اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
في ذاكرة الأردنيين محطات إعلامية لم تكن مجرد برامج تلفزيونية عابرة، بل كانت حالات اجتماعية وثقافية ووطنية متكاملة. ومن بين تلك المحطات يطل اسم الإعلامي الراحل رافع شاهين، الذي استطاع من خلال برنامجي «فكر واربح» و«مواهب» أن يقدم نموذجاً إعلامياً متقدماً، تجاوز الترفيه التقليدي إلى بناء المعرفة، واكتشاف القدرات، وتحفيز المؤسسات، وإيجاد حالة من التفاعل الإيجابي بين الأردنيين.
كان مساء كل خميس موعداً تنتظره الأسر الأردنية بشغف. تجتمع العائلة أمام شاشة التلفزيون الأردني، ويتحول البرنامج إلى مساحة للمشاركة والتفكير واستعادة المعلومات والتنافس المعرفي. لم يكن المشاهد متلقياً سلبياً، بل كان يحاول الإجابة قبل المتسابق، ويختبر معلوماته، ويناقش أبناء أسرته، ويتذكر ما تعلمه في المدرسة أو الجامعة أو الحياة. كانت الأسئلة تفتح أبواباً للمعرفة، وتستحضر التاريخ والجغرافيا والثقافة والعلوم والمعلومات العامة، في قالب بسيط وجاذب، لا يتعالى على المشاهد ولا يستخف بعقله.
أولاً: فكر واربح... حين أصبحت المعرفة طريقاً للمتعة والمكافأة
لم تكن عبقرية «فكر واربح» في طرح الأسئلة وتقديم الجوائز فحسب، بل في تحويل التفكير والمعرفة إلى قيمة اجتماعية تستحق المتابعة والتنافس. لقد كان البرنامج يرسخ فكرة أن المعلومة قوة، وأن الثقافة ليست حكراً على فئة أو طبقة اجتماعية، وأن الإنسان يستطيع أن ينافس بذكائه وسعة اطلاعه وسرعة بديهته.
والأكثر أهمية أن التجربة امتدت إلى المؤسسات الأردنية، حيث كانت مؤسسات من القطاعين العام والخاص تحضر إلى الاستوديو في أجواء تنافسية، بمشاركة مسؤوليها وموظفيها من مختلف المستويات الوظيفية. لم يكن الحضور مجرد جمهور للتصفيق، بل كان جزءاً من مشهد مؤسسي وطني، تظهر فيه المؤسسة أمام المجتمع، ويتنافس منتسبوها، وتتجسد روح الفريق الواحد.
تخيلوا الأثر المعنوي حين يرى الموظف مديره وزملاءه يتنافسون على الشاشة، وحين تصبح المؤسسة حاضرة في ذاكرة الأسرة الأردنية من خلال المعرفة والثقافة والتفاعل الإيجابي، لا من خلال المعاملات والخدمات فقط!
هنا كانت الشاشة تؤدي دوراً يتجاوز الإعلام، لتصبح مساحة للتواصل المؤسسي، وتعزيز الاعتزاز بالعمل، وإيجاد منافسة إيجابية، وترسيخ صورة المؤسسة باعتبارها جزءاً حياً من المجتمع.
ثانياً: مواهب... الأردن كان يكتشف مواهبه قبل أن تصبح برامج المواهب صناعة عالمية
أما برنامج «مواهب»، فقد كان تجربة أردنية تستحق التوقف عندها طويلاً. ففي عام 1985، كان رافع شاهين يجوب المدن والمحافظات بحثاً عن الطاقات الكامنة والمواهب الشابة، ويمنحها فرصة الظهور أمام الجمهور الأردني.
كانت المواهب فنية وعلمية ورياضية وثقافية، وكان البرنامج يفتح نافذة لمن يمتلك القدرة والإبداع، لكنه ربما لا يمتلك الفرصة أو المنصة التي تعرف الناس به.
واللافت أن هذه الفكرة الأردنية سبقت الانتشار العالمي الواسع لبرامج اكتشاف المواهب، ومنها Arab's Got Talent الذي ظهر بعد ذلك بنحو ثلاثة عقود. وليس المقصود أن الشكلين متطابقان، بل إن جوهر الفكرة المتمثل في البحث عن الموهبة وإعطائها منصة جماهيرية كان حاضراً على شاشة التلفزيون الأردني منذ ذلك الوقت.
لقد أدرك رافع شاهين مبكراً أن المواهب لا تتركز في العاصمة، وأن في القرى والبوادي والمدن والمحافظات طاقات تستحق أن تُكتشف، وأن الإعلام يستطيع أن يكون جسراً بين الموهوب والفرصة.
وهذا بحد ذاته تفكير تنموي متقدم؛ فالموهبة ثروة وطنية، واكتشافها استثمار في الإنسان، وإعطاؤها الفرصة هو أحد أشكال العدالة في توزيع الفرص التنموية.
