اخبار لبنان
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٨ تموز ٢٠٢٦
شكل انفجار مرفأ بيروت اختباراً للمباني الحديثة وقد أعيد ترميم واجهاتها بصورة كاملة بينما لم تتضرر من جهة الهيكل الذي بقي صامداً في مواجهة العصف الهائل
عبر التاريخ كثرت الزلازل التي ضربت مدناً وخلفت دماراً هائلاً فيها، لكن في مراحل سابقة، لم تكن الحلول واضحة حول سبل التصدي لهذا النوع من الدمار، ولم يكن الوعي كافياً ليسمح بمواجهة تداعياتها، لكن بلغت الدول الأكثر عرضة للزلازل مرحلة أصبحت قادرة فيها على مواجهة هذا النوع من الكوارث الطبيعية، وتعتبر الهندسة الزلزالية من الحلول الفاعلة المعتمدة للتغلب على الدمار الذي تخلفه ولحماية الأرواح. ففي الأعوام الأخيرة تزايد الاهتمام بالهندسة المعتمدة في المدن التي تعتبر عرضة للزلازل وبالمباني القادرة على الصمود بمواجهة هذا الخطر. لذلك، في الدول التي تعتمد على هذا الحل العمراني وتواجه زلازل كبرى تستمر الحركة بشكل طبيعي ولا تسجل أي ضحايا أو أضرار جسيمة، لكن السؤال الذي يطرح هنا هو مدى جهوزية المباني في لبنان والدول العربية للتصدي لهذا النوع من الأخطار.
تعتبر اليابان من أكثر الدول العالم عرضة للنشاط الزلزالي كونها تقع على ملتقى أربع صفائح تكتونية رئيسة ضمن منطقة 'حلقة النار'. في مواجهة هذا الخطر، اعتمدت هندسة معمارية تتميز بقدرة هائلة على مقاومة الزلازل، إذ تتميز المباني في البلاد بكونها تدمج فن العمارة التقليدية مع التقنيات التكنولوجية الحديثة، وتستخدم فيها تصاميم مرنة مع أنظمة تسمح للمباني بالتمايل لدى حصول هزات أرضية بدلاً من مقاومتها. بفضل هذه الهندسة وتقنيات العزل الزلزالي، باتت المباني قادرة على امتصاص الصدمات والهزات الأرضية بأمان. وفيما تحتل اليابان المرتبة الأولى من جهة النشاط الزلزالي وتسجل فيها زلازل قوية ومنها ما بلغت قوته تسع درجات عام 2011، تعتبر إندونيسيا واحدة من أكثر البلدان عالمياً عرضة للزلازل، وفي 2018 وحده، تعرضت إلى تسعة زلازل.
تعتبر الصين أيضاً من الدول التي تواجه خطر الزلازل بنسبة عالية، وتعرضت مراراً لزلازل مدمرة ذهب ضحيتها الآلاف، ومنها زلزال عام 2008 بقوة 7.9 درجة، كذلك، الفيليبين الواقعة على طول حزام النار في المحيط الهادئ، من الدول الأكثر عرضة للزلازل. كما تعتبر تركيا من الدول الأكثر عرضة للزلازل في العالم وما يدل على ذلك الزلازل العنيفة المتكررة التي تعرضت لها، ومنها زلزال عام 2023 الذي بلغت قوته 7.8 درجة الذي أدى إلى مقتل عشرات الآلاف وتسبب بدمار هائل، حتى إنه اعتبر الأكبر في البلاد منذ عام 1999. كما سجل وقوع أكثر من 33 ألف زلزال عام 2020، منها 322 تزيد قوتها على 4 درجات، كون البلاد تقع في واحدة من أكثر مناطق الزلازل نشاطاً في العالم. على رغم ذلك تسبب الزلزال المدمر بمقتل أكثر من 50 ألف شخص، وبدمار هائل وموجة نزوح كبيرة لأن هندسة المباني في كهرمان مرعش (جنوب تركيا) التي حصل فيها الزلزال لم تكن تتوافق مع المتطلبات المطلوبة في منطقة عرضة لخطر الزلازل العنيفة، لذلك دمرت آلاف المباني وتحولت أحياء كاملة إلى ركام، وقيل إن ذلك نتج من تهاون المقاولين في تطبيق معايير السلامة المطلوبة في مواجهة الزلازل.
