اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ١ تشرين الأول ٢٠٢٦
انسحبت القوات الأميركية القتالية من العراق في ديسمبر/كانون الأول 2011، قبل أن تعود قوات أميركية لاحقًا في إطار الحرب على تنظيم داعش. وغادرت أفغانستان في 30 أغسطس/آب 2021 بعد عشرين عامًا من الحرب.
في الحالتين، دخلت واشنطن تحت عناوين كبرى: الأمن، ومكافحة الإرهاب، وإعادة تشكيل المنطقة، ثم جاء يوم انتهى فيه شكل من أشكال وجودها العسكري المباشر، وبقي السؤال عن الثمن الذي دفعته الشعوب، وعن الخراب والاضطراب اللذين تركتهما تلك الحروب خلفها.
أما في فلسطين، فالسؤال مختلف: متى تنسحب أمريكا وهي لا تحتل غزة بدباباتها، ولا ترفع علمها فوق مدنها؟
الجواب يبدأ من فهم شكل الحضور الأميركي نفسه. فواشنطن ليست جيشًا مقيمًا في غزة، لكنها الشريك العسكري والسياسي الأهم لإسرائيل.
والعلاقة الأمنية بين البلدين مؤسسية وعميقة؛ إذ تنص مذكرة التفاهم الأميركية الإسرائيلية للفترة 2019–2028 على 38 مليار دولار من المساعدات العسكرية، منها 33 مليارًا للتمويل العسكري و5 مليارات لبرامج الدفاع الصاروخي، رهنًا باعتمادات الكونغرس.
ومن هنا يصبح معنى «الانسحاب» أوسع من خروج جندي أو إخلاء قاعدة. إنه سؤال عن اللحظة التي تقرر فيها الولايات المتحدة أن نفوذها ليس شيكًا مفتوحًا، وأن السلاح والمال والغطاء السياسي يجب أن تكون لها حدود حين يتعلق الأمر بحياة المدنيين وبالقانون الدولي الإنساني.
لقد قاربت حرب غزة إتمام عامها الثالث، والعالم لم يعد أمام مشاهد عابرة يمكن دفنها في نشرات الأخبار. نحن أمام مجتمع كامل عاش القصف والنزوح وفقدان البيوت والأهل ومقومات الحياة.
ووفق التقرير الإحصائي لوزارة الصحة في غزة الصادر في 29 سبتمبر/أيلول 2026، بلغ عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، 74,023 فلسطينيًا، في حين بلغ عدد المصابين 175,111 مصابًا.
هذه ليست أرقامًا في سجل سياسي؛ إنها عشرات آلاف الحيوات التي توقفت، وعائلات انكسرت، وأطفال كبروا في الخيام أو لم يكبروا أصلًا.
وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن المأساة الإنسانية لم تنتهِ حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025. ففي سبتمبر 2026 ظل سقوط القتلى والجرحى مستمرًا، وبقيت الاحتياجات الإنسانية هائلة، فيما أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن 94% من سكان غزة بحاجة عاجلة إلى المأوى والمستلزمات المنزلية الأساسية، وأن 65% من الأسر ما زالت تعيش في خيام ومآوٍ مؤقتة تكاد لا تحميها من الحر والبرد والمطر.
أمام هذا المشهد، يصبح السؤال الموجّه إلى واشنطن مشروعًا:
إلى متى يستمر هذا الحجم من الدعم العسكري والسياسي من دون أن يتحول النفوذ الأميركي إلى أداة فعلية لحماية المدنيين، والضغط لمنع الانتهاكات، وضمان وصول الغذاء والدواء والماء والمأوى؟
تقول الإدارات الأميركية المتعاقبة إن دعم إسرائيل مرتبط بأمنها وبالتزامات استراتيجية طويلة الأمد، وهذه هي الرواية الرسمية الأميركية. لكن منتقدي السياسة الأميركية يسألون: ما قيمة الحديث عن القانون الدولي وحقوق الإنسان إن لم تظهر لهما كلفة سياسية حين يُقتل المدنيون بهذا الحجم؟ وما معنى امتلاك واشنطن نفوذًا استثنائيًا إذا لم يُستخدم لمنع مزيد من الضحايا؟
المسألة، إذن، ليست عداءً للشعب الأميركي، ولا دعوة إلى استبدال ظلم بظلم؛ بل سؤال أخلاقي وسياسي عن مسؤولية القوة. فالدولة التي تمتلك قدرة هائلة على التسليح والتمويل والتأثير الدبلوماسي تمتلك، بالقدر نفسه، قدرة على وضع شروط، وتعليق قرارات، والضغط من أجل حماية المدنيين. وهنا تحديدًا تبدأ المسؤولية التي لا يمكن إخفاؤها خلف بيانات القلق والأسف.
لقد خرجت أمريكا من العراق عندما انتهى شكل معين من وجودها العسكري، وخرجت من أفغانستان عندما قررت أن حرب العشرين عامًا لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.
أما في فلسطين، فالانسحاب الحقيقي لن يكون بطائرة تقل آخر جندي؛ لأنه لا توجد أصلًا قوة احتلال أميركية مباشرة هناك.
سيكون الانسحاب حين تتراجع واشنطن عن الدعم غير المشروط، وحين يصبح احترام حياة الفلسطيني وحقوقه معيارًا فعليًا في القرار الأميركي، لا فقرة ثانوية تأتي بعد الحديث عن أمن إسرائيل.
حينها فقط يصبح السؤال: متى تنسحب أمريكا من فلسطين؟
وجوابه:
*عندما تنسحب من حماية الإفلات من المحاسبة، وتستخدم ثقلها لمنع قتل المدنيين بدل الاكتفاء بإدارة نتائجه الإنسانية، وتنظر إلى الفلسطيني لا باعتباره رقمًا في نهاية بيان، بل إنسانًا له الحق نفسه في الحياة والأمن والحرية والكرامة*.

























































