اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٥
حتى لو انتهت مفاوضات المرحلة الأولى من 'خطة ترامب' إلى نتائج منظورة ، وجرى تبادل الأسرى والانسحاب 'الإسرائيلى' الجزئى الأول من 'غزة' وإدخال المساعدات مع وقف إطلاق النار ، فإن أحدا عاقلا لا يتصور ، أن تكون قصة الحرب التى بدأت فى السابع من أكتوبر 2023 قد انتهت ، حتى لو جرى الدخول المشكوك فيه إلى ترتيبات المراحل التالية ، ووضع 'غزة' عنوة تحت الوصاية والانتداب الأجنبى ، فكل ذلك عمل مضاد للطبيعة الأصلية للقضية الفلسطينية كصراع طويل المدى ، جوهره التحرر الوطنى الفلسطينى من ربقة استعمار استيطانى إحلالى إفنائى ، لا يقبل التحايل على حقيقته بإجراءات تبدو إنسانية فى ظاهرها ، وتصور الوضع الفلسطينى كحظ عاثر ومأساة إنسانية ، تزول بتطبيب جراح أهل ربع مليون شهيد وجريح ومفقود فلسطينى فى جولة الحرب الأخيرة ، أو بإعادة بناء غزة المدمرة حجرا وبشرا على نحو شبه كامل ، ولا بتخفيف تعب الموجوعين مقابل نزع 'فلسطينية' فلسطين ، ذلك أن 'غزة' الصغيرة هى فلسطين كلها مكثفة مبلورة ، وهكذا كانت 'غزة' دائما فى التاريخ الفلسطينى المعاصر والحاضر ، وهكذا ستكون فى المستقبل بآلامه وأشواكه وأشواقه.
ولا نظن أن الأحاديث ـ ربما الثرثرات ـ قد تنتهى قريبا عن ما جرى ويجرى منذ عملية 'حماس' وأخواتها صباح السابع من أكتوبر قبل عامين ، سبقهما ميراث 75 سنة مثقلة بالدم والدموع والمجازر والتهجير ، يريد البعض حجبها عن الوعى والقلوب والأبصار ، ويحصر القصة الفلسطينية فى عملية 'الكوماندوز' ، واختراق طلائع 'غزة' لقلب كيان الاحتلال فى مفاجأة مذهلة ، ثم الرد عليها بحرب الإبادة الأمريكية 'الإسرائيلية' بدعوى الانتقام ، بينما لم تكن القصة كذلك ، فحروب الإبادة طبع جوهرى تكوينى فى كيان الاحتلال ، ولا يتسع المقام لسرد قصص مئات المجازر منذ 'دير ياسين' إلى محرقة 'غزة' ، و150 ألفا من الفلسطينيين استشهدوا قبل السابع من أكتوبر ، ومليون فلسطينى طردوا فى نكبة 1948 تناسلوا إلى نحو ثمانية ملايين لاجئ اليوم ، ومليون فلسطينى جرى أسرهم 'إسرائيليا' منذ حرب 1967 ، ولم تكن العدوانية 'الإسرائيلية' الهمجية الإبادية وليدة صباح السابع من أكتوبر ، سواء فى 'غزة' التى شنت عليها أربعة حروب تدمير قبل الحرب الأخيرة المتصلة ، ولا فى الضفة والقدس المحتلة منذ يونيو 1967 ، وقد توحش فيها الاستيطان وتهويد الأرض بالجملة بعد 'أوسلو' وتوابعها ، وحتى قارب عدد المستوطنين فيها رقم المليون مستعمر ، كان ذلك من أحلام الإرهابى 'الليكودى' 'إسحاق شامير' رئيس وزراء الكيان وقت مفاوضات 'مدريد' أوائل تسعينيات القرن الماضى ، وأعاد مجرم الحرب 'بنيامين نتنياهو' تجديد حلم شامير فى كتابه (مكان تحت الشمس) الصادر لأول مرة عام 1993 ، وحتى قبل السابع من أكتوبر 2023 بأسابيع ، كان 'نتنياهو' فى الاجتماع السنوى للجمعية العامة للأمم المتحدة ، الذى يعقد عادة فى شهر سبتمبر ، يرفع خريطة أمام مستمعيه تخلو بالكامل من 'فلسطين' ، وتضم 'غزة' والضفة والقدس ـ طبعا ـ إلى كيان الاحتلال على نحو نهائى جازم .
