اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٢٤ أذار ٢٠٢٦
لعلّ أدق توصيف يمكن إسقاطه على الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، هو أنّها «حرب اللامتوقع»، سواء لناحية مداها الزمني، أو لناحية مجرياتها العسكرية ومساحتها التدميرية الواسعة التي تخطّت إيران إلى دول الخليج وصولاً إلى العمق الإسرائيلي، أو لناحية السقف العالي من التهديدات، الذي يشهد تارةً صعوداً إلى حدّ التلويح بالسحق، وتارةً أخرى هبوطاً معاكساً، يشي وكأنّها تواكب حراكات بعيداً من الأضواء، أو وساطات أو قنوات مفتوحة بين واشنطن وطهران، لبلوغ تفاهمات تنهي الحرب، وهو ما أشار إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي استبق بساعات قليلة انتهاء مهلة الـ48 ساعة التي منحها لإيران، مهدِّداً بسحق منشآت الطاقة فيها إن استمرّت في إغلاق مضيق هرمز، بتمديد المهلة خمسة أيام، وإعلانه عن أنّ «إيران لم تعُد تشكّل تهديداً لنا»، وعن إجراء مفاوضات مثمرة للغاية بين واشنطن وطهران. فيما كان البارز في هذا السياق، ما نقلته وكالة «رويترز» عن مسؤول باكستاني، بأن محادثات لإنهاء الحرب في إيران قد تعقد في باكستان في وقت مبكر من هذا الأسبوع.
وأما الوضع على جبهة لبنان. فيشهد وتيرة عالية من التصعيد والمواجهات بين الجيش الإسرائيلي و»حزب الله» والقصف العنيف المتبادل الذي يطال المستوطنات والقواعد العسكرية في العمق الإسرائيلي، بالتوازي مع توسيع إسرائيل لدائرة اعتداءاتها على المناطق اللبنانية جنوب الليطاني وشماله، وتركيزها على تفجيرات للقرى القريبة من الحدود، وللجسور الرابطة بين الجنوب وسائر المناطق.
القنوات مفتوحة
محلياً، تلّف إسرائيل منطقة الجنوب بزنار ناري طول الخط الممتد من الناقورة حتى منطقة القطاع الشرقي، بالتزامن مع اعتداءات مكثفة طالت بالأمس منطقة الحازمية والضاحية الجنوبية. وأعلن الجيش الإسرائيلي عن استهداف قيادي في «فيلق القدس»، وتركّزت بصورة خاصة على كل القرى الجنوبية، بالتوازي مع استهداف الجسور، وتفجيرات متتالية في البلدات القريبة من الخط الحدودي، ومحاولات توغل في اتجاهها، تلقى مواجهة عنيفة من قِبل «حزب الله» الذي نفّذ سلسلة كبيرة من العمليات والرشقات الصاروخية على المستوطنات والقواعد العسكرية في العمق الإسرائيلي.
وأمّا على المستوى السياسي، فلا جديد نوعياً، إذ لا يبرز أي حراك علني على خط الجهود والوساطات لإنهاء الحرب ووقف الإعتداءات الإسرائيلية، إلّا أنّ هذا الجمود العلني على خط الحراكات، بحسب مصدر رفيع لـ«الجمهورية»: «لا يعني أنّ القنوات مقطوعة»، متحدّثاً عن «حراكات قد تبرز بصورة علنية وربما مكثفة في الأيام القليلة المقبلة»، من دون أن يحدِّد ماهية هذه الحراكات أو هوية القائمين بها.
تحصين الداخل… و«الميكانيزم»
اللافت داخلياً، إنّ حديثاً يسود داخل بعض الأوساط السياسية عن إشارات خارجية مشجّعة حول قرب انتهاء الحرب على جبهة لبنان، ربطاً بالإيجابيات التي بدأت تلوح في أفق الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وتُمهِّد لتسوية باتت وشيكة تنهي هذه الحرب. ويستند هذا الحديث على فرضية «تلازم المسارَين الإيراني واللبناني، حيث ما يسري على إيران يسري ايضاً على لبنان»، سألت «الجمهورية» مسؤولاً كبيراً حول صحّة ما يجري التداول فيه، فقال ما حرفيّته: «نظرياً، قد تبدو هذه الفرضية واقعية، وأنا أميل بعض الشيء إلى هذه الفرضية، لأنّ الأهداف المرسومة للحرب على جبهة إيران وكذلك على جبهة لبنان فشلت وأُحبِطت. وفي الوقت عينه قد تبدو هذه الفرضية أيضاً مبالغاً فيها ربطاً أولاً بأنّ وقف الحرب على جبهة إيران لم يُحسَم بعد، وثانياً بالعدوانية الإسرائيلية البلا-حدود، وأهدافها الحقيقية من لبنان بضمّ منطقة الجنوب وتوسيع حدودهم حتى نهر الليطاني» (يُشار في هذا السياق إلى أنّ وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، قال أمس: «نهر الليطاني يجب أن يكون هو الحدود بيننا وبين لبنان. مثلما نسيطر على 55% من غزة علينا أن نفعل ذلك في لبنان»).
