اخبار لبنان
موقع كل يوم -أي أم ليبانون
نشر بتاريخ: ١٧ أذار ٢٠٢٦
كتب شارل جبور في 'نداء الوطن':
يحاول رئيس الجمهورية جوزاف عون فتح الطرق التي تقود إلى إنهاء الصراع الذي حوّل لبنان طوال عقود إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية. وهو يدرك، بحكم موقعه في رئاسة الجمهورية، أن الطريق إلى هذا الهدف ليس سهلًا، وأن ثمّة صعوبات عملية تحول دون تحقيقه سريعًا. فالدولة اللبنانية، وبعد ما يقارب ستة وثلاثين عامًا من النفوذ الأسدي ثمّ الإيراني العميق، جرى خلالها وضع اليد على مفاصلها ومؤسساتها وتراتبياتها الإدارية والعسكرية والأمنية والقضائية والسياسية.
ومع ذلك، يبدو واضحًا أن الرئيس عون يتعامل مع هذه الصعوبات عبر مقاربة مختلفة تقوم على فتح طرق متعدّدة يمكن أن تقود تدريجيًا إلى الهدف المنشود: إعادة لبنان دولة طبيعية لا ساحة مفتوحة للصراعات الخارجية وآخرها الصراع الإيراني. وترتكز هذه المقاربة على ثلاثة طرق أساسية يجري العمل عليها بالتوازي:
الطريق الأول هو الطريق الرسمي الحكومي. وقد سلكه رئيس الجمهورية بالتكافل والتضامن والتعاون مع رئيس الحكومة نواف سلام وأكثرية أعضاء الحكومة. وقد تجلّى هذا الطريق في قرارات واضحة وصريحة صدرت عن مجلس الوزراء، من بينها قرار 5 آب الذي يدعو إلى نزع سلاح 'حزب اللّه'، وقرار 2 آذار الذي يحظر أنشطته العسكرية والأمنية.
هذه القرارات التي وصفها 'حزب اللّه' بأنها 'خطيئة' تعكس في الواقع تحوّلًا كبيرًا في الموقف الرسمي اللبناني. فالدولة التي كانت طوال سنوات تؤمّن غطاءً سياسيًا للسلاح غير الشرعي، أصبحت اليوم تعلن بوضوح أن هذا السلاح غير شرعي وأنه يجب نزعه.
بهذا المعنى، نجح الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام في إعادة فتح الطريق المؤسساتي الدستوري الذي غاب عن لبنان لعقود طويلة. فقد أنهت هذه القرارات الغطاء الرسمي الذي كان يتيح لـ 'الحزب' استخدام سلاحه تحت عناوين مختلفة، رغم أن هذا السلاح مرتبط بالحرس الثوري الإيراني، واستخدم لبنان ساحة لخدمة مشروع إيراني توسّعي وتخريبي.
أما الطريق الثاني الذي سلكه الرئيس عون، فهو الطريق التفاوضي. فقد بادر إلى تعيين شخصية سياسية ذات خبرة وحضور، السفير السابق سمير كرم، ضمن آلية 'الميكانيزم'. وقد واجهت هذه الخطوة اعتراضًا شديدًا من 'حزب اللّه'، لأنها تمسّ إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها خطابه السياسي ودوره العسكري الإيراني. فـ 'الحزب' يحتاج دائمًا إلى إبقاء حالة العداء المفتوح مع إسرائيل لتبرير احتفاظه بالسلاح ولدوره العسكري داخل لبنان.
ولم يكتفِ الرئيس عون بهذه الخطوة، بل سعى إلى تطويرها من خلال الدعوة إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل خارج الأراضي اللبنانية. وهذه الخطوة تحمل أبعادًا استراتيجية عميقة، لأنها تهدف إلى طي صفحة طويلة من الصراع الذي جرى إدخال لبنان فيه قسرًا.
