اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
لم تكن الانتخابات الأمريكية النصفية الأخيرة مجرد استحقاق انتخابي عابر، ولم تكن نتائجها مجرد انتقال لبعض المقاعد من الحزب الجمهوري إلى الحزب الديمقراطي، بل شكلت تحولاً سياسياً واسعاً أعاد رسم الخريطة السياسية الأمريكية، وأعلن بوضوح أن اللون الأزرق الديمقراطي قد تقدم على اللون الأحمر الجمهوري، وأن الناخب الأمريكي قرر أن يضع حداً لمرحلة سياسية مثقلة بالانقسامات والصراعات والحروب والأعباء الاقتصادية.
لقد استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، وحققوا مكاسب مهمة في انتخابات حكام الولايات والمجالس التشريعية المحلية، وانتزعوا مواقع من الجمهوريين في ولايات كانت تعد من معاقلهم التقليدية. وبذلك لم يعد الأمر متعلقاً بأغلبية برلمانية فحسب، وإنما بات أمامنا مشهد سياسي جديد تتوزع فيه مراكز القوة بين البيت الأبيض من جهة، والكابيتول هيل، بما يضمه من مجلسي الشيوخ والنواب، من جهة أخرى.
إنها رسالة انتخابية واضحة، عنوانها أن سياسة الرجل الواحد، مهما امتلكت من أدوات النفوذ والسلطة، لا تستطيع أن تتجاهل إلى ما لا نهاية مزاج المجتمع الأمريكي وتغيراته، ولا أن تفرض على الناخبين أولويات لا يشعرون بأنها تعبر عن مصالحهم ومشكلاتهم اليومية.
لقد حمل العالم خلال السنوات الماضية عبء سياسات أمريكية اتسمت بالاندفاع والتوتر، وكان الشرق الأوسط في مقدمة المناطق التي دفعت أثمانها. فحرب غزة وما رافقها من قتل للأطفال والنساء والشيوخ، وتدمير للمستشفيات والمدارس والجامعات والمنازل، لم تكن مجرد مأساة فلسطينية، بل تحولت إلى قضية أخلاقية وسياسية داخل المجتمع الأمريكي نفسه.
ولم تتوقف التداعيات عند حدود غزة، فقد أدى الانخراط الأمريكي في الصراع الإقليمي، والتصعيد الذي جر المنطقة إلى مواجهة مع إيران، إلى زيادة المخاوف من اتساع رقعة الحرب، وارتفاع تكاليفها الاقتصادية والعسكرية، وتفاقم حالة عدم الاستقرار التي انعكست على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتجارة الدولية.
وهنا لا بد أن نتوقف أمام حقيقة مهمة، لقد بدأ الناخب الأمريكي يشعر بأن الحروب الخارجية ليست بعيدة عن حياته، وأن الأموال التي تنفق على الصراعات والمساعدات العسكرية لها انعكاساتها على الاقتصاد الأمريكي وأولويات المواطن، الذي يواجه بدوره أعباء المعيشة وارتفاع الأسعار وتكاليف السكن والرعاية الصحية.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن فصل الانتصار الديمقراطي عن حالة التململ الشعبي من السياسات التي اتبعتها الإدارة الجمهورية، سواء في الداخل أو الخارج. فقد أظهرت النتائج أن قضايا الاقتصاد وتكاليف المعيشة والحرب والسياسة الخارجية كانت حاضرة بقوة في خيارات الناخبين، وأن الحزب الجمهوري لم يعد قادراً على افتراض أن قاعدته الانتخابية ستمنحه تفويضاً مفتوحاً مهما كانت نتائج سياساته.
ولعل أبرز التحولات التي تستحق التوقف عندها هو ما يتعلق بالموقف الأمريكي من إسرائيل. فقد بدأت النظرة التقليدية للعلاقة مع دولة الاحتلال تتعرض لمراجعات متزايدة، خصوصاً في أوساط الشباب والناخبين الديمقراطيين، الذين باتوا أكثر استعداداً لمساءلة المساعدات العسكرية والمالية غير المشروطة، والمطالبة بربطها باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تواجه جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل تحدياً انتخابياً وإعلامياً وشعبياً بهذا الحجم، ولم تعد قدرتها على التأثير في خيارات الناخبين مضمونة كما كانت في مراحل سابقة. ولعل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) أصبحت أمام واقع جديد، إذ لم يعد المال الانتخابي وحده كافياً لتغيير قناعات قطاعات واسعة من الناخبين.
ولنتذكر هنا تجربة النائب الأمريكي السابق بول فندلي، الذي انتقد السياسات الإسرائيلية في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ودفع ثمناً سياسياً لمواقفه، قبل أن يخرج بكتابه الشهير «من يجرؤ على الكلام»، الذي تناول فيه تأثير جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في السياسة الأمريكية.