لم تكن إسرائيل إذن ، ولا راعيتها أمريكا المندمجة معها استراتيجيا ، لم تكونا فى حاجة إلى ذريعة لشن حرب الإبادة ، وإن تظاهرتا بذلك ، وعلى نحو ما تردده حتى أصوات ناعقة باللغة العربية ، كثير منها مريب ويعمل بوضوح ومباشرة فى خدمة الدعاية الأمريكية 'الإسرائيلية' نازية المضامين ، المفزوعة من بقاء الشعب الفلسطينى على أرضه وتكاثره فوقها ، وزيادة أعداد الفلسطينيين الراسخين فوق أرضهم المقدسة ، وتخطيها لأعداد اليهود المجلوبين لاستيطان فلسطين ، وكان ذلك هاجسا مرعبا لصناع المشروع الصهيونى ورعاته وأهله ، حذر منه علماء السكان 'الإسرائيليون' مبكرا ، واعتبروه بمثابة 'حروب غرف النوم' الأخطر فى مضاعفاتها من حروب النار والدمار ، وتضاعفت الهواجس 'الإسرائيلية' فى الثلاثين سنة الأخيرة ، وكانت وراء الصعود المتصل المتضخم فى تيارات اليمين الصهيونى ، وتصاعد حضور حركات أكثر عنصرية وتطرفا على يمين 'حزب الليكود' ، بينها ورثة حركة 'كاخ' وزعيمها الحاخام 'مئير كاهانا' المقتول على يد المصرى 'سيد نصير' فى 'نيويورك' أواخر 1990 ، ثم تناسلت 'كاخ' فى أحزاب وحركات مستوطنين أكثر نفوذا ، بينها أحزاب اليمين القومى الدينى بقيادة 'إتمار بن غفير' و'بتسلئيل سموتريتش' وغيرهم فى العقدين الماضيين من القرن الجارى ، وإلى أن وصلوا إلى سدة الحكم مع 'نتنياهو' ، وكان جوهر الاتفاق بينهم صريحا ، منطوقه السعى إلى حل نهائى لحضور الفلسطينيين المتزايد ، إما بتدمير حياتهم ، أو بالطرد والتهجير ، أو بالإبادة الجسدية ما أمكن ، وعلى نحو ماجرى فى 'غزة' خلال السنتين الأخيرتين ، وهو ما يعنى ببساطة صادمة، أن حرب الإبادة عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023 كان لابد أن تحدث ، فلم تعد من إمكانية لحلول وسط ، ولا لتسويات موقوتة دمرتها 'إسرائيل' عن عمد ، فقد كانت أقدار الصراع تمضى إلى مداها الدموى ، وهو ما يعنى أيضا ، أنه قد لا تصح محاكمة 'حماس' وأخواتها على هجوم السابع من أكتوبر ، ولا على صحة أو خطأ القرار وحساباته ، فقد كنا ولا نزال بصدد أقدار لا يمكن تجنبها ، بقدر ما تجب مقاومة مضاعفاتها الأسوأ.