في لبنان، يساور القلق كثيرين من المواطنين أمام هذه الأخطار التي تعتبر العاصمة عرضة لها أيضاً، خصوصاً أن بيروت شهدت على زلازل مدمرة عدة في تاريخها، ولا تزال هذه التحذيرات ترافقها حتى في العصر الحديث. يتساءل كثر ما إذا كان في البلاد التزام معايير السلامة العامة في هندسة المباني، وما إذا كانت شيدت لتكون مقاومة للزلازل. بحسب المهندس المدني وليد ضاهر 'فرض مرسوم السلامة العامة رقم 14293 الصادر عام 2005، معايير حول سلامة المباني ومواصفاتها في مقاومة الزلازل، وهي تتعلق بشكل أساس بهيكل الإنشاءات. وبعد ذلك عام 2012 أتى مرسوم السلامة العامة رقم 7964 بتعديلات، مع التشديد على إلزامية التدقيق الفني الهندسي لضمان متانة المباني بناءً على تقرير حول دراسة تجرى عليها. كما حدد المرسوم مواصفات المدقق الفني وغيرها من الشروط'.
لكن حتى بوجود مثل هذه القوانين، ثمة مخاوف كثيرة في لبنان لدى المواطنين حول ما إذا كان هناك التزام بها في مجال سلامة المباني لاعتبار أن التهاون وارد في مجالات عدة أخرى بغياب الرقابة والمحاسبة، وفي هذا الشأن يؤكد ضاهر أن 'ثمة التزاماً لا شك حوله، فعلى المهندس الالتزام حفاظاً على صدقيته وصورته، وهو يلتزم الدراسة وكل التفاصيل، وتأتي من بعدها الرقابة التي يمارسها المدقق الفني. علماً أن التدقيق الفني فرض أولاً في وسط بيروت عندما شيدت مباني شركة سوليدير وفق المعايير الأوروبية حتى قبل وضع المرسوم، وذلك مع رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، الذي فرض التدقيق الفني للمباني. ومعظم مكاتب التدقيق الفني في لبنان فرنسية'.
وتابع المهندس المدني أن 'ما من مشكلة رقابة يمكن التحدث عنها أو تهاون في تشييد المباني الحديثة، فكلها تشيد وفق المعايير المطلوبة بصورة عامة، وتبنى على أساس معدل مقاومة يراوح ما بين 6 و6.5 على مقياس ريختر وهو مستوى مقبول. كما يرفع هذا المستوى قسم من المهندسين إلى 7، حتى إنه بعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس (آب) 2020، زاد الوعي حول أهمية هذه المعايير واعتبرت أساسية. لذلك على رغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمباني الحديثة بعد انفجار مرفأ بيروت، وقد أعيد ترميم واجهاتها بشكل كامل، لم تتضرر من ناحية الهيكل الذي بقي صامداً في مواجهة العصف الهائل. ويمكن التأكيد أن التزام هذه المعايير والمرسوم الحكومي كفيل بتوفير الأمان وراحة البال في مواجهة هذا النوع من الأخطار، حتى إن التزام هذه المواصفات بات يعزز من قيمة المباني لدى بيعها عندما تكون مقاومة للزلازل. لذلك، بصورة عامة تعتبر الرقابة موجودة والتهاون يمكن أن يحصل في حالات نادرة، فالتشييد يجري وفق سلسلة طويلة تبدأ من الدراسة، ورخصة الإشغال، والتدقيق وصولاً إلى مرحلة تشييد المباني المطابقة لمعايير السلامة، ومن ثم في مجال البناء هناك ميل إلى التزام المعايير في تشييد مبانٍ مقاومة للزلازل ومطابقة لمعايير السلامة'.
في انفجار مرفأ بيروت، أو في الهزات الأرضية التي شهدها لبنان في العقود الأخيرة أو في أحداث أخرى، تصدعت مبانٍ ومنها ما سقط، مما أدى إلى طرح تساؤلات هنا أيضاً حول الأسباب التي أدت إلى حدوث ذلك، في ظل وجود معايير معينة من المفترض تطبيقها والتزامها في هندسة المباني.
