اخبار سوريا
موقع كل يوم -سناك سوري
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
بعد بضعة أسابيع سيحتفل السوريون بالذكرى الثانية لسقوط نظام الأسد، دون أن يحمل لهم مرور هذين العامين بشرى استعادة الحياة السياسية لبلادٍ عاشت حالة موتٍ سياسي لعقود تحت حكم البعث.
فحتى اليوم، لم تصدر السلطات السورية الجديدة أي قرار واضح أو تعلن موقفاً صريحاً تجاه مسألة تفعيل الحياة السياسية، وتشكيل الأحزاب والسماح بالنشاط السياسي والحزبي من داخل سوريا، وواصلت ممارسة السياسة المنفردة في القرارات الكبرى مثل تشكيل الحكومة أو تشكيل مجلس الشعب والهيئات الوطنية المتعلقة بملفات مثل العدالة الانتقالية أو المفقودين.
وبعد أن أصدرت السلطة الجديدة قراراً بحلّ حزب 'البعث' وحلفائه من أحزاب 'الجبهة الوطنية التقدمية'، اتجهت نحو حلّ الكيانات السياسية للمعارضة السابقة مثل الائتلاف وهيئة التفاوض، كما أعلنت عن حلّ كافة الفصائل العسكرية ودمجها في مؤسسة موحّدة هي الجيش السوري، على أن ذلك يشمل 'هيئة تحرير الشام' التي تم إعلان حلّها مع الفصائل الأخرى في كانون الثاني 2025.
الشرع يعد بمشاركة الأحزاب في الحكم .. وحماية المرأة تبحث الاندماج في الجيش _ حصاد الأسبوع
وخلال هذين العامين، اقتصر موقف السلطات السورية من تفعيل الحياة السياسية على التأجيل فحسب، والمطالبة بانتظار قانون جديد للأحزاب ينظّم الحياة السياسية، دون تحديد موعد لصدور هذا القانون أو توضيح أولويته على جدول أعمال البرلمان الجديد، علماً أن الرئيس السوري 'أحمد الشرع' تحدّث في نيسان الماضي عن توجّه 'سوريا' نحو انتخابات حرة بعد نهاية المرحلة الانتقالية التي حدّدها الإعلان الدستوري بـ 5 سنوات، مضيفاً أن قوانين الأحزاب ستصاغ بناءً على الدستور الجديد والذي ستضعه لجان مختصة في مجلس الشعب، مشيراً إلى أن العملية ستتيح مشاركة الأحزاب في الحكومة والسلطة على حد قوله.
في هذه الأثناء، تبرز نظريتان في الساحة السورية، تدعو الأولى إلى المسارعة في إقرار القانون ليكون محدّداً أساسياً لموقف السلطة من التعدّدية والمشاركة السياسية، فيما تظهر الثانية نوعاً من الريبة تجاه فكرة 'الأحزاب' وتعتقد أن المرحلة 'الانتقالية' غير مؤاتية للسماح بتنافس سياسي بين الأحزاب المختلفة، تجنّباً لأي شكل من أشكال الانقسام.
أحدث وجوه هذا التباين بين الموقفين ظهر في حديث عضوين في مجلس الشعب السوري، حيث حذّر النائب 'حسن الدغيم'، من مخاطر عودة من وصفهم بـ'فلول النظام' إلى الحياة السياسية والشأن العام من بوابة الأحزاب، وقال أن ذلك سيتيح لضباط المخابرات أن يتحوّلوا لمنظّرين باسم الأحزاب، مضيفاً في حديثه لـ تلفزيون سوريا، أن المسألة تحتاج إلى وقت ورسوخ للمؤسسات وإقرار قوانين وتشريعات جديدة.
ورداً على سؤال حول سبب عدم إقرار مجلس الشعب قانوناً خاصاً بـ'العزل السياسي'، قال 'الدغيم' أن المجلس لا يزال في جلساته الأولى من الدورة العادية الأولى، ولا يمكن له أن يقرّ 400 قانوناً دفعة واحدة، حيث لا يزال النقاش دائراً حول النظام الداخلي والقوانين الاستثنائية.
رئيس الحزب الليبرالي السوري: الحريات الفردية في أفضل حالاتها والأحزاب ممنوعة من العمل
واعتبر 'الدغيم' أن عدم قدرة المؤسسات غير المكتملة على ضبط التنافس السياسي قد يؤدي إلى عودة الاستبداد أو وقوع حالة من الفوضى وفق حديثه.
في المقابل، ردّ النائب 'كنان النحاس' على طروحات 'الدغيم' معرباً عن اختلافه مع زميله في المجلس، حيث اعتبر أن العزل السياسي كفيل بمنع عودة من وصفهم بـ'الفلول' إلى الحكم بأي شكل من الأشكال، وأكّد 'النحاس' أنه لا يمكن أن تنضج الحياة السياسية دون انطلاق الأحزاب، لافتاً إلى أهمية الاستفادة من غياب الانتخابات في المرحلة الانتقالية مما يسمح بزيادة الوعي والثقافة السياسية لدى الشعب ويتيح للأحزاب بناء تصوراتها وبرامجها وعرضها على الشعب.