المعنى إذن ، أن هجوم السابع من أكتوبر كان عملا دفاعيا ، حتى وإن اتخذ صورة الهجوم ، الذى استبق إبادة كانت وشيكة فى مطلق الأحوال ، وفى مواجهة الأقدار اللعينة ، كانت جماعات المقاومة الفلسطينية حاضرة مستبسلة بما تستطيع ، فى ظل حصار خانق ممتد ضدها ، منع أن تصل إليها طلقة رصاص ولا شربة ماء عبر عامين ، وبديهى أنه لم تكن هناك من شبهة تكافؤ فى السلاح ، وكان بوسع العدو الأمريكى 'الإسرائيلى' أن يجتاح 'غزة' فى ساعات ، لكن جماعات المقاومة بأنفاقها وعقيدة قتالها وبورش تصنيع السلاح الذاتى ، استطاعت تقديم نماذج ملهمة من عمليات الفداء الأسطورى ، توازت مع صمود الشعب الفلسطينى لهول العذاب الأسطورى ، وبدا 'سر غزة' ساطعا فى المقاومة وفى احتمال العذاب معا ، فأهل 'غزة' فى أغلبهم ممن جربوا النكبات كلها ، وكانت 'غزة' مهدا أولا لحركات المقاومة من 'فتح' وأخواتها إلى 'حماس' وأخواتها ، وكان مزيج المقاومة والعذاب الفريد ، هو الذى صنع أسطورة 'غزة' عالميا ، فقد قتلت المقاومة وجرحت نحو عشرة آلاف من ضباط وجنود العدو ، ودمرت مئات من مركباته ودباباته ، فوق تزايد معدلات الهجرة العكسية ليهود كيان الاحتلال ، التى تجاوزت رقم النصف مليون بتقديرات المؤرخ 'الإسرائيلى' الهارب إلى لندن 'إيلان بابيه' ، إضافة لكلفة حرب الإبادة التى فاقت 100 مليار دولار، ثم كان جرح 'غزة' وشلالات دمائها وأشلاء أطفالها ، هو الذى حطم صورة 'إسرائيل' فى بيت العائلة الغربى ، وكاد ينسف الرواية 'الإسرائيلية' من جذورها ، وفى عواصم الغرب التى كانت مهدا وأما للحركة الصهيونية ، وصارت أسطورة 'غزة' تلهم وتحفز قلوب وضمائر ملايين المتظاهرين يوميا فى عواصم أوروبا الكبرى ، وحتى عند الأجيال الشابة فى أمريكا ذاتها ، وصرنا أمام انتفاضة عالمية كبرى غير مسبوقة فى كثافتها وامتدادها ، حملت اسم 'غزة' و'حرية فلسطين' إلى قلوب وضمائر العالم ، مع نبذ 'إسرائيل' وعزل أمريكا دوليا.
وجاءت 'خطة ترامب' كمحاولة لعكس الاتجاه العالمى ، والتستر وراء شعار السلام بهدف تحقيق حرب الإبادة لأهدافها بوسائل السياسة ، فما عجزت عنه الحرب ، يسعى 'ترامب' لتحقيقه من وراء لافتة إنهاء الحرب ، ولا تزال الخطة الخادعة الجديدة توالى مراوغاتها ، وبالهدف المعلوم ذاته ، أى إرغام الفلسطينيين على الخروج بدعوى الهجرة 'الطوعية' ، ومصادرة نور 'غزة' بفرض حكم أجنبى عليها ، وتبديل الطبيعة الوطنية التحررية لقضية 'غزة' وفلسطين ، وتحويلها إلى مقاولات ومزايدات ومناقصات عقارية ، وسلب مزايا 'غزة' وثرواتها الغازية والبترولية البحرية ، واحتجازها مؤقتا فى جيب أمريكا قبل أن تنقل إلى 'إسرائيل' ، مع تكفير 'غزة' بسيرتها الكفاحية ، ونزع سلاح المقاومة ونفى قادتها ، وقد تنجح محاولات التبديل والنزع إلى حين ، لكنها ستواجه فى النهاية نار الحقائق الكبرى ، ففصائل المقاومة ، حتى وإن نزعوا سلاحها ، قد تختفى عن الأنظار صوريا ، وتولد محلها فصائل مقاومة جديدة ومن نوع مختلف ، فلن يتوقف العدوان 'الإسرائيلى' أبدا ، ولا الحرب ستنتهى إلى مشهد ختام مستقر ، وما دام الاحتلال مستمرا حتى لو جرى تمويهه ، فسوف تنهض 'غزة' إلى قيامة جديدة ، وإلى أن تعود النجوم إلى مداراتها الأصلية ، فقد تكون 'غزة' شاطئا جميلا مغريا بزرقة البحر وكنوزه ، لكن 'سر غزة' كامن من وراء صورتها الخارجية ، وسيرة عذابها وثيقة الصلة بسر مقاومتها التى لا تهزم ، ولم تحسم الحرب أبدا ضد 'غزة' وضد الفلسطينيين ، ولا تزال فى القصة فصول مقبلة ، فانتظروا 'غزة' التى تنهض من رمادها .

























