لكن بحسب ضاهر، معظم المباني التي سقطت بسبب الهزات أو في ظروف أخرى هي من تلك القديمة التي شيدت قبل صدور المرسوم. فكانت البنايات تبنى في مراحل سابقة من دون التركيز على الأسس الحالية التي تركز على كونها مقاومة للزلازل، حتى إن طريقة البناء كانت مختلفة تماماً وتعتمد فيها هندسة تجعلها أكثر هشاشة في مواجهة الهزات الأرضية. يضاف إلى ذلك أن صيانة هذه المباني غائبة تماماً والسبب يعود إلى بدل الإيجارات المتدني، فيما يفرض القانون على مالك المبنى تحمل كلف الصيانة التي قد تصل إلى آلاف الدولارات، وهذا ما لم يعد الأخير قادراً على تحمله بسبب انخفاض سعر العملة والتضخم.
على سبيل المثال، في طرابلس التي تشهد انهيار مبانٍ من وقت إلى آخر، فإن المباني قديمة شيدت من دون التزام أي معايير منذ عقود، وبالحجر الرملي، كما تمر قربها المياه الجوفية التي تؤثر في الأساسات، أو المياه السطحية التي تؤثر أيضاً في الجدران وتسبب تلفاً في الهيكل مع مرور الوقت وصولاً إلى إمكان انهيارها لدى التعرض لهزة أو ارتجاجات معينة. ويعتبر الخطر الأكبر لا في طريقة تشييد المباني، بل في غياب الصيانة وفي الإهمال التام لها الذي يؤدي إلى تلف في الأساسات والهيكل حتى، وهذا ما يؤدي إلى وقوع كوارث وسقوط ضحايا مع انهيار مبانٍ.
يعتبر الوضع في لبنان في هذا المجال مختلفاً عما هو عليه في الدول العربية، فلبنان موجود ضمن منطقة زلزالية وهو عرضة للزلازل بشكل طبيعي بسبب موقعه في الخريطة الزلزالية، أما في الدول العربية فيختلف وضعها بحسب موقعها في هذه الخريطة. وبحسب المهندس ضاهر 'قد يختلف الوضع حتى بين مناطق في دول واحدة، فمنها مناطق زلزالية فيما أخرى لا. وعلى هذا الأساس، على رغم التزام معايير معينة، قد لا يكون التقيد بتشييد مبانٍ مقاومة للزلازل جوهرياً فيها كلها، بل بحسب النشاط الزلزالي في موقعها. أما في لبنان فالنشاط الزلزالي أهم بكثير، لكن، تبقى الرقابة في الدول العربية أساسية ولا تهاون فيها، وتستند إلى النظام الأميركي. علماً أن الوحدة الفنية في البلدية في إمارة دبي مثلاً تدقق فنياً في التخطيط الذي يقدمه المهندس في المشاريع التي تقام من النواحي كافة'.
'لكن في الوقت نفسه لا يمكن مقارنة دول المنطقة'، على حد قوله، 'مع اليابان التي اعتادت على مواجهة زلازل كبرى مدمرة. لذلك، جرى العمل على تطوير أنظمة في البناء مقاومة للزلازل بحيث يتأرجح المبنى لدى حدوث هزة أرضية، تماماً كمبدأ كامد الصدمات في السيارة. لذلك، اعتمدت هذه الأنظمة في البنى التحتية والجسور والمباني في مواجهة الخطر الذي يرافق البلاد. هذا، إضافة إلى أن البلاد تتشدد إلى حد كبير في الرقابة. وفي لبنان، يجري تشييد المباني المقاومة للزلازل وفق الأسس التقليدية، بما أنه ما من دواعٍ فعلية حتى اللحظة لتحمل هذه الأعباء الاقتصادية ما دام البلاد لا تواجه هذا الخطر بالمستوى نفسه'.











































































