اخبار لبنان
موقع كل يوم -الصدارة نيوز
نشر بتاريخ: ٢٤ أيلول ٢٠٢٦
تكشف التقارير المسربة عن لقاءات رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، مع المسؤولين الأمريكيين على هامش أعمال الأمم المتحدة في نيويورك، عن تحول استراتيجي في طريقة تعاطي واشنطن مع الأزمة اللبنانية.
ولم يعد تعاطي واشنطن مع الملف اللبناني يدور في فلك تقديم الدعم التقليدي والمناشدات الدبلوماسية المعتادة، بل أبلغت الإدارة الأمريكية الجانب اللبناني بقرارها الرسمي القاضي بـربط المسار الأمني بالمسار المالي بشكل قطعي وعضوي.
واعتبرت الإدارة الأمريكية أن أي دعم دولي مستقبلي بات مشروطًا بسلة التزامات موحدة تجمع بين بسط السيادة الكاملة وإقرار التشريعات المالية الإنقاذية دون أي تفكيك للشروط أو مماطلة زمنية.
وتنطلق المقاربة الأمريكية المستحدثة من قناعة تبلورت لدى دوائر القرار في واشنطن مفادها أن الفصل بين ملفات لبنان السيادية والاقتصادية لم يعد مجديًا، بل إنه أسهم في إطالة أمد الأزمة واستنزاف المساعدات الدولية دون تحقيق نتائج ملموسة على الأرض.
وبحسب معطيات التقارير المسربة، فإن الجانب الأمريكي شدد بشكل حازم على أن أي تقدم في تقديم التسهيلات المالية أو رعاية مؤتمرات دولية لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي مشروط بإجراءات موازية وصارمة على الصعيدين الأمني والتشريعي.
وتأتي في مقدمة الشروط ضرورة مواصلة الدولة اللبنانية لخطواتها العملية لفرض سيادتها الكاملة وحصر السلاح بيد القوى العسكرية الشرعية، معتبرة أن البيئة الأمنية غير المستقرة والمنفلتة من سلطة القانون تشكل طرداً حتمياً لأي استثمارات أو حزم إنقاذ دولية، وبالتالي فإن بسط سلطة الدولة لم يعد مطلباً سياسياً محلياً فحسب، بل ركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ اقتصادي يعترف بها المجتمع الدولي.
وكشفت مصادر غربية مطلعة، أن المسؤولين الأمريكيين، بالتنسيق مع حلفائهم الأوروبيين، أبلغوا الجانب اللبناني رسمياً وبلهجة تخلو من الدبلوماسية التقليدية بأن عصر الشيكات على بياض والمساعدات غير المشروطة قد انتهى إلى غير رجعة.
وأوضحت المصادر في تصريح لـ'إرم نيوز'، أن الإدارة الأمريكية ربطت استمرار برامج التمويل والتجهيز والدعم اللوجستي المخصص للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بمدى التزام الحكومة والبرلمان بجدول زمني واضح ومحدد لفرض السيادة القانونية والعسكرية على كامل الأراضي اللبنانية، لاسيما في المناطق الحساسة.
وأشارت المصادر الغربية إلى أن التمديد لقوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب (اليونيفيل) وتأمين غطائها السياسي والمالي في حال تم ذلك، لن يكون تكراراً روتينياً في المستقبل، بل سيعتمد بشكل مباشر على إظهار بيروت لجدية حقيقية في تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة وعدم السماح بأي مظاهر عسكرية خارج إطار الدولة.
واوضحت، أن المطالب الأمريكية تقاطعت مع تحذيرات بالغة الخطورة تضمنتها اللقاءات التي جمعت الوفد اللبناني مع مسؤولي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في نيويورك.
وأكدت المصادر، أن المجتمع الدولي بات ينظر إلى البرلمان اللبناني كعقبة أساسية أمام الإنقاذ بسبب المماطلة المستمرة في إقرار القوانين الإصلاحية.
وكان قانون الفجوة المالية، المتعلق بإعادة هيكلة القطاع المصرفي وتحديد مصير الودائع وتراتبية الخسائر، شكل محوراً أساسياً في النقاشات التي أجراها نواف سلام مع المسؤولين الأمريكيين ومسؤولي صندوق النقد الدولي، حيث شددت واشنطن على ضرورة قيام مجلس النواب بإقرار هذا القانون فوراً ودون أي تعديلات تفرغه من مضمونه الإصلاحي.
