اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٣ أيلول ٢٠٢٦
في الأول من سبتمبر/أيلول، لم يبدأ المشهد بقنبلة كبيرة تسقط وسط مدينة غزة، ولا بدبابات تشن هجومًا جديدًا، بل بوحدة من القوات الإسرائيلية الخاصة تسللت إلى منطقة الكتيبة، ونفذت جريمة لا تقل خطورة عن الغارات الواسعة: اختطاف مسؤول في جهاز الأمن الداخلي من قلب المدينة.
لم تكن العملية مجرد ملاحقة أمنية عابرة، ولا حدثًا منفصلًا عن المسار السياسي الجاري. فقد وقعت بينما كانت واشنطن ومجلس السلام يتحدثان عن قوة استقرار دولية، وآليات لفض الاشتباك، وتدريب الشرطة الفلسطينية، وتعهدات بمليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة.
هنا تحديدًا تظهر المعضلة التي تواجه خارطة نيكولاي ملادينوف.
فإذا كان وقف إطلاق النار يسمح بالاغتيالات والخطف وإدخال القوات الخاصة إلى وسط المدن، فما الذي توقف فعليًا؟ وإذا كانت إسرائيل تحتفظ بحق تحديد من يمثل «تهديدًا»، ثم تقرر اعتقاله أو اغتياله من جانب واحد، فما الذي ستفعله قوة الاستقرار الدولية عندما تصل إلى غزة؟ هل ستمنع هذه العمليات، أم ستكتفي بتوثيقها وإدارة نتائجها؟
لم تكن جريمة الكتيبة الخرق الأول. فقد سبقتها خلال النصف الثاني من أغسطس/آب غارات واغتيالات استهدفت شخصيات زعمت حكومة الاحتلال أنها شاركت في هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول. لكن الجريمة الأخيرة نقلت الخطر إلى مستوى مختلف.
حتى ذلك الوقت، كانت المخاوف تتركز على إصرار الاحتلال على الاحتفاظ بحرية الضرب الجوي. أما دخول قوة خاصة إلى وسط مدينة غزة، فيعني أن تل أبيب تريد ما هو أبعد: حرية الاختراق الاستخباري، وتنفيذ الاعتقالات، وتشغيل عصابات محلية متعاونة معها، والوصول إلى أهدافها داخل المناطق الفلسطينية، حتى في ظل ترتيبات يُفترض أنها تمهد لإنهاء الحرب.
بهذا المعنى، لم تكن العملية خرقًا للتهدئة فقط، بل اختبارًا عمليًا لشكل المرحلة التي تريد إسرائيل فرضها: هدوء محدود للسكان، مقابل يد أمنية إسرائيلية طويلة لا تقيدها حدود واضحة.
إنها ليست نهاية للحرب، بل تغيير لأدواتها.
وقد كشفت عملية الخطف أيضًا حدود الحديث الجاري عن قوة الاستقرار الدولية.
خصصت الولايات المتحدة أكثر من مئتي مليون دولار لتجهيز القوة وتأمين معداتها ومركباتها وتكاليفها التشغيلية. ووقّع المغرب اتفاقًا للمشاركة بعناصر من الجيش والدرك والشرطة، إلى جانب إنشاء مستشفى عسكري ميداني. كما أبدت دول أخرى استعدادها للمساهمة، فيما يُفترض أن تشارك مصر والأردن في تدريب الشرطة الفلسطينية.
قد يبدو ذلك تقدمًا مهمًا، لكن نجاح قوة الاستقرار لن يُقاس بعدد عناصرها أو الدول المشاركة فيها، بل بالمكان الذي ستنتشر فيه، وبالمهمة التي ستُمنح لها.
يقوم التصور الأصلي على انسحاب الجيش الإسرائيلي من منطقة محددة، ثم انتشار القوة الدولية فيها، وصولًا إلى تسليم المسؤولية للشرطة واللجنة الفلسطينية. في هذه الحالة، تؤدي قوة الاستقرار وظيفة الإحلال: تملأ الفراغ الذي يتركه الاحتلال، وتساعد على نقل الإدارة والأمن إلى جهة فلسطينية.
لكن إذا دخلت قوة الاستقرار إلى غزة بينما بقي الجيش الإسرائيلي في مواقعه، واحتفظ بحرية تنفيذ الغارات والاغتيالات وعمليات الخطف، فإنها لن تكون قوة إحلال، بل قوة فصل محدودة الصلاحيات.
هذا هو الخطر الذي كشفت عنه عملية الكتيبة مبكرًا: يمكن أن تصل القوات الدولية إلى غزة، وأن تبدأ الشرطة تدريباتها، وأن تُنشأ غرف اتصال وفض اشتباك، بينما تظل اليد الإسرائيلية قادرة على الوصول إلى قلب المدينة.