كان فندلي في ذلك الوقت صوتاً منفرداً إلى حد بعيد، أما اليوم فقد أصبح انتقاد السياسات الإسرائيلية جزءاً من نقاش سياسي أوسع، تشارك فيه شخصيات برلمانية وإعلامية وقطاعات متزايدة من الناخبين. وهذا لا يعني أن السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل قد تغيرت جذرياً، لكنه يعني أن احتكار الموقف التقليدي لم يعد أمراً مسلماً به.
بل إن المثير للاهتمام أن بعض السياسيين الذين كانوا يتجنبون الخوض في ملف المساعدات لإسرائيل باتوا يطرحون ضرورة مراجعتها، بل إن وقف المساعدات أو تقليصها أصبح حاضراً في بعض الخطابات الانتخابية. وهي إشارة إلى أن القضية الفلسطينية لم تعد محصورة في نطاق التضامن الإنساني أو المواقف الخارجية، بل أصبحت أيضاً قضية انتخابية داخل الولايات المتحدة.
ومن أبرز نتائج هذا التحول صعود شخصيات جديدة إلى مواقع متقدمة في الحياة السياسية الأمريكية، وفي مقدمتها عبد الرحمن محمد السيد ( عبدول السيد ) ، الذي حقق فوزاً تاريخياً في ولاية ميشيغان، ليصبح أول مسلم يفوز بعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي.
إن هذا الفوز لا يحمل دلالة شخصية أو انتخابية فقط، بل يعكس اتساع حضور العرب والمسلمين في الحياة السياسية الأمريكية، وانتقالهم من مرحلة المشاركة في النقاش العام والتأثير في الانتخابات إلى مرحلة الوصول المباشر إلى مواقع صنع القرار.
كما أن وصول شخصيات عربية ومسلمة إلى مجلس النواب، وتعاظم حضورها في المجالس التشريعية المحلية، يفتح الباب أمام تمثيل أوسع لقضايا المجتمعات العربية والإسلامية، ويمنحها فرصة للمشاركة في صياغة السياسات ومساءلة المسؤولين عن المواقف الأمريكية تجاه قضايا المنطقة.
ولعل هذه الظاهرة تعيد إلى الأذهان تجربة باراك أوباما، الذي استطاع أن يقدم نموذجاً سياسياً جديداً في الولايات المتحدة، وأن يحول التنوع المجتمعي إلى قوة انتخابية، ويكسر كثيراً من الحواجز التقليدية في الحياة السياسية الأمريكية. وليس المقصود أن تتكرر تجربة أوباما بحذافيرها، وإنما أن المرحلة الجديدة قد تتيح ظهور شخصيات سياسية تحمل أفكاراً مختلفة، وتستطيع مخاطبة شرائح واسعة من المجتمع الأمريكي.
أما على مستوى المؤسسات، فإن استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب تضع الرئيس ترامب أمام معادلة سياسية مختلفة تماماً عما كان عليه الوضع خلال الفترة السابقة.
فالبيت الأبيض لن يكون قادراً على تمرير مشروعاته وسياساته بالسهولة التي اعتادها، إذ بات أمام كونغرس يمتلك صلاحيات دستورية واسعة في التشريع والرقابة وإقرار الموازنات والموافقة على التعيينات، فضلاً عن القدرة على فتح التحقيقات ومساءلة الإدارة التنفيذية.
ومن هنا قد نشهد صراعاً سياسياً محتدماً بين البيت الأبيض والكابيتول هيل، لا سيما في الملفات المتعلقة بالإنفاق العسكري، والسياسة الخارجية، والهجرة، والاقتصاد، والمساعدات الخارجية، والعلاقة مع إسرائيل.
ولا يعني ذلك أن الكونغرس يستطيع إيقاف كل توجهات الرئيس أو تغيير السياسة الأمريكية بقرار واحد، فالرئيس يحتفظ بصلاحيات تنفيذية ودستورية واسعة، كما أن العلاقات الاستراتيجية الأمريكية لا تتغير بمجرد تغير الأغلبية البرلمانية. لكن امتلاك الديمقراطيين الأغلبية في المجلسين سيجعل الرقابة أكثر فاعلية، وسيضع كثيراً من قرارات الإدارة أمام اختبار سياسي وتشريعي لم يكن قائماً بالصورة نفسها من قبل.
أما على مستوى الولايات، فإن النتائج تحمل دلالات لا تقل أهمية عن نتائج الكونغرس. فقد حقق الديمقراطيون مكاسب في انتخابات حكام الولايات، ووصلوا إلى مواقع جديدة في جورجيا وأيوا وأوهايو وتكساس، إلى جانب تعزيز مواقعهم في ولايات أخرى. كما حققوا اختراقات في عدد من المجالس التشريعية، واستعادوا السيطرة على بعض المؤسسات التي كانت خاضعة للجمهوريين.
