اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٥ أب ٢٠٢٦
عندما أُعلن عن التفاهمات التي توصلت إليها الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، مع مجلس السلام برئاسة نيكولاي ميلادينوف، بدا المشهد للوهلة الأولى وكأن اختراقًا سياسيًا مهمًا قد تحقق، خاصة مع الحديث عن تقدم في ملفات كانت تُعد من أكثر الملفات تعقيدًا، وفي مقدمتها ملف السلاح وملف إدارة القطاع والموظفين.
فمجرد انتقال النقاش من مرحلة الرفض المطلق إلى البحث في آليات تنظيم وحصر السلاح، ومن حالة الغموض بشأن مستقبل الإدارة المدنية إلى البحث عن ترتيبات انتقالية للموظفين، كان مؤشرًا على تغير في طبيعة الحوار السياسي.
لكن السؤال الأساسي الذي طرح نفسه منذ البداية كان: هل تكفي موافقة الفصائل والوسيط الدولي لفتح الطريق أمام تنفيذ المرحلة الثانية؟ أم أن العقبة الحقيقية ستكون في موقف الحكومة الإسرائيلية؟
في تقديري، كانت الإجابة واضحة منذ البداية: التفاهمات مع الجانب الفلسطيني تمثل شرطًا ضروريًا، لكنها لا تمثل شرطًا كافيًا، لأن الطرف القادر على تعطيل التنفيذ أو إعادة صياغة قواعده هو الحكومة الإسرائيلية.
الاختبار الحقيقي كان في 'تل أبيب' وليس غزة
لم تكن المشكلة الأساسية في الوصول إلى تفاهمات فلسطينية–دولية، بل في مدى قدرة هذه التفاهمات على عبور الاختبار الإسرائيلي الداخلي.
فحكومة بنيامين نتنياهو لم تكن تتحرك في فراغ سياسي، بل داخل بيئة شديدة التعقيد، تتداخل فيها اعتبارات الحرب، والائتلاف الحكومي، والمنافسة داخل معسكر اليمين، والانتخابات المقبلة.
ومنذ بداية الحديث عن المرحلة الثانية، كان واضحًا أن نتنياهو يواجه معضلة سياسية حقيقية؛ إذ إن أي مرونة في ملف غزة يمكن أن تُفسر داخل قاعدته السياسية باعتبارها تراجعًا عن أهداف الحرب، أو قبولًا بنتائج لا تنسجم مع الخطاب الذي بُنيت عليه شرعية حكومته طوال الفترة الماضية.
في مثل هذه البيئة، يصبح تقديم تنازلات سياسية مكلفًا، حتى لو كانت جزءًا من تفاهمات تدعمها أطراف دولية.
من رفض الاتفاق إلى إعادة تشكيله
كان السيناريو الأكثر ترجيحًا ألا ترفض الحكومة الإسرائيلية المسار بشكل صريح، لأن ذلك قد يضعها في مواجهة مباشرة مع الإدارة الأمريكية والوسطاء الدوليين، وإنما أن تعمل على إعادة تعريفه.
وهذا ما يبدو أنه حدث؛ إذ انتقل النقاش من سؤال: 'هل يوجد اتفاق؟' إلى سؤال أكثر تعقيدًا: 'ما شروط تنفيذ هذا الاتفاق؟'
وهنا تظهر أهمية الخلاف حول ترتيب الالتزامات.
فالفصائل الفلسطينية والوسطاء ينطلقون من تصور يقوم على تنفيذ متبادل ومتزامن: خطوات فلسطينية مقابل خطوات إسرائيلية، بحيث يكون الانسحاب ووقف العمليات جزءًا من مسار متكامل.
أما الحكومة الإسرائيلية، فتبدو أكثر ميلًا إلى ربط أي انسحاب أو تخفيف للإجراءات الأمنية بتحقيق تقدم مسبق في الملفات التي تعتبرها أمنية، وفي مقدمتها ملف السلاح.
وهذا التحول في النقاش ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل يمثل جوهر الصراع حول المرحلة الثانية؛ فمن يحدد ترتيب التنفيذ يحدد عمليًا طبيعة الاتفاق ونتائجه.لماذا كان ملف السلاح الأكثر حساسية؟
الاختراق الذي تحقق في ملف السلاح كان مهمًا لأنه عالج واحدة من أكبر العقد السياسية، لكنه في الوقت نفسه كشف حجم الفجوة بين رؤيتين مختلفتين.
فالفصائل، وفق ما ظهر من التفاهمات، كانت أقرب إلى قبول ترتيبات تقوم على الحصر والتنظيم والتخزين ضمن آلية فلسطينية انتقالية، وبضمانات دولية، وربط ذلك بانسحاب إسرائيلي وإنهاء الحرب.
أما الحكومة الإسرائيلية، فتنظر إلى الملف من زاوية مختلفة، حيث ترى أن جوهر المشكلة ليس فقط مكان وجود السلاح أو آلية التعامل معه، بل مستقبل القدرة العسكرية والتنظيمية للفصائل نفسها.
لذلك، فإن الخلاف لم يكن حول التفاصيل فقط، بل حول الفلسفة السياسية التي تحكم المرحلة المقبلة.
ملف الموظفين... اختبار آخر لطبيعة المرحلة
الأمر ذاته ينطبق على ملف الموظفين والإدارة المدنية.
فأي انتقال سياسي في غزة يحتاج إلى معالجة مسألة مئات الآلاف ممن يرتبطون بشكل مباشر أو غير مباشر بالجهاز الإداري، وعدم التعامل مع هذا الملف بمنطق الإقصاء الشامل الذي قد يؤدي إلى فراغ إداري وفوضى.
لكن الحكومة الإسرائيلية تنظر إلى هذا الملف أيضًا من زاوية أمنية وسياسية، وتبدي تحفظات تجاه استمرار أي عناصر تعتبرها مرتبطة بالبنية السابقة لإدارة القطاع.
وهنا يظهر أن الصراع لا يتعلق فقط بمن يدير غزة، بل بطبيعة النظام الإداري والسياسي الذي سيُبنى بعد الحرب.
المعركة الآن حول تعريف المرحلة الثانية
ما يحدث اليوم لا يمكن اختزاله في القول إن هناك اتفاقًا فشل أو اختراقًا تحقق وانتهى. القضية أكثر تعقيدًا.
لقد نجحت الفصائل الفلسطينية والوسطاء في الوصول إلى مساحة تفاهم مهمة، لكن هذه المساحة اصطدمت بحقيقة أن القرار الإسرائيلي محكوم بحسابات داخلية شديدة الحساسية.
لذلك فإن السؤال المركزي لم يعد: هل توجد تفاهمات؟ بل: أي نسخة من المرحلة الثانية ستنتصر؟
هل هي مرحلة انتقالية تقوم على التزامات متبادلة، وانسحاب تدريجي، وإدارة فلسطينية مدعومة دوليًا؟
أم أنها ستكون مرحلة أمنية بالأساس، تُربط فيها كل خطوة سياسية بتحقيق شروط إسرائيلية مسبقة؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مصير المرحلة الثانية، بل شكل غزة السياسي والإداري في مرحلة ما بعد الحرب.

























































