباجارا ممثل وزارة الخارجية في ولاية ساو باولو، وأمينة العلاقات الدولية في بلدية ساو باولو أنجيلا غاندرا.
كما شارك القنصل العام لدولة الإمارات العربية المتحدة عبدالله شاهين، والقنصل العام لدولة قطر المهند الحمادي، وقناصل وممثلون عن كوبا وتركيا وجنوب أفريقيا، إلى جانب أعضاء من السلكين الدبلوماسي والقنصلي، ورؤساء الطوائف والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحشد كبير من الشخصيات وأبناء الجالية اللبنانية في ساو باولو.
واستُهل الاحتفال بتلاوة رسالتي تحية من رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون ورئيس الجمهورية البرازيلية لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، تناولتا أهمية المناسبة وعمق العلاقات التاريخية بين لبنان والبرازيل.
وتخلل المناسبة إطلاق طابع بريدي برازيلي رسمي تخليدًا للذكرى، يحمل صورة دوم بيدرو الثاني إلى جانب أرزة لبنانية، فيما يظهر في خلفيته مقطع من يوميات الإمبراطور بخط يده، إلى جانب إصدارات تذكارية أخرى بالمناسبة.
كما عُرض فيلم عن زيارة دوم بيدرو الثاني إلى لبنان ولقائه نعمة يافث في الجامعة الأميركية في بيروت، قبل أن يهاجر يافث بعد سنوات قليلة إلى البرازيل، حيث أسس مع عائلته واحدة من أبرز التجارب الاقتصادية والصناعية للمهاجرين اللبنانيين، تاركًا إرثًا لا تزال آثاره حاضرة في ساو باولو والبرازيل.
الخوري: «جاؤوا يبحثون عن مستقبل، وانتهى بهم الأمر يبنون مستقبل البلد الذي أتوا إليه»
وألقى قنصل لبنان العام في ساو باولو رودريك الخوري كلمته بالبرتغالية للمرة الأولى منذ وصوله إلى البرازيل قبل ستة أشهر، موضحًا في مستهلها أن اختياره التحدث بلغة البلد المضيف لم يكن «إتقانًا للغة، بل احترامًا للغة الرجل العظيم الذي نحتفي به اليوم».
وأقام الخوري موازاة بين رحلة الإمبراطور إلى لبنان ورحلة المهاجرين اللبنانيين في الاتجاه المعاكس، فقال إن دوم بيدرو الثاني «عبر البحر بحثًا عن العالم القديم»، فيما عبر اللبنانيون بعده البحر نفسه «بحثًا عن العالم الجديد»: وصل هو إلى لبنان زائرًا، ووصلوا هم إلى البرازيل مهاجرين.
واستعاد تضحيات المهاجرين الأوائل الذين تركوا بيوتهم وقراهم وجبالهم، وبعضهم لم يصل إلى نهاية الطريق، قبل أن يبدأ من وصل منهم حياة جديدة «بعيدًا عن الوطن، بلغة أخرى، وفي أرض أخرى».
وقال الخوري: «كان لديهم القليل في الحقائب، لكن الكثير في القلوب. لم تكن لديهم ثروات، كانت لديهم الشجاعة. لم تكن لديهم ضمانات، كانت لديهم أحلام»، مستعيدًا مسيرة الباعة المتجولين اللبنانيين الذين انتقلوا من باب إلى باب ومن مدينة إلى مدينة، حاملين بضائعهم ومعها شيئًا من لبنان، من لغتهم وعاداتهم وطعامهم وذاكرتهم.
وأضاف أن أولئك الذين وصلوا ومعهم القليل انتهوا إلى بناء الكثير، فأسسوا أعمالًا وعائلات ومجتمعات وساهموا في بناء البرازيل، مختصرًا قصة الهجرة بالقول: «لبنان أعطاهم الجذور، والبرازيل أعطتهم المستقبل».
وشبّه العلاقة بين البلدين بأرز لبنان وشجرة الباو-برازيل، قبل أن يتساءل: «هل البحر يفرّقنا؟ لا. البحر يجمعنا»، معتبرًا أن المحيط وضع مسافة بين الأرضين، لكنه وحّد مصيريهما.
