اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٢ نيسان ٢٠٢٦
كتب ناصر قنديل في البناء
الفرضية الأخطر لـ”إسرائيل” ليست استمرار الحرب، بل توقفها بشروط لا تتحكم بها. الجديد الذي دخل بقوة في المعادلة هو ما بات يُنقل في الدوائر الدبلوماسية والإعلامية عن قرار إيراني واضح: ربط وقف إطلاق النار الشامل بمصير جبهة لبنان، أي أن أي تهدئة لا تشمل هذه الجبهة لن تكون نهائية. هذا يعني عملياً أن “إسرائيل”، حتى لو خرجت من الحرب مع إيران بوقف للنار يعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب دون اتفاق مع إيران، طالما أنّها ترفض اتفاقاً يتضمن إنهاء الحرب على لبنان، ستبقى في مواجهة مفتوحة في الشمال. هنا تكمن المعضلة: لا تستطيع “إسرائيل” إقفال جبهة لبنان دون ثمن سياسي عسكري كبير يُفسَّر كهزيمة، ولا تستطيع في المقابل تحمّل استمرارها دون غطاء أميركي مباشر. في هذا السياق، بدأت تظهر في الصحافة الإسرائيلية مقاربات جديدة تشكك في أصل الخيار. محللون في هآرتس تحدثوا عن “حرب بلا أفق سياسي واضح”، فيما كتب معلقون في يديعوت أحرونوت أن “الحديث عن نصر حاسم لم يعد واقعياً في حرب متعددة الجبهات”. هذه ليست معارضة سياسية بل قراءة أمنية تعكس إدراكاً بأن “إسرائيل” قد تكون دخلت حرباً لا تملك مفاتيح إنهائها.
في المقابل، إذا استمرت الحرب وتصاعدت، فإن إسرائيل تدخل مرحلة أخطر: حرب بنى تحتية شاملة. النقاش داخل “إسرائيل” لم يعد فقط حول “الردع” بل حول القدرة على حماية الكهرباء، وتحلية المياه، ومنصات الغاز. في معاريف، كتب محلل عسكري أن “”إسرائيل” لم تُبنَ لتحمّل ضربات مستمرة على منشآتها الحيوية”، بينما حذّر خبراء أمنيون من أن “أي توسع في استهداف الطاقة سيحوّل الحرب إلى أزمة حياة يومية”. هذا التقدير يستند إلى وقائع بدأت تظهر: وصول الصواريخ إلى العمق رغم الدفاعات، وتعطل جزئي في بعض الخدمات الحيوية في جولات القصف. ومع احتمال اضطراب الملاحة في هرمز والبحر الأحمر، تصبح “إسرائيل” أمام معادلة حصار فعلي: قدرة محدودة على الاستيراد، مقابل تزايد الضغط على الداخل. هنا يتعزز التشكيك الإسرائيلي الداخلي: هل كان قرار الذهاب إلى هذه الحرب محسوباً؟ وهل تملك الحكومة تصوراً لنهايتها؟
أخطر ما يضرب رواية “النصر” هو الأرقام. داخل “إسرائيل”، لم يعد النقاش سرياً حول استنزاف منظومات الدفاع الجوي. تقارير في يديعوت أحرونوت وتايمز أوف إسرائيل أشارت إلى تقنين استخدام صواريخ الاعتراض، بينما نقلت تقديرات عسكرية أن مخزون بعض الأنظمة المتقدمة قد لا يكفي إلا لفترة محدودة إذا استمر المعدل الحالي للهجمات. في هآرتس، كتب أحد المحللين أن “الجيش يواجه فجوة بين كثافة التهديد وقدرته على الاعتراض”، وهو تعبير مباشر عن تآكل التفوق الدفاعي. هذا الواقع ينعكس على النقاش السياسي: إذا كانت “إسرائيل” تحتاج دعماً أميركياً دائماً للحفاظ على مظلة الدفاع، فكيف يمكن الحديث عن حرب طويلة أو نصر مستقل؟ هنا تحديداً يبدأ التشكيك بمصداقية خطاب نتنياهو، الذي يكرر الحديث عن “تحقيق الأهداف”، بينما الوقائع الرقمية تشير إلى سباق استنزاف لا يملك فيه الوقت لصالحه. أخطر ما تكشفه الوقائع هو مسألة الذخائر، خصوصاً الدفاع الجوي. تقارير حديثة تشير إلى أن “إسرائيل” بدأت “تقنين استخدام أفضل صواريخ الاعتراض” بسبب النقص. الأرقام أكثر دلالة في ظل استهلاك مكثف للمنظومات: Arrow، David’s Sling، Iron Dome
الأخطر أن تقديرات بحثية غربية تشير إلى أن مخزون صواريخ Arrow قد “ينفد خلال أيام” إذا استمر المعدل الحالي. كما أن الولايات المتحدة نفسها، الشريك الأساسي في الإمداد، تواجه نقصاً حاداً في منظومات THAAD وPrSM مع استهلاك أكثر من 11 ألف ذخيرة خلال أسابيع. هذا يعني أن “إسرائيل” في حال استمرار الحرب أو توقفها تواجه سقفاً زمنياً للقدرة الدفاعية. السؤال ليس هل تنفد الذخائر، بل متى؟ وإذا كان الشهر الأول قد استنزف هذا الحجم، فهل يكفي المخزون لشهر ثانٍ؟ المؤشرات تقول: بالكاد، إن لم يكن أقل.
التحول الأهم يظهر في الداخل. خصوصاً في مستوطنات الشمال حتى حيفا التي تشكل كما يقول القادة التاريخيون للكيان ما يسمّونه بـ “روح اسرائيل” التي تحدّد قدرتها على البقاء، بالتوازي الاحتجاجات التي عادت إلى تل أبيب، وتصاعد الانتقادات من عائلات الجنود والاحتياط، وكلها تعكس بداية تآكل في الثقة. في هآرتس، كُتب بوضوح أن “الجمهور لم يعد يصدق الوعود السريعة بالنصر”، بينما نقلت معاريف عن مصادر سياسية أن “الفجوة تتسع بين خطاب القيادة والواقع الميداني”. حتى داخل المؤسسة الأمنية، ظهرت أصوات تحذر من “الانجرار وراء أهداف غير قابلة للتحقيق”. ولا يزال يتردّد صدى كلمة رئيس الأركان التي نقلتها الصحف الأميركية عن خطر انهيار الجيش، بينما بدأ التساؤل عن مصداقية المستوى السياسي والمستوى العسكري حول انتهاء التهديد، التهديد الإيراني والتهديد اللبناني، وقد ظهر ما هو أخطر من خطأ الحسابات، بل ما يسميه الكتاب والمحللون بكذب القادة لصناعة وهم النصر والتلاعب بالجمهور، هذا المناخ يضع “إسرائيل” أمام اختبار مزدوج: القدرة على الصمود عسكرياً، والقدرة على الحفاظ على تماسكها الداخلي. فالحرب التي بدأت بشعار الحسم، تتحوّل تدريجياً إلى حرب استنزاف طويلة، وفي مثل هذه الحروب لا يكون العامل الحاسم عدد الصواريخ فقط، بل قدرة المجتمع على الاستمرار في تصديق رواية النصر وبالحد الأدنى تصديق رواية الحرب التي تتباهى القيادة السياسية والعسكرية أنها قامت بشنها كحرب استباقية، والحرب الاستباقية تزيل تهديداً وشيكاً وليست الحرب التي تحول تهديداً مستقبلياً إلى تهديد راهن، هنا، تحديداً، يكمن الخطر الأكبر الذي بدأ الإسرائيليون أنفسهم يتحدّثون عنه: ليس فقط هل يمكن الانتصار، بل هل يمكن الاستمرار في حرب لم يعُد واضحاً لماذا بدأت، وكيف يمكن أن تنتهي.











































































