اخبار لبنان
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ٨ أيلول ٢٠٢٦
الفرق بين أن يكون لبنان محطةً وأن يبقى رصيفاً مهجوراً لن تصنعه البلاغة عن موقعه التاريخي. ستصنعه دولة تستطيع حماية أرض السكة، وإدارة مرفئها، والتفاوض على مصالحها، ثم تنفيذ ما تعد به. فالقطار الإقليمي، إن انطلق، لن ينتظر طويلاً من يكتفي بمراقبته.
في منتصف أيار/ مايو 2026، لم يصل القطار إلى مرفأ طرابلس، ما وصل كان مجموعة أوراق وقّعها وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، معلناً إطلاق مناقصة لتحديث دراسة وتصميم خط سكك الحديد بين طرابلس والعبودية، عند الحدود السورية.
قد تبدو الخطوة متواضعة أمام سكة لبنانية يعلوها الصدأ منذ عقود. وهي بالفعل ليست أكثر من بداية إدارية: دراسة، دفتر شروط، تقدير للكلفة والجدوى، ثم بحث عن التمويل. لكن توقيتها يضعها في سياق أكبر بكثير من إعادة قطار لبناني متوقّف إلى الخدمة.
في المنطقة، تُرسم خريطة جديدة للنقل. السعودية وتركيا تبحثان إنشاء خط حديدي يعبر الأردن وسوريا، ويصل الخليج بالشبكة التركية ومنها بأوروبا. ووفق ما أعلنه وزير النقل التركي، تهدف الدولتان إلى إنجاز الربط خلال ثلاث أو أربع سنوات، فيما لا يزال هناك مقطع يقارب الـ400 كيلومتر بين سوريا والأردن، يحتاج إلى الاستكمال. ويُفترض أن ينقل الخط البضائع والركاب، وربما النفط والغاز، مع إمكان انضمام دول خليجية أخرى إليه لاحقاً.
لبنان ليس على المسار الرئيسي. وهذه ليست مؤامرة جغرافية، بل حقيقة اقتصادية: يمكن إنجاز المشروع من دونه. وربما يكون ذلك أكثر ما يجب أن يقلق بيروت. فالممرات التجارية لا تعاقب الدول المترددة، لكنها ببساطة تتجاوزها. وحين تُعتمد الخرائط والمواصفات، وتُبرم اتفاقات العبور والتمويل والتشغيل، يصبح الدخول المتأخر أكثر صعوبة وكلفة.
فرع إلى لبنان لا خطّ يمرّ فيه
أمام لبنان مساران محتملان للاتصال بالشبكة. الأول ينطلق من مرفأ طرابلس نحو العبودية، ومنها إلى حمص، ثم يتصل شمالاً بحلب وتركيا، وجنوباً بدمشق والأردن والسعودية. وهذا هو المسار الأكثر تقدماً، بعدما أُطلقت المناقصة الخاصة بتحديث دراسته، إثر بروتوكول تعاون بين مرفأ طرابلس ومصلحة سكك الحديد والنقل المشترك. لكن ما أُعلن، بحسب تفاصيل المشروع التي نشرتها وكالة الأناضول، لا يزال دراسةً تمهّد للبحث عن مستثمرين، وليس ورشة إنشاء بدأت فعلاً.
أما المسار الثاني، فيربط مرفأ بيروت بالبقاع والحدود السورية، تمهيداً لإعادة وصل بيروت بدمشق. وقد وافقت الحكومة على تخصيص 800 ألف دولار لإعداد دراسة لخط يعبر الجبل بواسطة نفق وصولاً إلى البقاع، على أن يتولى مجلس الإنماء والإعمار العمل عليه بالتنسيق مع مصلحة سكك الحديد.
هكذا، لا يدخل لبنان في المشروع بوصفه ممراً إلزامياً، بل عبر فرعين عليه أن يثبت جدواهما. الفارق جوهري: لا يكفي أن يرغب لبنان في الانضمام، بل عليه إقناع حركة التجارة بأن المرور عبر مرافئه أسرع وأقل كلفة وأكثر أماناً من البدائل.
حين تصبح طرابلس أكثر من مدينة منسيّة
الفرصة الأكبر قد تكون في طرابلس، المدينة التي اعتادت أن تسمع عن المشاريع أكثر مما رأت نتائجها. فربط مرفئها بالشبكة السورية يمكن أن يعيد إدخاله في حركة الترانزيت نحو الداخل العربي. وكان البنك الدولي قد أشار إلى أن مرفأ طرابلس شكّل، قبل الحرب السورية، بوابةً نحو سوريا، وأن مرفأي بيروت وطرابلس أدّيا دوراً إقليمياً في حركة العبور إلى سوريا والعراق. لكن الأثر الحقيقي لا يُقاس بعدد القطارات التي تعبر الحدود، بل بما تتركه خلفها.
بإمكان السكة أن تستدعي مستودعات ومراكز توضيب وتبريد وشركات شحن وصيانة، وأن تمنح المزارعين والصناعيين في عكار والبقاع وسيلة أقل كلفة لنقل البضائع الثقيلة والوصول إلى أسواق الخليج. كما قد تدفع إلى تطوير المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس وربطها بالمرفأ ومطار رينيه معوّض، بدل بقاء هذه المشاريع جزراً منفصلة تتكرر أسماؤها في الخطط الحكومية. وعندها فقط يصبح القطار مشروع إنماء، لا مجرد سكة حديد تمرّ بجانب بلدات فقيرة وهي تحمل ثروات الآخرين.
مع ذلك، ينبغي الحذر من تحويل المشروع إلى وعد خلاص جديد، فسكك الحديد لن تجعل لبنان مركزاً إقليمياً بمجرد مدّ القضبان، ولن تستبدل حكماً الممرات البحرية الأقل ثمناً في نقل أنواع كثيرة من البضائع. ثمة كلفة ضخمة، واختلاف في المواصفات بين الشبكات الوطنية، وحاجة إلى تنسيق جمركي وأمني وتشغيلي معقّد. كما أن المسار السوري نفسه يبقى عرضةً للمخاطر والتحديات الأمنية والسياسية. فالسكة إذاً، فرصة وليست معجزة.
العلاقة مع سوريا: اتصال أم ارتهان جديد؟
لا يستطيع لبنان الانضمام إلى الممر من دون سوريا. الجغرافيا هنا أكثر صلابة من الخطابات السياسية. لكن إعادة فتح خطوط طرابلس– حمص وبيروت– دمشق لا ينبغي أن تعني استعادة علاقة الهيمنة القديمة تحت عنوان التعاون الاقتصادي.











































