وهذه النقطة بالذات تستحق الاهتمام، لأن السيطرة على الولايات لا تعني مجرد امتلاك مناصب إدارية، بل تعني التأثير في التشريعات المحلية، والتعليم والصحة والضرائب والحقوق المدنية، وفي رسم الدوائر الانتخابية وإدارة الاستحقاقات السياسية المقبلة.
إن اتساع اللون الأزرق على الخريطة الأمريكية، من الكونغرس إلى حكام الولايات والمجالس التشريعية، يشير إلى أن التحول لم يكن محصوراً في دائرة انتخابية واحدة، وإنما امتد إلى مستويات متعددة من الحكم، مع ضرورة الإقرار بأن الخريطة لم تصبح زرقاء بالكامل، وأن الجمهوريين احتفظوا بمواقع ونفوذ في عدد من الولايات والمؤسسات.
لقد وصف الرئيس ترامب بعض الشخصيات الديمقراطية التي خاضت الانتخابات بأنها شخصيات متطرفة أو مجنونة، لكن نتائج الصناديق أظهرت أن عدداً من هذه الأصوات استطاع الوصول إلى الناخبين وتحقيق انتصارات مهمة. وهذا يطرح سؤالاً حول مدى قدرة الحزب الجمهوري على قراءة التحولات التي تجري داخل المجتمع الأمريكي، ومدى استعداده لمراجعة خطابه وسياساته.
والآن، وقد تحقق الانتصار الديمقراطي في الكونغرس وامتدت مكاسبه إلى الولايات، فإن المسؤولية تنتقل إلى الحزب الديمقراطي نفسه. فالفوز لا يكفي، والأغلبية لا تمثل غاية في ذاتها، وإنما هي تفويض سياسي يضع الحزب أمام اختبار حقيقي،هل يستطيع تحويل هذا الانتصار إلى سياسات ملموسة يشعر بها المواطن الأمريكي؟
وهل يستطيع أن يترجم التحولات في الرأي العام إلى مراجعة حقيقية للسياسة الخارجية، وأن يضع حداً لسياسات الاستنزاف والحروب، وأن يعيد النظر في طبيعة العلاقة مع إسرائيل، بما يضمن احترام حقوق الفلسطينيين ووقف الانتهاكات التي شهدتها غزة؟
كما سيكون على الديمقراطيين التفكير مبكراً في الاستحقاق الرئاسي المقبل، وإعداد شخصية سياسية من العيار الثقيل، قادرة على استيعاب التغيرات التي أفرزتها الانتخابات، وعلى مخاطبة الأمريكيين بلغة تجمع بين الاقتصاد والعدالة الاجتماعية والسياسة الخارجية المتوازنة. شخصية تمتلك الحضور والقدرة على بناء تحالفات واسعة، وربما تحمل مفاجأة سياسية شبيهة بما حدث مع أوباما.
إن الجمهوريين يواجهون الآن مرحلة صعبة بعد خسارة السيطرة على مجلسي الكونغرس، وتراجع مواقعهم في عدد من الولايات. أما الديمقراطيون فقد أصبحوا أمام فرصة سياسية واسعة، لكنها في الوقت نفسه مسؤولية ثقيلة؛ لأن الناخب الذي منحهم ثقته لن ينتظر طويلاً ليرى نتائج ملموسة.
وفي النهاية، فإن ما جرى في أمريكا يتجاوز الحسابات الحزبية التقليدية. فالعالم الذي أنهكته الحروب والتوترات الاقتصادية يتطلع إلى سياسة أمريكية أكثر توازناً، وأقل اندفاعاً نحو الصراعات، وأكثر احتراماً لحقوق الشعوب والقانون الدولي.
لقد تقدم اللون الأزرق على اللون الأحمر، واستعاد الديمقراطيون الكونغرس وحققوا مكاسب مهمة في الولايات، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن، هل يستطيع هذا التحول أن يغير طريقة إدارة الولايات المتحدة لعلاقاتها مع العالم، أم أن الصراع الداخلي بين الحزبين سيظل محصوراً في تقاسم السلطة؟
إن غزة، بما حملته من وجع ودمار، ستكون واحدة من أهم الاختبارات الأخلاقية والسياسية لهذا التحول. فليس المطلوب أن تتغير الألوان على الخريطة الأمريكية فحسب، وإنما أن تتغير السياسات التي جعلت مناطق عديدة من العالم تدفع أثماناً باهظة من دماء أبنائها واستقرارها واقتصادها.
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضراً أمام الديمقراطيين وأمام العالم. هل يكون انتصار اللون الأزرق بداية لمرحلة سياسية مختلفة، أم مجرد تبديل في موازين السلطة داخل واشنطن؟

























































