اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٥ أذار ٢٠٢٦
د. محمّد حلمي عبد الوهّاب
لم يكُن تأثُّر الفكر اليهوديّ بالثقافة العربيّة الإسلاميّة في بلاد الأندلس، وغيرها من الأصقاع الإسلاميّة، مقصوراً على ناحيةٍ واحدة من نواحي هذا الفكر، بل امتدّ ليشمل التأثُّر بالمذاهب الدّينيّة والفلسفيّة كافّة. ولعلّ ذلك ما دَفع ببعض البحّاثة الغربيّين - في إطار رصْدهم تأثُّر الفلسفة اليهوديّة بنظيرتها الإسلاميّة - إلى إطلاق تعبير «الفلسفة المُتأسْلمة» للدلالة على جميع ما أنتجه اليهود في المجال الفلسفيّ من مصنّفات إبّان العصر الوسيط.
لقد تشرَّب فلاسفةُ اليهود من أمثال سعديا جاؤون (882 - 942)، وشلومو بن جبيرول (1026 - 1050)، ويهودا هاليفي (1085 - 1141)، وموسى بن ميمون (1130 - 1204)، الاتّجاهات الكبرى في الفلسفة الإسلاميّة لدرجة أنّهم اعتُبروا بالفعل من بين فلاسفة الإسلام!
أمّا في الأندلس، فعلى الرّغم من أنَّ البوادر الأولى للفسلفة الصُّوفيّة ظَهرت على يد ابن مسرَّة الـجبليّ (ت. 319ه/ 931م) الذي أَذاع بين مُسلمي إسبانيا مبادئ الأفلاطونيَّة الـمُحدَثة، فقد قُدِّر لتلك البذرة الأفلاطونيّة أن تؤتي أُكُلها مع الزمن، على الرّغم من الـمُعارَضة الشديدة التي أبداها فقهاءُ الـمالكيّة، وأن تظهر آثارُها في ما بعد في تفكير المفكّر اليهوديّ ابن جُبَيْرُول المولود في مدينة مالقة سنة 412ه/ 1201م، المتوفّى في مدينة بلنسية سنة 450ه/ 1058م. وهو ما يبدو واضحاً من خلال مؤلَّفاته: مختار اللّآلئ، ونبع الـحياة، وإصلاح سجايا النَّفس، الذي وَضَعَ فيه تأسيساً تشريعيّاً للأخلاق على أساسٍ نفسانيّ وإنسانيّ.
والحال أنّ الاهتمام بموسى بن ميمون بصفة خاصّة، قد شكَّل أحد مَعالِم البحث الفلسفيّ المُعاصِر في ما يتعلّق بصلات الوصْلِ والفصْلِ في تاريخ الفلسفة الإنسانيّة؛ فقد حَظيَ بشهرةٍ واسعة قَبل وفاته، بوصفه واحداً من أهمّ مفكّري اليهود، ليس في العصور الوسطى فقط، وإنّما في العصور التاريخيّة كافّة. ونتيجةً لذلك، قام الباحثون عَبْرَ قرونٍ عديدة بشرْحِ أعماله، باعتباره واحداً من أهمّ منظّري الفكر الفلسفيّ واللّاهوتيّ اليهوديّ، ولا تزال أعماله تُدرَّس إلى اليوم في أوساط الدوائر اليهوديّة الأرثوذكسيّة بوصفه فقيهاً ودارساً للشريعة اليهوديّة. وقد رَصدتِ الباحثةُ الأميركيّة تمار رودافسكي في كتابها: «موسى بن ميمون.. المحطّات الرئيسة الكبرى في حياته وأعماله»، بخاصّة ما يتعلّق بتأثُّره الشديد بالفيلسوف العربيّ الكبير أبو نصر الفارابيّ. ونجحت في أن تقدّم صورةً مفصّلة عن الجوانب الفلسفيّة واللّاهوتيّة لفكره: لغةً ومَنطقاً وبرهاناً، أخلاقاً وسياسةً وشريعة.
