اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦
على وقع المشاورات الجارية الآن بين الكتل النيابية والأحزاب في مجلس النواب الأردني استعدادًا لانتخابات رئاسة المجلس، تعود بي الذاكرة إلى مجلس النواب الثالث عشر، حين تنافس على الرئاسة أصحاب المعالي، مع حفظ الألقاب، سعد هايل السرور شافاه الله وعبدالهادي المجالي وعلي أبو الراغب رحمهما الله.
يومها كانت الديمقراطية هي الأساس، وصندوق الاقتراع هو الفيصل، وقناعة النائب وإرادته الحرة هما الحكم. كان التنافس حقيقيًا، وكانت الكلمة الفصل للنواب، لا لتفاهمات تُحسم خارج قبة البرلمان.
أما اليوم، فإن ما نشهده من مشاورات تحت عنوان «التوافق» يثير تساؤلات مشروعة حول مستقبل الممارسة الديمقراطية داخل مجلس النواب… منذ متى أصبحت رئاسة المجلس تُحسم بالتوافق قبل أن يقول صندوق الاقتراع كلمته؟ وهل أصبح المطلوب من النواب أن يصادقوا على قرارات جاهزة بدلًا من أن يمارسوا حقهم الدستوري في الاختيار؟
لسنا ضد التوافق، إذا كان تعبيرًا عن إرادة حقيقية مشتركة، لكننا ضد أن يتحول إلى غطاء لإلغاء التنافس، أو احتكار القرار، أو تقييد حرية النائب في اختيار من يراه الأقدر على قيادة المجلس.
فالتوافق الذي يولد من الحوار والاقتناع قيمة سياسية، أما التوافق الذي يُفرض بالأمر الواقع، ويُقدَّم باعتباره الطريق الوحيد، فإنه يُفرغ الديمقراطية من مضمونها، ويحوّل صندوق الاقتراع من أداة للاختيار إلى إجراء شكلي لا يغيّر في النتيجة شيئًا.
إن رئاسة مجلس النواب ليست جائزة تتقاسمها الكتل، ولا موقعًا يُحسم وفق حسابات حزبية أو تفاهمات مسبقة، بل مسؤولية وطنية ودستورية، يستحقها من ينال ثقة النواب بإرادتهم الحرة.
فإذا كانت الكتل قد حسمت الأمر مسبقًا، فما الذي بقي لصندوق الاقتراع؟ وإذا كان التوافق مقدّمًا على إرادة النائب، فأين استقلالية القرار النيابي التي نريدها أساسًا للعمل الديمقراطي؟
إن المجلس الذي لا يتسع للتنافس الحر، ولا يحترم تعدد الآراء، ولا يترك للنواب حق الاختيار، لن يكون أقوى بالتوافقات، بل سيكون أضعف بثقة الناس به. فالديمقراطية لا تُقاس بعدد الكتل المتوافقة، وإنما بقدرة كل نائب على اتخاذ قراره دون وصاية أو إملاء.
ولمن يظن أن التوافق هو الطريق الأسهل لضمان الاستقرار، نقول: إن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على تغييب المنافسة، بل على احترام قواعدها، وإن قوة المجلس لا تتحقق بتوحيد الأصوات مسبقًا، بل بامتلاك أعضائه إرادة حرة ومسؤولية وطنية.
لكن حين يصبح التوافق بديلًا عن الديمقراطية، فإننا لا نحمي الحياة النيابية، بل نُفرغها من روحها.
لقد علّمتنا التجارب أن المناصب تزول، والدورات النيابية تنتهي، لكن أثر المواقف يبقى في ذاكرة الوطن. فإما أن نمنح الديمقراطية فرصة حقيقية لتقول كلمتها، وإما أن نعتاد مشهدًا تُحسم فيه النتائج قبل بدء المنافسة.
والسؤال الذي نضعه أمام الكتل النيابية والأحزاب اليوم: هل نريد ديمقراطية تحترم إرادة النائب، أم توافقات تُقيّدها؟

























