ثالثاً: الإعلام الذي يصنع العقل الجمعي الإيجابي
إذا أردنا قراءة التجربة من منظور اجتماعي وتنموي، فإن أهم ما قدمه رافع شاهين لم يكن برنامجاً ناجحاً فحسب، بل حالة من التفاعل الجمعي الإيجابي.
كانت الأسرة تتشارك المعلومة، والطفل يتعلم من والديه، والطالب يستعيد ما درسه، والموظف يرى مؤسسته حاضرة، والموهوب يشعر أن هناك من يبحث عنه ويؤمن بقدراته.
هكذا تتشكل تدريجياً ثقافة عامة مشتركة، وذاكرة وطنية متقاربة، واهتمامات تجمع الناس حول المعرفة والإنجاز والمنافسة الشريفة.
ولعلنا اليوم، ونحن نتحدث عن الهوية الوطنية، والانتماء، والوعي المجتمعي، ومواجهة الأفكار السلبية، وبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، بحاجة إلى استحضار مثل هذه النماذج الإعلامية التي كانت تقدم رسائلها دون وعظ مباشر أو خطاب تقليدي، بل من خلال المتعة والمشاركة والقدوة والتنافس.
فالإعلام الناجح لا يكتفي بإخبار المجتمع بما يحدث، بل يستطيع أن يسهم في تحديد ما يفكر فيه المجتمع، وما يتنافس عليه، وما يعتبره قيمة تستحق التقدير.
رابعاً: أين نحن اليوم من هذا النموذج الإعلامي؟
لسنا بحاجة إلى استنساخ برامج الثمانينات، ولا إلى استعادة أدوات إنتاجها، بل إلى استعادة فلسفتها وتطويرها بما يتناسب مع عصر الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية والتفاعلية.
يمكن للتلفزيون الأردني اليوم أن يطلق مشروعاً إعلامياً وطنياً متكاملاً، يجمع بين مسابقات المعرفة والتحديات المؤسسية واكتشاف المواهب والابتكار، بمشاركة الوزارات والجامعات والبلديات والشركات والمؤسسات الوطنية.
برنامج أسبوعي تتنافس فيه المؤسسات في المعرفة والابتكار وجودة الخدمات والحلول التنموية، وتُعرض فيه المبادرات الناجحة، وتُكتشف المواهب من مختلف المحافظات، ويُمنح الشباب فرصة لتقديم أفكارهم واختراعاتهم ومشروعاتهم أمام المجتمع.
ويمكن توظيف المنصات الرقمية لتمكين الأسر والمدارس والجامعات من المشاركة المباشرة، بحيث لا تتوقف المسابقة عند حدود الاستوديو، بل تتحول إلى نشاط وطني واسع.
ولماذا لا تكون هناك جوائز وطنية للمعرفة والابتكار والتميز المؤسسي، ترتبط بمخرجات حقيقية، وتدفع المؤسسات إلى التعلم من بعضها بعضاً، وتمنح الموهوبين فرصاً للاحتضان والتطوير؟
إن مثل هذه البرامج يمكن أن تسهم في بناء علاقة أكثر إيجابية بين المواطن والمؤسسة، وأن تجعل الإنجاز والكفاءة والمعرفة والابتكار موضوعات يومية يتحدث عنها الأردنيون ويتنافسون فيها.
أخيراً... لم يكن رافع شاهين يقدم برنامجاً، بل كان يجمع الأردن أمام شاشة واحدة.
كان يجمع الأسرة حول المعرفة، والمؤسسات حول التنافس، والمواهب حول الفرصة، والمجتمع حول حالة من الفرح والانتماء والتفاعل الوطني.
رحم الله رافع شاهين، فقد كان من أولئك الإعلاميين الذين فهموا أن الشاشة ليست مجرد جهاز يبث الصورة والصوت، وإنما منصة قادرة على التأثير في المجتمع وتوجيه اهتماماته، وصناعة ذاكرته المشتركة، وتحفيز طاقاته.
ولعل أجمل وفاء لتلك التجربة ليس الاكتفاء باستعادة ذكرياتها، بل أن نعيد إنتاج فلسفتها بروح العصر؛ فالأردن اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى إعلام يجمع ولا يفرق، ويثقف ولا يلقن، ويكتشف ولا يستبعد، ويحفز المؤسسات ولا يكتفي بمراقبتها، ويمنح الشباب مساحة للظهور والإنجاز.
فكما كان رافع شاهين يجمعنا مساء كل خميس حول سؤال ومعلومة وموهبة، نحتاج اليوم إلى إعلام يجمعنا حول المعرفة والابتكار والإنجاز، ويبني عقلاً جمعياً أردنياً أكثر وعياً وثقة وإيجابية وانتماءً.

























































