اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
خاص الهديل….
كهرمان….
ليست المسألة الكردية في سوريا تفصيلاً عالقاً على هامش الصراع، ولا ملفاً يمكن ترحيله من مرحلة إلى أخرى بانتظار 'الظرف المناسب'. إنها، في جوهرها، اختبار حقيقي لفكرة الدولة نفسها: هل تستطيع سوريا أن تعيد بناء ذاتها كدولة مواطنين، أم أنها ستكتفي بإعادة إنتاج نموذج مركزي قديم بثوب جديد؟
منذ الاستقلال، ساد نموذج دولة يختزل الوطنية في تعريف أحادي، وينظر إلى التعدد القومي والثقافي بوصفه عبئاً أو خطراَ، لا مورداً وقيمة مضافة. ضمن هذا المنطق، لم تُعالَج المسألة الكردية كقضية حقوق ومواطنة متساوية، بل كملف أمني أو إداري، تُدار أزماته بالمنع أو التجاهل. والنتيجة كانت تراكماً طويلاً من المظالم: تهميش، وإنكار للهوية، وشرخ عميق في الثقة بين الدولة وجزء من مواطنيها.. كل هذه السياسات لم تصنع اندماجاً وطنياً، بل هشاشة انفجرت بوضوح مع عام 2011 وما تلاه.
اليوم، بعد سنوات من الحرب والانهيار، يبدو واضحاً أن أي حديث عن 'حل نهائي' للمسألة الكردية لا يمكن فصله عن مشروع بناء الدولة. فحينما انسحبت مؤسسات نظام الأسد من المناطق شمال شرق، مُلئت بقوى لتحافظ على أمنها واستقرارها. وفي هذا السياق، نشأت 'قوات سوريا الديمقراطية' ضمن معركة دولية ضد 'داعش' وبإسناد أميركي مباشر، وتمكنت من فرض منظومة أمنية وإدارية في مناطق عانت تاريخياً من غياب الدولة أو قسوتها. لكن هذا الواقع، مهما كانت أسبابه، تحوّل مع الوقت إلى معضلة سيادية، لأن الدولة الحديثة – وهذا ما يتفق كل الأطراف عليه – لا تقوم على تعدد الجيوش والمرجعيات الأمنية.
غير أن الإشكالية هنا لا تقف عند شعار 'حصرية السلاح بيد الدولة'. السؤال الأهم هو: أي دولة ستحتكر هذا السلاح؟ هل هي الدولة التي تعيد إنتاج الإنكار والتهميش، أم الدولة التي تعيد تعريف نفسها كإطار جامع لمواطنيها؟ هنا تتجسد العقدة السورية الراهنة. الدولة تطالب باستعادة السيادة ووحدة القرار، فيما تخشى القوى الكردية، ومعها شرائح واسعة من مجتمعها، أن تعني هذه الاستعادة عودة النموذج القديم: مركزية بلا تمثيل، وأمن بلا قانون، ووحدة بلا مساواة. وفي المقابل، يخشى كثير من السوريين من أن يكرّس استمرار السلاح خارج الدولة أمراً واقعاً دائماً يقود إلى تفكك السيادة وتآكل المجال الوطني.
هذه المخاوف المتبادلة هي التعبير الأوضح عن أزمة ثقة عميقة. ومن دون معالجة هذه الأزمة من جذورها، ستبقى أي تفاهمات مرحلية، مهما بدت مهمة، هشّة وقابلة للانهيار. فالاتفاقات التي لا تستند إلى مرجعية دستورية واضحة، ولا آليات تنفيذ قابلة للتحقق، ولا ضمانات متبادلة، تتحول سريعاً إلى نصوص مؤجلة أو 'هدن لغوية' لا إلى مسار سياسي فعلي.
من هنا، تصبح إعادة بناء الثقة جوهر الحل لا ملحقه. وهذه الثقة لا تُبنى بخطابات مطمئنة أو وساطات عابرة، بل بسلسلة خطوات ملموسة ومتدرجة. أولها اعتراف متبادل بالحقائق الأساسية: اعتراف الدولة بأن المسألة الكردية قضية حقوق ومواطنة لا تهديد للوحدة، وأن أي صيغة وطنية من دون ضمانات دستورية للتعدد ستعيد إنتاج الأزمة. وفي المقابل، اعتراف القوى الكردية بأن تعدد الجيوش لا يصلح أساساً دائماً، وأن الحقوق لا تُحمى طويلاً بسلاح منفلت أو بتحالفات خارجية متقلبة.
العامل الثاني هو الانتقال من منطق 'التطمين' إلى منطق 'الضمان'. التطمين خطاب قابل للتبدد، أما الضمان فهو مؤسسات وقواعد. وهذا يعني نصوصاً دستورية واضحة تعترف بالتعدد الثقافي واللغوي، وتكرّس مبدأ المواطنة المتساوية، وتمنع التمييز.
أما العامل الثالث، فيكمن في إجراءات حسن نية قابلة للقياس: تخفيف الاحتقان عبر خطوات عملية، لا مكاسب دعائية. إطلاق سراح معتقلين حيثما وُجدوا، وقف التحريض الإعلامي، فتح قنوات تواصل رسمية ثابتة، وتحييد المدن عن الاستعراضات المسلحة.
يبقى العامل الأكثر حساسية: العلاقة بين الأمن والسياسة. لا يمكن بناء دولة إذا ظلّ الأمن فوق السياسة. المطلوب مسار تدريجي نحو حصرية السلاح بيد الدولة، لكن على قاعدة دمج مؤسسي لا إذلالي. الدمج هنا لا يعني محو التجارب أو الهويات، بل إخضاعها لمنطق الدولة: قانون واحد، وقيادة واحدة، ومسؤولية واحدة أمام الدستور.
كل ذلك يجري في بيئة إقليمية ودولية ضاغطة. تركيا تنظر إلى أي كيان كردي مسلح بوصفه تهديداً مباشراً، والولايات المتحدة تتعامل مع 'قسد' بمنطق وظيفي متغير، فيما تستفيد إسرائيل من استمرار التفكك. لذلك، فإن ربط الحقوق السورية بضمانات الخارج يبقيها رهينة تقلباته. الضمان الحقيقي لا يكون إلا وطنياً ودستورياً.
وعليه، فإن حلّ المسألة الكردية هو الامتحان الأكبر لبناء الدولة. حلّ وطني نهائي يعني أن يدرك السوريون أن المواطنة المتساوية هي الضمانة الوحيدة للوحدة، وأن حصرية السلاح شرط لقيام الدولة، لكن شرطه المقابل أن تكون هذه الدولة جديرة باحتكار القوة: دولة قانون لا دولة مزاج، دولة حقوق لا دولة استثناء، ودولة تعترف بالتنوع بدل إنكاره.











































































