اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢٨ نيسان ٢٠٢٦
سمّوها ما شئتم، مباشرة أو غير مباشرة، علنية أو خلف الكواليس، لكنها في نهاية المطاف مسارٌ واحد لا بديل عنه التفاوض، ليس ترفاً سياسياً، ولا خياراً قابلاً للأخذ والرد، بل ضرورة حتمية لإنقاذ ما تبقّى من لبنان. وكل تردّد أمام هذه الحقيقة، مهما بدا مبرَّراً بشعارات السيادة أو رفض الإملاءات، يقترب أكثر من كونه إنكاراً لواقع لم يعد يحتمل التأجيل.
المشكلة عند المترددين لم تعد في مبدأ التفاوض، بل في وهم القدرة على تجنّبه ، فلبنان اليوم لا يملك ترف الانتظار، ولا قدرة الصمود خارج شبكة التفاهمات الدولية والإقليمية، فالانهيار المالي، التفكك المؤسسي، وتآكل الثقة الداخلية والخارجية، كلها عناصر تجعل أي محاولة للهروب إلى خطاب الرفض مجرّد تأجيل للانفجار، لا منعه.فالتفاوض لا يعني الاستسلام، كما أن الرفض لا يعني القوة. بين الولايات المتحدة وإيران، وبين حسابات إسرائيل ومصالح القوى الإقليمية، يتحدد هامش الحركة اللبناني، شئنا أم أبينا. تجاهل هذا الواقع لا يلغيه، بل يجعل كلفته أعلى، فالدول لا تُدار بالشعارات، بل بميزان القوى، ولبنان اليوم في موقع يفرض عليه أن يفاوض ليحمي ما تبقّى، لا ليحقق ما يتمناه.أما من يخشون “التنازلات”، فعليهم أن يطرحوا السؤال بصراحة: ما البديل؟ هل الاستمرار في الانهيار أقل كلفة؟ هل ترك مؤسسات الدولة تتفكك بالكامل يحفظ السيادة؟ في السياسة، التنازل ليس ضعفاً بحد ذاته، بل يصبح كذلك فقط عندما يكون بلا مقابل. أما التفاوض الذكي، فهو القدرة على تقليل الخسائر وانتزاع ما يمكن إنقاذه ضمن واقع صعب.لبنان لم يعد في مرحلة الخيارات المفتوحة، بل في لحظة الخيارات القسرية. وكل تأخير في الاعتراف بذلك يعني دفع أثمان إضافية من الاقتصاد، ومن الاستقرار، ومن مستقبل اللبنانيين أنفسهم. لقد سقطت فكرة “الانتظار حتى تتضح الصورة”، لأن الصورة باتت واضحة من لا يفاوض اليوم، سيجد نفسه غداً أمام شروطٍ أقسى، أو أمام انهيارٍ لا يمكن التفاوض معه.وفي هذا السياق، يبقى الرهان الداخلي الأساس على قدرة الدولة، ممثَّلة برأسها، على إدارة هذا المسار بحكمة. هنا، لا بد من التوقف عند موقع الرئيس جوزاف عون، حيث تلتقي مسؤولية القرار مع ثقة اللبنانيين. فالمطلوب اليوم ليس اصطفافاً أعمى، بل ثقة واعية بأن إنقاذ لبنان لا يمكن أن يتم إلا عبر مؤسسات الدولة، وبقيادة قادرة على موازنة التعقيدات الداخلية مع الضغوط الخارجية، دون التفريط بثوابت الوطن أو التفريط بفرص نجاته.
سمّوها ما شئتم… لكن لا يمكن إنكارها. المفاوضات حتمية، لا لأنها الطريق المثالي، بل لأنها الطريق الوحيد المتاح. وبين رفضها والدخول فيها، الفارق ليس في الكرامة كما يُصوَّر، بل في القدرة على إنقاذ ما تبقّى قبل أن يصبح لبنان نفسه موضوع تفاوض بين الآخرين، لا طرفاً فيه. وفي لحظة كهذه، تصبح الثقة بالدولة وبمن يقودها جزءاً من معركة الإنقاذ نفسها، لا تفصيلاً هامشياً فيها.











































