قال الرئيس السابق للحزب الليبرالي السوري – أحرار 'بسام القوتلي' إن الأحزاب السياسية السورية تعيش حالياً حالة ضياع نظراً لانتهاء المرحلة القديمة وتشكّل المرحلة الجديدة في الوقت الراهن دون أن تكتمل ملامحها بعد.
وخلال حديثه لـ سناك سوري، أوضح 'القوتلي' أن القوى السياسية تنتظر صدور قانون الأحزاب والانفتاح السياسي في البلاد، فيما لا يزال الشارع يتخوّف من تبعات العمل السياسي ما ينعكس بشكل على الأحزاب.
واعتبر أن الخوف من العمل السياسي جاء نتيجة رواسب المرحلة السابقة في عهد النظام، إضافة إلى غياب الثقة حالياً بالحكم الجديد، مبيناً أن الحياة السياسية الطبيعية تتطلب إطاراً قانونياً يحدّد الحقوق والواجبات بوضوح، وفتح إمكانيات الوصول إلى البرلمان والتمثيل.
مي العربي تصل لرئاسة الحزب الليبرالي السوري .. المساواة في مواقع القيادة
تقول عضو الحركة السياسية النسوية السورية 'نبال زيتونة' أن سوريا قبل 2011 كانت تعيش حالة انعدام للحياة السياسية، فقد استفرد نظام الأسد بالسلطة من خلال حزب شمولي لا يقبل التعدّدية، ويستحوذ بنص دستوري على جميع السلطات، بدعم من المؤسسة الأمنية، التي تدير مفاصل السياسة في سوريا، وقد تراوحت عقوبات من خاضوا ميادين العمل السرّي، بين سنة إلى عشرين سنة اعتقال.
وتضيف 'نبال' أن العمل السياسي كان وصمة في تلك المرحلة، حيث واجه العاملون والعاملات بالسياسة تحديات مجتمعيّة، وعقوبات جماعيّة على العائلة والأصدقاء بالتهديد والانتقام، ومنع من العمل والسفر، مشيرة إلى أن الأمر لم يختلف اليوم في الداخل السوريّ، فما زالت الدولة الأمنية تحكم قبضتها على الحياة السياسيّة، أمّا عن السوريين في الخارج، فقد خرجوا عن ذلك الطوق لتغصّ الساحة بعدد من الأحزاب والتجمّعات والتنظيمات، في حالة تعطّش حقيقي للعمل السياسي وفق حديثه.
الحياة الحزبية مؤجلة لما بعد الدستور .. هل عادت المادة الثامنة إلى سوريا؟
أجرت وحدة الأبحاث في سناك سوري بحثاً بعنوان 'أزمة التمثيل السياسي في سوريا خلال المرحلة الانتقالية، الفجوة التمثيلية للنساء والشباب'، وقد رصد البحث 119 تنظيماً سياسياً تمثيلياً خارج إطار الدولة والنقابات في سوريا من أحزاب وحركات وتيارات سياسية وغيرها.
وأظهر تحليل عينة الأحزاب أنها تتسّم بضيق القاعدة الشعبية بناءً على أعداد المنتسبين المنخفضة حيث لا يتجاوز العدد في بعضها 1000 منتسب ومنتسبة، إضافة لضعف وتيرة أنشطتها.
وكشفت المقابلات المعمّقة التي أجريت خلال البحث أن التردد في الانتساب للأحزاب السياسية بعد سقوط النظام يعود في جزء منها إلى غياب البيئة التنظيمية القادرة على تحويل الاهتمام إلى فعل وغياب ثقة الجمهور بالأحزاب وفاعليتها، علماً أن الموقف السلبي من الأحزاب جاء بعد عقودٍ من حالة التصحر السياسي التي مرّت بها 'سوريا'، وحرمان الناس من ممارسة حقهم في السياسة والمشاركة في الشأن العام، ومن خلال الإجابات على أسئلة المقابلات، اتفق ممثلو الأحزاب في إجاباتهم على أسئلتنا على أن ضعف الخطاب والانقطاع التاريخي للأحزاب عن المجتمع لعبا دورًا أساسيًا، كما تمحورت إجابات الناشطاتين الشباب على غياب التمثيل الحقيقي وانعدام الجدوى، بينما ذهبت إجابات السياسيات النساء إلى أن التهميش البنيوي والذكورية المتجذّرة هي العائق الأعمق.
ومع بقاء الموقف من الأحزاب والنشاط السياسي ملتبساً، لا يزال موقف الشارع من الأحزاب متبايناً أيضاً، بين تيار يرى في الحياة السياسية ضرورة لـ'سوريا الجديدة'، وحصاداً لثمار الثورة على الاستبداد وقطيعةً مع ميراث الحزب الواحد خلال عهد 'البعث'، مقابل تيار آخر يظهر مخاوف من الأحزاب، سواءً لناحية تجنّب الانقسام أو مخاوف عودة شخصيات كانت جزءاً من النظام السابق، ويدعو لضمان استقرار المرحلة الانتقالية تحت قيادة موحّدة لا تشتّتها خلافات الأحزاب؟.




































