وتوقف الخوري عند إرث دوم بيدرو الثاني، معتبرًا أنه ترك «درسين ينبغي لكل رجل عام أن يتعلمهما: كرم إمبراطور فتح أبوابه للشعب، وتواضع إمبراطور ذهب للقاء أبسط الناس»، مضيفًا أن من يكون عظيمًا حقًا «لا ينتظر أن يأتي الآخرون إليه، بل يذهب هو للقائهم».
وقال إن الإمبراطور كان «كريمًا إلى حد أنه لم يدعُ مجرد ضيف واحد إلى بيته، بل دعا شعبًا كاملًا، وحوّل دعوة إلى مصير لأجيال».
وربط الخوري المناسبة بالذكرى الـ106 لإعلان دولة لبنان الكبير، التي تصادف الأول من أيلول، قائلًا: «نحتفل بالأرض التي أعطتنا جذورنا، ونشكر الأرض التي أعطتنا أغصانًا جديدة».
وأضاف أن اللبنانيين «جاؤوا إلى البرازيل يبحثون عن مستقبل، وانتهى بهم الأمر يبنون مستقبل البلد الذي أتوا إليه»، لافتًا إلى مفارقة تاريخية تتمثل في أن اللبنانيين الذين غادروا وطنهم على مدى أجيال بحثًا عن مستقبل، باتوا يأتون اليوم إلى البرازيل بحثًا أيضًا عن جذورهم، حيث يجدون على الجانب الآخر من المحيط أسماء وعائلات وقصصًا لبنانية.
واعتبر أن أجمل إرث لهذه المسيرة هو الجسر الذي نشأ بين العالمين، «جسر لا يهدمه الزمن، ولا يفصله المحيط، ولا تستطيع أي مسافة أن تمحوه»، مؤكدًا أن قصة لبنان والبرازيل لا تزال مستمرة «في كل عائلة، وفي كل اسم، وفي كل ذكرى، وفي كل قلب ينبض من أجل لبنان ومن أجل البرازيل».
وتحدث الخوري خلال الاحتفال باللغة العربية أيضًا احترامًا للبنان، ناقلًا كلمة سفير لبنان لدى البرازيل إلياس نقولا، الموجود في لبنان، والتي تناولت أهمية الذكرى وعمق العلاقات التي تجمع البلدين.
تامر يشيد بكلمة الخوري ويستعيد قصة عائلته المهاجرة
وتناول الرئيس البرازيلي الأسبق ميشال تامر في مستهل كلمته خطاب القنصل العام، فقال إن دوم بيدرو الثاني، المثقف الذي كان يتحدث لغات عدة، «لا بد أنه شجّع سعادة القنصل على تعلّم اللغة البرتغالية في فترة قصيرة جدًا»، معتبرًا أن الخوري كرّم البرازيل بتحدثه بالبرتغالية ولبنان بتحدثه بالعربية.
ونوّه تامر بالتفاعل الذي لقيته الكلمة، مشيرًا إلى التصفيق المتكرر الذي رافقها، وإلى ما يعكسه ذلك من الرابط الاستثنائي القائم بين لبنان والبرازيل عبر التاريخ.
وانتقل تامر إلى تجربته الشخصية، مستعيدًا قصة والديه اللذين تزوجا في لبنان ثم هاجرا إلى البرازيل مع ثلاثة أبناء وُلدوا في لبنان، قبل أن ينجبا خمسة أبناء آخرين في البرازيل، وكان هو أصغرهم.
واعتبر أن استذكار زيارة دوم بيدرو الثاني هو في الوقت نفسه استذكار لجميع المهاجرين الذين أتوا إلى البرازيل وساهموا في بنائها، مشيرًا إلى أن والده، المولود عام 1898، ينتمي إلى الجيل الذي لبّى، بالمعنى الرمزي، الدعوة التي فتح بها الإمبراطور أبواب البرازيل أمام المهاجرين اللبنانيين.
وشدد تامر على خصوصية التجربة البرازيلية في استقبال المهاجرين ودمجهم، قائلًا: «أي دولة في العالم يمكن أن تسمح لشخص من الجيل الأول من المهاجرين، كما هي حالتي، بأن يصل إلى رئاسة الجمهورية؟ إنها البرازيل».
كما استعاد تامر علاقته الشخصية بلبنان، متحدثًا عن إحدى زياراته إلى بلدة بتعبورة في قضاء الكورة، حيث أُطلق اسمه على أحد الشوارع عندما كان نائبًا لرئيس الجمهورية، قبل أن تُعدّل التسمية بعد توليه رئاسة الجمهورية، معتبرًا هذه المبادرة تعبيرًا عن عمق المودة والروابط التي تجمع لبنان والبرازيل.