ووفقاً للمعلومات المسربة، فقد وجه مسؤولو صندوق النقد الدولي تحذيراً شديد اللهجة من أي محاولات لتقديم طعون قانونية أو الالتفاف على مسودات القوانين المتفق عليها، معتبرين أن إقرار قانون الفجوة المالية هو الاختبار الحقيقي والوحيد الذي سيحدد مدى مصداقية الدولة اللبنانية وأهليتها للدخول في اتفاق نهائي وشامل يفضي إلى تدفق المساعدات والقروض الدولية.
من جانبه، يرى المحلل السياسي طانيوس صبري الحاج، أن المقاربة الأمريكية الجديدة تمثل تحولاً استراتيجياً يحمل أبعاداً بالغة التعقيد على الساحة المحلية.
ويشير في تصريح لـ'إرم نيوز'، إلى أن اشتراط إقرار قانون الفجوة المالية يضع القوى والكتل النيابية اللبنانية في مأزق وتشابك حاد مع قواعدها الشعبية وجماعات المصالح الحليفة لها.
ويوضح، أن القانون يفرض توزيعاً للخسائر المالية يطال بنيان القطاع المصرفي ويمس بشكل مباشر بحقوق المودعين، وهو ما تحاول القوى السياسية الهروب منه لتفادي الانفجار الاجتماعي والانتخابي.
ويعتقد، أن واشنطن ومن خلال هذا الضغط المزدوج، تسعى إلى كسر حلقة المراوحة والتعطيل عبر إجبار السلطة التشريعية والتنفيذية في بيروت على اتخاذ قرارات لم يعد بالإمكان تأجيلها، معتبرا أن التلازم بين الأمن والمال يعكس رؤية دولية جديدة ترى أن انهيار النظام المالي المصرفي في لبنان يعزز بالتبعية الاقتصاد الموازي والأنشطة غير الشرعية التي تقوض سيادة الدولة وتغذي الدويلات داخلها.
وفي المقابل، يلفت المحلل السياسي لطيف أبو السبع، إلى أن الجانب الأمريكي وعبر ربطه للملفين المالي والأمني، يحاول إحداث خرق في الجمود السياسي اللبناني، مستغلاً حاجة لبنان الماسة للاستقرار الأمني والتمويل الخارجي لفرض شروطه السيادية.
ويرى في تصريح لـ'إرم نيوز'، أن الرسالة الأمريكية الواضحة للرئيس نواف سلام كانت تهدف إلى إفهام الجميع بأن المجتمع الدولي لن يقوم بإنقاذ اقتصاد يديره برلمان يعطل الإصلاحات، كما لن يستمر في حماية ودعم منظومة أمنية رسمية لا تمتلك القرار السيادي الكامل على أراضيها.
ومن شأن هذا الربط المحكم، بحسب المحلل أبو السبع، سحب ورقة الاستقرار الأمني من يد المفاوض اللبناني كذريعة للحصول على أموال دولية دون تقديم تنازلات حقيقية في ملفي الإصلاح المالي وحصر السلاح.
ويؤكد أن هذه الخطوة من شأنها أيضا أن تجعل من الاستقرار الداخلي مسؤولية لبنانية بحتة تبدأ من صندوق الاقتراع وقاعات التشريع في البرلمان وتنتهي بتنفيذ القرارات الدولية على الأرض.
وبناء على المعطيات السابقة، يمكن القول إن الحكومة اللبنانية ستعود من الولايات المتحدة بحقيبة مليئة بالالتزامات الثقيلة وبخريطة طريق دولية صارمة لا تحتمل التأويل أو الاجتهاد.
كما أن تلازم المسارين الأمني والمالي الذي تطالب به واشنطن يضع الدولة اللبنانية بمختلف مؤسساتها أمام لحظة الحقيقة؛ فإما المضي قدماً في سلة إصلاحية متكاملة تشمل إقرار القوانين المالية كقانون الفجوة المالية وبسط السيادة العسكرية الكاملة لحصر السلاح بيد الدولة.
والأمر الآخر الدخول في مرحلة جديدة من العزلة الدولية الرمادية التي قد تؤدي تدريجياً إلى رفع الغطاء الأمني والاقتصادي والدبلوماسي عن البلاد، مما يترك لبنان وحيداً في مواجهة تداعيات الانهيار المالي الشامل والاضطرابات الأمنية المحتملة على حدوده وفي داخله.
المصدر : إرم نيوز











































