علاوةً على ذلك، على الرّغم من تبوّؤ ابن ميمون منصب رئيس الطائفة اليهوديّة في مصر، واشتغاله بتفسير كثيرٍ من النصوص اليهوديّة المقدّسة، فإنّ عقليّته كانت عقليّةً عربيّة إسلاميّة خالصة في كلّ ما يتعلّق بنِتاجه الفلسفيّ والدّينيّ، سواء ذلك الذي كَتبه باللّغة العربيّة أم الذي كَتبه باللّغة العِبريّة، وتَطرَّق فيه إلى بحث قضايا الذّات والصفات الإلهيّة، وخلْق الكَون والإنسان، والنَّفس البشريّة والحريّة، والجَّبر والاختيار، والبعْث والخلود، والسعادة الإنسانيّة...إلخ. ومع ذلك يبقى التساؤلُ قائماً: إلى أيّ مدى يُمكن اعتبار كتابَيْ موسى بن ميمون: «دلالة الحائرين» و»كتاب المعرفة»، من المصنَّفات الفلسفيّة بالمعنى العلميّ المُتعارَف عليه؟ الحال أنّ الخلاف لم يتوقّف في شأن طبيعة مصنّفاته، وما إذا كانت عبارةً عن مؤلّفاتٍ دينيّة ذات صبغةٍ فلسفيّة، أم مصنَّفاتٍ فلسفيّة ذات صبغةٍ دينيّة؟ وبحسب ما يَذهب إليه كثيرٌ من البحّاثة الغربيّين، وفي مقدّمهم ليو شتراوس في تقديمه كتاب «دلالة الحائرين»، فإنَّ أعماله أقرب إلى الصبغة الدّينيّة منها إلى الفلسفة، كما كان يَفهمها ابن ميمون نفسه؛ أي الفلسفة بوصفها بَحثاً منهجيّاً في العلم الطبيعيّ، والأجرام السماويّة، والعِلم الإلهيّ.
نقْدُ بعض المصادر اليهوديّة
أمَّا رودافسكي وستيفن نادلر، فيتّفقان على وضْعِ معيارَيْن أساسيَّيْن بصدد الحُكم على نِتاج الفلاسفة اليهود في العصور الوسطى، انطلاقاً من التأكيد بأنّ التعرُّف إلى ماهيّة أيّ عملٍ فلسفيّ يهوديّ يَستلزم قَطعاً النَّظرَ في أهدافهِ في الدرجة الأولى. فبينما تَنطوي بعضُ النصوص على عددٍ من القضايا الفلسفيّة، فإنّ هدفها الرئيس ليس فلسفيّاً بقدر ما هو دينيّ؛ إذ يتركّز اهتمامُها على الإيمان والطّاعة أكثر من اهتمامها بالبحث عن الحقيقة أو الحِكمة. وبمُوازاة ذلك، فإنَّ الفيلسوفَ اليهوديّ يهتمّ عند اشتغاله بالفلسفة ببحثِ التوتُّر القائم بين الإيمان والعقل، وبمُحاوَرة بعض مكوّنات الفكر اليهوديّ على نحوٍ فلسفيّ؛ أي أنّه يعمل على إضفاء طابعٍ فلسفيّ على التقاليد اليهوديّة. ولذلك فإنَّ الاشتغال بقضيّة التوفيق بين الدّين والفلسفة، تُعَدّ من أبرز مناحي تأثُّر الفكر اليهوديّ بالفلسفة الإسلاميّة. فإلى جانب تأثُّر ابن ميمون بأفلاطون وأرسطو وأفلوطين، وقدامى الشرَّاح اليونان، نَلحظ تأثُّرَه الشديد أيضاً بفلاسفة المسلمين، وخصوصاً الفارابي وابن سينا وابن باجه الأندلسيّ.