فكيف وصل المسار إلى هنا؟
للإجابة، ينبغي العودة إلى الثلاثين من يوليو/تموز، عندما وافقت حركة حماس والفصائل الفلسطينية على خارطة ملادينوف ذات البنود الخمسة عشر.
مثلت الموافقة تحولًا سياسيًا كبيرًا. فقد تضمنت استعدادًا لإنهاء دور حماس في إدارة غزة، ونقل المسؤوليات إلى لجنة فلسطينية، وقبول مبدأ «سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد»، والدخول في ترتيبات مكتوبة تتعلق بالسلاح الثقيل.
لم تكن هذه التنازلات مجانية أو منفصلة عن مقابل سياسي وأمني. فقد قامت الخارطة على مبدأي التدرج والتبادلية: تتقدم الترتيبات الفلسطينية المتعلقة بالإدارة والسلاح بالتوازي مع وقف العمليات العسكرية والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، وتخضع خطوات الطرفين للتحقق.
كانت المعادلة واضحة: ترتيبات تدريجية في ملف السلاح، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي.
بهذه الموافقة، انتقل السؤال من استعداد حماس للتخلي عن الحكم ومناقشة السلاح، إلى استعداد إسرائيل للانسحاب وإنهاء عملياتها العسكرية.
لكن هذا التحول لم يستمر طويلًا.
بعد عشرة أيام فقط، أعلن بنيامين نتنياهو رفض الوثيقة، وتمسك بأن الجيش الإسرائيلي لن ينفذ أي انسحاب قبل نزع سلاح حماس «فعليًا».
لم يرفض نتنياهو مبدأ نزع السلاح؛ ما رفضه هو ربطه بالتزام إسرائيلي مقابل. أراد قلب ترتيب الخارطة لتصبح المعادلة: نزع كامل للسلاح أولًا، ثم بحث الانسحاب لاحقًا.
قد يبدو الخلاف إجرائيًا، لكنه يتعلق في جوهره بتوزيع المخاطر. ففي الصيغة التي وافقت عليها الفصائل، يتقدم الطرفان خطوة مقابل خطوة. أما في صيغة نتنياهو، فيقدم الفلسطينيون الإجراء الأكثر حساسية والأصعب في التراجع عنه، بينما يبقى الانسحاب وعدًا مؤجلًا وخاضعًا للتقدير الأمني الإسرائيلي.
وعملية الخطف الأخيرة توضح خطورة هذا الترتيب. فإذا كانت إسرائيل لا تزال تنفذ عملياتها داخل غزة خلال المفاوضات، فما الذي يضمن توقفها بعد تقديم الفلسطينيين خطوات غير قابلة للعكس في ملف السلاح؟
كل هذه الخيوط تعيدنا إلى المشهد الأول: قوة إسرائيلية خاصة تتحرك وسط غزة، في حين تجري مناقشة ترتيبات يُفترض أن تنقل القطاع إلى مرحلة ما بعد الحرب.
يلخص هذا المشهد السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال المرحلة المقبلة: «الجمود المُدار تحت النار».
لن تعود الحرب الشاملة سريعًا، لأن الولايات المتحدة والوسطاء لا يريدون انهيار المسار. لكن التنفيذ الكامل للاتفاق لن يبدأ أيضًا، لأن نتنياهو لا يريد دفع كلفة الانسحاب أو التخلي عن حرية العمل العسكري خصوصا في ذروة الموسم الانتخابي الاسرائيلي.
قد تدخل مساعدات، وتستمر التحضيرات لقوة الاستقرار، وتتلقى الشرطة التدريب، وتُعلن تعهدات مالية جديدة. وفي الوقت نفسه، تتواصل الغارات والاغتيالات وعمليات الخطف تحت عناوين أمنية مختلفة.
لذلك، لن يُقاس نجاح خارطة ملادينوف بعدد الاجتماعات، ولا بحجم الأموال المعلنة، ولا بعدد الجنود الدوليين الذين سيصلون إلى غزة.
المعيار الحقيقي هو: كم مترًا سينسحب منه الجيش الإسرائيلي؟ وهل ستتوقف الاغتيالات وعمليات الخطف؟ ومن يمتلك القدرة على ردع الخروقات، لا مجرد توثيقها بعد وقوعها؟
فإذا استطاعت قوة إسرائيلية أن تدخل إلى قلب غزة، وتختطف مسؤولًا أمنيًا، ثم تخرج من دون رادع، فهذا يعني أن الحرب لم تنتهِ بعد.
كل ما حدث أنها غيّرت شكلها.

























































