اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
بعد أن انتهينا من مراسم تشييع الشهداء ومواراتهم الثرى، وبعد أن ودّعنا الأحبة بقلوب يعتصرها الألم، وأعينٍ أثقلتها الدموع، أقف اليوم لأكتب، لا لأن الكلمات قادرة على مداواة الجراح، ولا لأن المقالات تستطيع أن تعيد من فقدناهم، بل لأن الصمت أمام ما جرى لا يكفي، ولأن الأوطان في لحظات المحن تحتاج إلى مواقف تليق بوجعها، وإلى كلمات تخرج من أعماق القلب لتؤكد ما لا ينبغي أن يكون موضع شك أو مساومة.
إن الاعتداء الذي طال مراسم الجنازة في كنيسة حمود في الكرك ليس مجرد حادثة مؤلمة نطوي صفحتها مع انقضاء مراسم العزاء، بل هو جرس إنذار يدعونا جميعًا إلى التوقف والتأمل والمراجعة. فحين تمتد يد الاعتداء إلى جنازة، وحين يُمسّ مقام الحزن والوداع، فإننا لا نكون أمام فعل يستهدف أشخاصًا فحسب، بل أمام خطر يمسّ قيم الرحمة والإنسانية، ويهدد المعاني التي تربّى عليها الأردنيون جيلاً بعد جيل.
ومع ذلك، فإنني أقولها اليوم، كما قلتها في مقال سابق عن الانتماء للأردن، وعن حقيقة العلاقة بين الإنسان ووطنه: إن انتماءنا لهذا الوطن لا يتبدل بالمحن، ولا يتراجع أمام الإرهاب، ولا يُقاس بحجم ما يمنحنا الوطن، بل بقدر ما نحمله له من وفاء، وما نستعد لبذله في سبيل أمنه وكرامته واستقراره.
لن ينال الفكر المتطرف من وحدة الأردنيين، ولن يستطيع أن يمزق نسيجًا وطنيًا نسجته عقود من المحبة والشراكة والتضحيات. فهذا الوطن لم يُبنَ على لون واحد، ولا على مذهب واحد، ولا على فئة دون أخرى؛ بل بناه الأردنيون معًا يدًا بيد، وتقاسموا في سبيله الخبز والتعب والعرق والتضحيات. وقفوا في ساحات البناء، وفي ميادين الواجب، وفي خنادق الدفاع عن الوطن.
لكن الوفاء للشهداء، والحرص على الأردن، يفرضان علينا ألّا نكتفي بالإدانة، وألّا نكتفي بالتعاطف، وألّا نغلق هذا الملف بمجرد انحسار الغضب. إن هذه الحادثة يجب أن تكون وقفة وطنية محورية، نراجع فيها أنفسنا، ونفحص فيها ما نزرعه في العقول والقلوب، ونسأل فيها بجرأة ومسؤولية: كيف نمنع الفكر المتطرف من التسلل إلى مجتمعنا؟ وكيف نواجه خطاب الكراهية قبل أن يتحول إلى سلوك؟ وكيف نحمي أبناءنا من الأفكار التي تجعل من الاختلاف عداوة، ومن التعصب فضيلة، ومن الاعتداء على الآخر فعلًا يمكن تبريره؟
آن الأوان أن نعيد النظر في بعض المفاهيم والخطابات والمناهج التربوبية و التعليمية وأساليب التوجيه، وأن نراجع كل عبارة تُقال باسم الدين أو الفكر أو الهوية إذا كانت تحمل في مضمونها تحريضًا على الكراهية أو انتقاصًا من الآخر. فالكلمة ليست أمرًا عابرًا؛ قد تكون جسرًا للمحبة، وقد تتحول إلى بذرة للعداء. والمنبر ليس مجرد مكان لإلقاء الكلام، بل أمانة أخلاقية ومسؤولية مجتمعية. والمعلم ليس ناقلًا للمعلومات فحسب، بل شريك في بناء الوعي. وصاحب الفكر ليس معفيًا من مسؤولية أثر أفكاره في الناس.
ولنكن واضحين: إن مواجهة التطرف لا تعني اتهام مجتمع بأكمله، ولا تحميل جماعة دينية أو فكرية مسؤولية أفعال أفراد، ولا فتح أبواب الثأر والكراهية المضادة. بل تعني تحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته وفق القانون، وتجفيف منابع التحريض، وحماية المجتمع من كل فكر أو سلوك يهدد أمن الناس وحقوقهم. فلا يجوز أن نواجه الكراهية بكراهية أخرى، ولا أن نسمح للجريمة بأن تدفعنا إلى التخلي عن حمايتها
أما شهداؤنا، فإن الوفاء لهم لا يكون بالحزن وحده، مهما كان الحزن عميقًا، بل بأن نحول وجعنا إلى مسؤولية، ودموعنا إلى وعي، وألمنا إلى إرادة حقيقية للإصلاح. الوفاء لهم أن نمنع تكرار المأساة، وأن نحمي أبناءنا من الفكر الذي يبرر الاعتداء، وأن نصون وطنًا دفع الأردنيون أثمانًا باهظة كي يبقى آمنًا، موحدًا، كريمًا.
في ختام مقالي، أدعو الله أن يبقى الأردن، كما أراده جلالة الملك وكما وصفه، حامل الحمى؛ شامخًا بعزّة أبنائه، راسخًا بوحدة شعبه، محصّنًا بوعي أبنائه والتفافهم حول وطنهم وقيادتهم. سيبقى الأردن عزيزًا كريمًا، منيعًا عصيًّا على أيدي الغدر والتطرف والخيانة، وستظل أرضه عصيّة على كل من يحاول النيل من أمنه أو العبث بنسيجه الوطني. فالأردن ليس وطنًا نحمله في قلوبنا فحسب، بل عهدٌ نحمله في أعناقنا، ومسؤوليةٌ نصونها، ورايةٌ لن نسمح لها أن تنحني ما حيينا. سيبقى الأردن وطن الكرامة، وقلعة الأمان، وحامل الحمى؛ ما بقي فيه قلبٌ ينبض بحبّه، ويدٌ تحميه، وإرادةٌ لا تنكسر.

























