نتيجةً لذلك، ازدرى ابن ميمون الرؤيةَ التي تُعلي من شأن العناصر الخارقة للطبيعة الواردة في بعض المصادر اليهوديّة، ككتابَيْ «سيفر هايتسيراه» و»شيعور كوماه»، كونهما مُغرقَيْن في الفكر الغيبيّ، مُكتظَّيْن بأوصافٍ حسيّة للربّ، فضلاً عن أنّ تلك الأعمال تُروِّج للإيمان بالتنجيم والسحر والشعوذة، واستخدام التعاويذ والرّقى بشكلٍ كبير. وبحسبه، فإنّ المُعتقدات الخرافيّة تُقلِّل من الفَهْم الفلسفيّ العقلانيّ للربّ والعالَم. ونظراً لاشتغاله بدراسة الشريعة اليهوديّة على وجه الخصوص، فقد سعى إلى إيجاد مكانةٍ لها داخل الرؤية الكونيّة للبشريّة التي أكَّدت على سموّ المعرفة على حساب المُمارسات الدّينيّة. غير أنّ تراثه لا يُمكن أن يَنفصل بحالٍ من الأحوال عن الرؤية النصيّة التي قدَّمها الباحثون الذين انشغلوا بالكشْفِ عن مقاصده. فكما لاحَظت روادفسكي بحقّ، فإنّ تحليل أعمال ابن ميمون الفلسفيّة يتحوّل إلى ضربٍ من التدريب على آليّات التّأويل ومُمارَسة التحليل النقديّ؛ فإذا كان الفارابي بمثابة المُعلّم الثاني لابن ميمون، فإنَّ الأخير يُعَدّ بمثابة المُرشد الأوّل للفيلسوف الهولنديّ اسبينوزا بصفة خاصّة، الذي يُعتبر وريثاً لمَذهبه في التفسير الطبيعيّ، إذ سار على دَربه في تقديمه تفاسير طبيعيّة للتوراة، مع رفضه - على نحوٍ لا يخلو من السخرية أحياناً - الخطوطَ العامَّة التي سبق أن أقرَّها ابن ميمون من قَبل.
في الأحوال كلّها، لقد وَضَعَ ابن ميمون أعمالَه خلال القرن الثاني عشر الميلاديّ الذي ازدهر فيه الفكرُ الأندلسيّ الأرسطيّ بصفةٍ خاصّة، على غرار كلٍّ من: الفيلسوف ابن باجه، المتوفّى سنة 1139، وابن طُفَيل، المتوفّى سنة 1185، وابن رشد الحفيد، المتوفّى سنة 1198. ومع ذلك، فعلى الرّغم من أنّ ابن ميمون وابن رشد وُلِدا في قرطبة، وكَتبا أعمالهما في الحقبة نفسها، فإنّنا لا نملك دليلاً تاريخيّاً على أنّهما قد التقيا. لكنّ ذلك لا يَنفي بالطبع دراية ابن ميمون بأعمال فيلسوف قرطبة الأكبر، بل إنَّ عَدداً كبيراً من الباحثين لاحظوا أوجهاً عدّة للتقارُب والتشابُه في ما بينهما: كاشتراكِهما في كَونهما من عائلاتٍ أندلسيّة موقّرة للعُلماء تضمّ أعداداً كبيرة من القُضاة والأطبّاء البارزين، فضلاً عن أنّهما أَتقنا العلومَ والفلسفة المشَّائيّة، وأكّدا على ضرورة الجمْع بين الشريعة والفلسفة، ناهيك بأنّ أعمالَهما قد تُرجمت إلى اللّغة اللّاتينيّة مقدِّمةً الفكرَ الأرسطيّ إلى الفلسفة السكولاستيّة اللّاتينيّة.