ورداً على سؤال آخر، أكّد المسؤول عينه «أنّ الميدان مفتوح، وإسرائيل تعترف بأنّ حربها على لبنان هذه المرّة أصعب بكثير من حرب الـ66 يوماً وتعوّض عن هذه الصعوبة باستهداف المدنيِّين، ولننتظر ما ستؤول إليه الأمور». لافتاً إلى أنّ «الموقف اللبناني بات ثابتاً على مسلّمة وقف الإعتداءات الإسرائيلية قبل أي أمر آخر»، مشدِّداً على «أنّ لا حاجة على الإطلاق لصياغة أي تفاهمات جديدة مع إسرائيل، خصوصاً أنّ لدينا اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني 2024، المنبثق من القرار 1701، ولجنة «الميكانيزم» موجودة كإطار للتفاوض وتنفيذ الاتفاق، المطلوب فقط إلزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاق وليس أكثر من ذلك».
وخَلُص إلى القول: «إنّ هذا ما سيحصل في نهاية المطاف، والجيش جاهز للقيام بمهمّة حفظ الأمن في كل منطقة الجنوب». كاشفاً عن «إشارات خارجية حول حديث متزايد في أروقة بعض الدول حول الحاجة إلى بقاء قوات «اليونيفيل» في جنوب لبنان كضامن للأمن والاستقرار في المنطقة إلى جانب الجيش اللبناني، علماً أنّ بعض تلك الدول أيّدت قبل فترة إنهاء فترة انتداب «اليونيفيل» نهاية السنة الحالية».
عون وبري
على أنّ الأولوية التي تفوق أي أولوية أخرى، وفق ما يقول المسؤول عينه، تتجلّى «في تحصين الداخل وحماية السلم الأهلي، والتصدّي للمحاولات الخبيثة التي تحاول الإخلال به، هذا هو التحدّي الكبير الذي ينبغي أن ننجح فيه لحماية بلدنا».
وأولوية التحصين الداخلي عبّر عنها رئيس مجلس النواب نبيه بري بقوله: «الإسرائيلي يقصف الجسور وعلينا كلبنانيِّين ألّا نقطع جسور التواصل بيننا في الداخل». وهذا الأمر كان بنداً أساساً في اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون برئيس المجلس. وأعلنت رئاسة الجمهورية أنّ الرئيسَين عرضا الأوضاع العامة في البلاد في ضوء التطوُّرات الأمنية الراهنة، وتوقفا عند التصعيد الإسرائيلي واستهداف الجسور التي تربط الجنوب ببقية المناطق اللبنانية وما يمكن أن يرتب ذلك من تداعيات. كما تطرّقا إلى الأوضاع الاجتماعية والإنسانية الصعبة التي نشأت عن نزوح نحو مليون مواطن جنوبي من البلدات والقرى التي تعرّضت للقصف والتدمير.
وأشارت إلى «أنّ الرئيسَين عون وبري قيّما إيجابياً الاحتضان الشعبي للنازحين، والمتابعة التي تؤمّنها لهم الإدارات الرسمية والهيئات الإنسانية والاجتماعية. وشدّدا على الوحدة الوطنية والتضامن بين اللبنانيِّين في هذه الظروف الدقيقة، وأهمّية الحفاظ على السلم الأهلي وعدم التأثر بالشائعات التي تطلقها الجهات التي لا تريد الخير للبنان، لاسيما وأنّ ثمة إجماعاً وطنياً على رفض التجارب القاسية الماضية، وخصوصاً رفض العودة إلى الحرب الأهلية».
سلام وجنبلاط
كذلك، بحث الرئيس عون التطوُّرات مع رئيس الحكومة نواف سلام، الذي لفت إلى أنّه «على تواصل يومي مع الرئيس، ونعمل جميعاً لوقف الحرب في أسرع ما يمكن»، وأيضاً مع الرئيس السابق للحزب «التقدّمي الإشتراكي» وليد جنبلاط الذي أكّد بعد اللقاء «إنّ الدولة تقوم بواجباتها في ما يخص ملف سحب السلاح»، رافضاً أي حديث عن الإملاءات والشروط الإسرائيلية لبدء التفاوض، ومشيراً إلى أهمّية الحوار والحفاظ على الأمن الداخلي. وأضاف: «نحن لسنا موظفين عند الحكومة الإسرائيلية، واجباتنا اليوم الحوار والأمن الداخلي والنازحين». نافياً ما قيل عن وجود مشايخ مسلحين: «ما في حدا مسلّح، نحن نحتمي بالدولة والأجهزة الأمنية».