فالتاريخ يظهر أن الصراع مع إسرائيل لم يكن يومًا صراعًا بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، ولا بين الشعب اللبناني وإسرائيل، بل كان صراعًا خاضته تنظيمات مسلّحة استخدمت الأراضي اللبنانية منطلقًا لعمليات عسكرية، ما أدّى إلى جرّ البلاد إلى حروب مدمّرة. وقد حاول لبنان منذ اتفاقية الهدنة اللبنانية – الإسرائيلية عام 1949 أن يحيّد نفسه عن الصراع العربي – الإسرائيلي، لكن هذا التحييد لم ينجح، بسبب منع الدولة داخليًا وبقوة الأمر الواقع من ضرب أي محاولة لاستخدام الأراضي اللبنانية كساحة للمواجهات والصراعات.
ومن هنا، تأتي أهمية الطريق التفاوضي، لأنه يسقط إحدى أهم الذرائع التي يستخدمها 'حزب اللّه' لتبرير سلاحه، أي ذريعة مواجهة 'العدو'. فالمفاوضات بين لبنان وإسرائيل يجب أن تؤدي إلى معادلة واضحة: لبنان يمنع استخدام أراضيه منطلقًا لأي اعتداء على إسرائيل، وإسرائيل في المقابل تلتزم عدم انتهاك السيادة اللبنانية ما دام لبنان يمنع أي اعتداء ينطلق من أراضيه. وعندها تسقط الذريعة الأساسية التي يستند إليها 'الحزب' لتبرير احتفاظه بالسلاح.
أما الطريق الثالث، فهو الطريق التنفيذي العسكري. فقرارات مجلس الوزراء لا يمكن أن تبقى حبرًا على ورق، بل يجب أن تُنفّذ على الأرض. وهذا يعني بسط سلطة الجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية على كامل الأراضي اللبنانية، ومنع أي نشاط عسكري خارج إطار الدولة. فمن خلال انتشار الجيش وتثبيت سلطة الدولة على الحدود وفي الداخل، يصبح من الممكن منع الفصيل الإيراني المسمّى 'حزب اللّه' من استخدام الأراضي اللبنانية لأغراضه العسكرية.
والطريق التفاوضي ليس بديلاً عن الطريق العسكري، بل يسير بالتوازي معه. فالمفاوضات بطبيعتها طويلة ومعقدة، ولا تنتهي بجولة أو جولتين، بل تحتاج إلى وقت وتراكم. ولذلك يمكن أن يتقدّم الطريق التفاوضي بالتوازي مع الطريق التنفيذي على الأرض. وعندما تنتهي الأعمال العسكرية بالقضاء على سلاح 'حزب اللّه'، تكون المفاوضات قد قطعت شوطًا مهمًا، فتأتي نتائجها تتويجًا لهذا التحوّل.
اليوم تبدو هذه الطرق الثلاثة: الطريق الحكومي الرسمي، والطريق التفاوضي، والطريق التنفيذي العسكري، كأنها طرق متوازية يسعى رئيس الجمهورية إلى فتحها تدريجيًا. وعندما تلتقي هذه الطرق في نقطة واحدة، يصبح من الممكن تحقيق الهدف الأكبر: إنهاء الدور العسكري للفصيل الإيراني المسمّى 'حزب اللّه'، وإعادة لبنان دولة طبيعية ذات سيادة كاملة على أرضها وقرارها.
فالمعادلة التي حكمت لبنان لعقود كانت معادلة 'الساحة'. أمّا اليوم، فالمعركة الحقيقية هي الانتقال من منطق الساحة إلى منطق الدولة. ولا يمكن أن تكتمل سيادة لبنان إلّا بإنهاء الصراع مع إسرائيل، وبسط سلطة الجيش والقوى الأمنية على كامل الأراضي اللبنانية، وتأكيد أن قرار الحرب والسلم هو في يد الدولة وحدها، وطي صفحة التنظيمات المسلّحة وآخرها الفصيل الإيراني في لبنان.











































