وإلى جانب كلٍّ من الفلسفة والطبّ الذي تأثّر فيه ابن ميمون بأعمال الطبيب اليونانيّ جالينوس، فإنّه انشغل بعِلم الفَلك حيث التقى بابن أفلح الإشبيليّ، وطالَع بعض النصوص الفلسفيّة تحت إشراف أحد تلاميذ ابن باجه الأندلسيّ. وفي الفسطاط التي وصَلها مع عائلته سنة 1166 كان المُسلمون والمسيحيّون واليهود يُقيمون في حيٍّ واحد، حيث تعايَشتِ الطوائف الثلاث، وكان لكلِّ طائفة مَعبدها الخاصّ بها. كما حظيَ ابن ميمون برعايةِ القاضي الفاضل، رئيس ديوان الإنشاء، والسلطان صلاح الدّين الأيّوبيّ الذي عيَّنَه رئيساً للطائفة اليهوديّة في مصر سنة 1191، فكان يُعقِّب على الدعاوى القضائيّة التي كانت تَرِدُ إليه من الطوائف اليهوديّة في مصر، وغيرها.
أمَّا كتابه «تثنية التوراة»، فيَتضمَّن قسماً مفصّلاً عن الحسابات الفَلَكيّة، يَعمد فيه إلى توظيف معلوماتٍ شديدة التشابُه بالجداول الفلكيّة التي وضَعها عالِمُ الفَلَك العربيّ البطَّانيّ. وهكذا مع بلوغه سنّ الأربعين كان ابن ميمون مُلمّاً بالخطوط العامَّة للفلسفة الأرسطيّة العربيّة، وبجملةٍ من العلوم الأخرى. كما كان مُطّلعاً على الطبّ والرياضيّات وعِلم الفلك بصفةٍ خاصّة. ولا شكّ في أنَّ الحضورَ الطّاغي لأرسطو في كتابه «دلالة الحائرين» نابعٌ أساساً من نظرته المُفرطة في المُبالَغة له والتعظيم، إذ يَصفه بـ «رئيس الفلاسفة» حيناً، ويُعلن أنّه لن يَلتفت إلّا لآرائه كونها الوحيدة «التي ينبغي أن تُفهَم» على نحوٍ خصوصيّ، كما لا ينفكّ يُشيد بـ «عُمق فكره وغرابة إدراكه».
وفي الأخير، يبقى الفارابي أكثر فلاسفة الإسلام تأثيراً في ابن ميمون الذي كان يَنظر إليه باعتباره «المُعلّم الثاني» بعد أرسطو، وأنّه تأثَّر به أكثر من تأثّره بأيّ شخصٍ آخر على الإطلاق في العصور الوسطى. ففي الوقت الذي اكتفى فيه آخرون بقراءة نصوص الفارابي من دون محاولة تطبيق نظريّته بالتفصيل على أيّة تقاليد دينيّة، سعى ابن ميمون إلى النهوض بذلك، مُوافِقاً إيَّاه في اعتبار أنّ الفلسفة تُمثِّل أرْفع درجات المعرفة، وأنَّها تُحيط من أحد جوانبها بعِلم الجَدَل والنقاش، ومن جانب آخر بالدّين والتشريع واللّاهوت. وليس أدلَّ على مَبلغ تأثُّرِهِ به من خطابه الذي بَعَثَهُ إلى مُترجِمه، والذي قال فيه: «لا تَدَع كُتُبَ المنطق تشغلكَ كثيراً، سوى تلك التي ألَّفها أبو نصر الفارابي. إنّ كلَّ ما ألَّفه يتّسم بقدرٍ كبير من الحِكمة، وإنَّ أفكارَه تُساعِد المرء على فهْمِ الحقائق، وإنَّ الشكّ لا يَرقى إلى حِكمته».
*كاتب وباحث من مصر
يُنشر هذا المقال بالتزامن مع دورية «أفق» الإلكترونيّة الصادرة عن مؤسّسة الفكر العربيّ











































