ترقب دولي
العالم بأسره كان مشدود الأعصاب حيال انتهاء مهلة الـ48 ساعة التي منحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران، وكيفية تنفيذه تهديده بسحق منشآت الطاقة فيها إن استمرّت في إغلاق مضيق هرمز. لكن قبل ساعات قليلة من انتهاء المهلة، حدثت المفاجأة من حيث لم يحتسب أحد، بإعلان ترامب «إنّ الولايات المتحدة وإيران أجرتا في اليومَين الماضيَين محادثات جيّدة ومثمرة للغاية بشأن التوصّل إلى حل كامل وشامل لكل الأعمال العدائية بيننا في الشرق الأوسط، وبناءً على طبيعة ونبرة هذه المحادثات المعمّقة والمفصّلة والبنّاءة، التي ستستمر طوال الأسبوع، فقد وجّهت وزارة الحرب لتأجيل جميع الضربات العسكرية ضدّ محطات الطاقة والبنية التحتية للطاقة الإيرانية لمدة 5 أيام، وذلك رهناً بنجاح الاجتماعات والمناقشات الجارية».
اللافت في هذا السياق، مسارعة إيران إلى النفي. إذ أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية «أنّه لا توجد محادثات بين إيران وأميركا، وأنّ تصريحات ترامب تأتي في إطار محاولات خفض أسعار الطاقة وكسب الوقت لتنفيذ خططه العسكرية»، مشيرةً إلى «أنّ ردّنا على مبادرات من دول المنطقة لخفض التوتر هو أنّنا لسنا مَن بدأ الحرب». فيما كان الأبرز ما بدت أنّها مفاجأة إسرائيل بما طرحه ترامب، إذ نقل موقع «والا» العبري عن مسؤول إسرائيلي كبير قوله: «إنّ أي انسحاب أميركي في هذه المرحلة من الحرب، في ظل تحكُّم إيران بحركة المرور في مضيق هرمز، سيُعدّ بمثابة استسلام استراتيجي، كما أنّ خطوة كهذه من شأنها أن تجعل حلفاء الولايات المتحدة، ولا سيما دول الخليج، رهائن بيد النظام الإيراني». وجاء ذلك بالتزامن مع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بـ«أنّنا نعمل على إحباط اتفاق سيّئ مع إيران». وبالتوازي مع ما كشفته صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، عن أنّه «حتى اللحظة لم يتحدّث الرئيس الأميركي مع نتنياهو». فيما أشارت شبكة «سكاي نيوز» إلى «فوضى عارمة في التحالف بين واشنطن وتل أبيب، إذ إنّ إسرائيل تتصرّف بشكل منفرد وتشنّ هجمات أحادية الجانب، كما فعلت مع منشآت الغاز، يبدو أنّ ترامب يفقد السيطرة على نتنياهو، والإختلاف في الاسترايجية هائل».
أسبوع حاسم
وفيما أعلن الرئيس الأميركي «أنّ في الإمكان الوصول إلى اتفاق خلال 5 أيام أو أقل»، برز ما أعلنته وكالة «تاس» الروسية حول «أنّ موسكو ترى تصريحات متناقضة بشأن المحادثات مع إيران وتواصل مراقبة الوضع»، فيما تحدّثت تقديرات ديبلوماسية عن رسائل متبادلة تولّت مصر وتركيا وباكستان نقلها بين واشنطن وطهران، وبرزت في موازاتها توقّعات إسرائيلية «بحصول محادثات بين مسؤولين أميركيِّين وإيرانيِّين رفيعي المستوى في باكستان هذا الأسبوع». تزامنت مع ما ذكره موقع «أكسيوس» الأميركي بأنّ الموفدَين الأميركيَّين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف يجريان محادثات مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف.
كل ذلك يعزّز الإعتقاد بأنّ الحرب المشتعلة أمام أسبوع حاسم، سواء لناحية تغليب التوجّه نحو إنهائها أو إشعالها بوتيرة أخطر. وتبرز في هذا السياق قراءة ديبلوماسية شرقية تقارب «بحذر ما بدت أنّها إيجابيات، ربطاً بما أعلنه الرئيس الأميركي حول المفاوضات»، لافتةً إلى «تجارب سابقة وصفتها بغير المشجّعة، مثل المفاوضات الإيجابية بين الإيرانيِّين والأميركيِّين التي سبقت حرب الـ12 يوماً في حزيران من العام الفائت، وتبيّن أنّها كمين تمهيدي لتلك الحرب، وكذلك المفاوضات الإيجابية جداً على حدّ توصيف أطرافها، التي سبقت الحرب الحالية وتبيّن أيضاً أنّها كمين تمهيدي لهذه الحرب. ولذلك، نحن مستمرّون في مراقبة التطوّرات، إذ سيتبدّى قريباً ما إذا كانت الإيجابيات وما حُكيَ عن محادثات مثمرة للغاية، واقعية تعكس رغبة حقيقية في إنهاء الحرب، أو أنّها تبعاً للتجارب السابقة، فصل من مسلسل الكمائن السابقة. ما نقوله هو أنّ الأمر يستدعي المزيد من الحذر».











































