وتطرق تامر إلى الأزمات التي مر بها لبنان، مؤكدًا أنه «لا يمكن تدمير قوة الشعب اللبناني»، وأن اللبنانيين يواصلون دائمًا إعادة بناء وطنهم.
وختم بدعوة إلى السلام، ولا سيما في لبنان، قائلًا إن الشعب اللبناني يستحق السلام، ومؤكدًا استعداد البرازيل للوقوف إلى جانبه من أجل تحقيقه.
ألكمين يجدد دعم البرازيل للبنان وسيادته
بدوره، نوّه نائب رئيس الجمهورية البرازيلية جيرالدو ألكمين بتاريخ الجالية اللبنانية وحضورها الواسع في مختلف ميادين الحياة البرازيلية، من الاقتصاد والسياسة إلى الثقافة والفن والأدب، مشيدًا بالدور الذي أداه اللبنانيون وأحفادهم في بناء البرازيل.
وأكد ألكمين عمق العلاقات التي تجمع البلدين، مجددًا دعم البرازيل للبنان وسيادته ولإحلال السلام فيه وفي المنطقة.
وتحدث أمين شؤون أفريقيا والشرق الأوسط في وزارة الخارجية البرازيلية السفير كارلوس سيرجيو سوبرال دوارتي عن العلاقات المميزة بين لبنان والبرازيل وعن الدور المهم للجالية اللبنانية في بناء البلاد، متوقفًا عند التعاون بين البلدين في محطات عدة، ولا سيما خلال الأزمات وعمليات المساعدة والإجلاء، ومستوى التنسيق الذي ساهم في نجاح العمليات التي نفذتها البرازيل في لبنان.
من جهتها، أشادت أمينة العلاقات الدولية في بلدية ساو باولو أنجيلا غاندرا بالدور الكبير للجالية اللبنانية في بناء ساو باولو والبرازيل، وبإسهاماتها في الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية، فضلًا عن بصمتها الواضحة في المطبخ والحياة الاجتماعية البرازيلية.
وأعربت غاندرا عن سعادتها بالمشاركة في المناسبة ووجودها بين أبناء الجالية اللبنانية، موجهة إليهم التحية والشكر، واختارت أن توجه جانبًا من تحيتها باللغة العربية.
تحية لجهود الجمعية ونادي مونتي ليبانو
وكانت لرئيسة الجمعية الثقافية اللبنانية البرازيلية لودي بريص مساهمة أساسية في تنظيم المناسبة، ووجّه إليها الرئيس اللبناني تحية في رسالته تقديرًا لجهودها.
كما حيا الخوري، قبل إلقاء كلمته، بريص وشقيقتها نهى، منوهًا بتفانيهما وعملهما المتواصل من أجل لبنان، ومشيرًا إلى أنه يعرف «كيف لا تنامان الليل ليكون لبنان، من خلال نشاطاتهما، بأبهى صورة».
ووجهت الجمعية شكرًا خاصًا إلى قنصل لبنان العام لرعايته الحدث، وإلى نادي مونتي ليبانو على استضافته ودعمه للمناسبة.
بدوره، رحب نادي مونتي ليبانو بالحاضرين، معربًا عن سعادته واعتزازه بالمساهمة في كل حدث من شأنه تعزيز الحضور اللبناني في البرازيل وتعميق الروابط التاريخية والثقافية بين البلدين.
واختُتم الاحتفال بجولة على المعرض الذي ضم مجموعة صور ووثائق تخص زيارة الإمبراطور ومنها سيفه الخاص الذي رافقه اثناء الزيارة، كما تلا الحدث حفل كوكتيل جمع المشاركين والحضور، في مناسبة استعادت 150 عامًا من تاريخ بدأ برحلة إمبراطور برازيلي إلى لبنان، واستمر عبر أجيال من اللبنانيين الذين عبروا المحيط في الاتجاه الآخر، ليصبحوا جزءًا أساسيًا من تاريخ البرازيل وحاضرها.











































































