اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
خاص - شهاب
لم تكد خيوط الشمس الضعيفة تتسلل من بين سحب المنخفض الجوي في سماء قطاع غزة، حتى خاض آلاف النازحين في مختلف محافظات القطاع سباقاً مريراً مع الوقت. بين جولة وأخرى من هطول الأمطار الغزيرة، تحولت ساعات التوقف المؤقتة إلى معركة استثنائية لصيانة وترقيع الخيام الغارقة، مستخدمين أدوات بدائية بسيطة، قبل أن تباغتهم موجة أمطار جديدة متوقعة خلال الساعات المقبلة.
وحول الطرقات الطينية والمستنقعات التي خلّفها المنخفض شمال غرب غزة، رصد مراسل (شهاب) حركة دؤوبة ومكثفة للنازحين؛ شباناً وكبار سن، يحملون بأيديهم 'الكريك' و'الطورية' و'الشاكوش والمسامير'؛ في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتهيئة الخيام لاستقبال الهطول القادم.
في أحد الأزقة المجاورة للمخيم المصري بشمال غرب غزة، يقف المواطن سامر أبو دية -نازح من بيت لاهيا- ممسكاً بـ 'جردل' بلاستيكي يفرغ به المياه المتراكمة داخل خيمته، ليقول لمراسلنا بكلمات متسارعة: 'لا وقت لدينا للحزن أو التفكير فيما فقدناه. الخيمة غرقت بالكامل، وإذا لم نصلحها ونرقع فتحاتها الآن في هذه الاستراحة القليلة، سنغرق مجدداً وبشكل أشد فور عودة الأمطار'.
وعلى مقربة منه، يحاول الشاب محمود الكفارنة -نازح من بيت حانون- تثبيت أطراف خيمته بقطع بلاستيكية إضافية وأسلاك رفيعة، مشيراً إلى أنه رغم إجراء صيانة شاملة لخيمته قبل وصول المنخفض، إلا أن غزارة الأمطار وشدة الرياح كشفت تهالك أقمشتها ومزّقت أجزاء منها:
وقال لمراسل (شهاب): 'فعلنا كل ما بوسعنا قبل المنخفض، لكن الخيام القماشية والنايلون لا تصمد أمام هذه العواصف. نحاول الآن إغلاق الفتحات بما تيسر من مواد بسيطة علّنا نمنع تسرب المياه في الساعات القادمة'.
فيما يلخص الخمسيني أبو أحمد إسماعيل المعاناة الشاملة وهو يعيد بالشاكوش والمسامير، تثبيت أحد أطراف خيمته التي أقامها أمام انقاض منزله المدمر: 'الخيمة تبقى خيمة، لا تقي حر الصيف ولا برد وشتاء غزة. نحن نرقّع أوهاماً، ولا بد من حل جذري ينهي هذه المأساة عبر إدخال الكرفانات فوراً وبدء إعادة الإعمار'.
غرق 70 ألف خيمة
ولا تقتصر التداعيات على الأضرار الميدانية البسيطة، إذ أخذت بعداً كارثياً أفقياً مع بدء الشتاء. وفي أحدث حصيلة رسمية، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أنه خلال 12 ساعةفقط من بدء المنخفض الجوي، غرقت 70 ألف خيمة تؤوي عشرات الآلاف من النازحين في مختلف محافظات القطاع.
وأوضح المكتب الإعلامي الحكومي أن التقديرات الأولية للخسائر المباشرة في مستهل هذا المنخفض بلغت نحو 3 ملايين دولار، محذرا من خطر انهيار عشرات المباني المتصدعة والآيلة للسقوط جراء تعرضها للقصف خلال حرب الإبادة الجماعية المستمرة.
كما حمّل سلطات الاحتلال 'الإسرائيلي' المسؤولية الكاملة عن هذه التداعيات نتيجة استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال مواد الإيواء والبناء الأساسية.
وتجسدت تداعيات المنخفض تجسدت ميدانياً بأشكال خطيرة؛ إذ أدى تساقط الأمطار الغزيرة وانهيار عشرات الجدران إلى وقوع إصابات مختلفة، بينها حالات خطيرة، كان منها إصابة مواطنين اثنين شمال القطاع إثر انهيار جدار مبنى متأثر بقصف سابق.
وتشير البيانات الإنسانية والحقوقية إلى أن نحو 270 ألفخيمة تؤوي العائلات النازحة في القطاع، يقع أكثر من 400 ألفنازح منهم في مواقع شديدة الخطورة ومباشرة على مجاري السيول أو شاطئ البحر.
ورغم الحاجة الماسة لنحو 294 ألفأسرة لمساعدات إيواء عاجلة ومواد عزل متينة، إلا أن الإمدادات المتاحة لا تغطي سوى 18% فقط (نحو 52 ألفأسرة) من الاحتياج الفعلي، وفق تقرير لمركز غزة لحقوق الإنسان.
1500 نداء استغاثة
وعلى وقع الاستعدادات الذاتية للأهالي، أعلن جهاز الدفاع المدني في غزة عن تلقيه أكثر من 1500 نداءاستغاثة منذ بدء المنخفض، مؤكداً غرق مخيمات بأكملها وسحب المياه لخيام وممتلكات النازحين.
وشدد البيان على أن طواقم الدفاع المدني تجد نفسها مكبلة ومحدودة القدرة في مواجهة الكارثة المتفاقمة، بفعل منع دخول آليات ومعدات سحب المياه والوقود وقطع الغيار.
وتوازت هذه النداءات مع مواقف سياسية وحقوقية متطابقة، إذ دعت حركة (حماس) عبر ناطقها حازم قاسم والجهات الحقوقية، المجتمع الدولي والوسطاء وجامعة الدول العربية، للضغط العاجل لفك الحصار الإغاثي وإدخال مستلزمات الإيواء فوراً.
طقس ماطر وساعات صعبة
وفقاً لتوقعات دائرة الأرصاد الجوية، يستمر تأثير المنخفض الجوي على قطاع غزة خلال الساعات القادمة، حيث يُتوقع تساقط زخات متفرقة من الأمطار تكون غزيرة ومصحوبة بعواصف رعدية وهبات رياح نشطة، قبل أن تميل الأجواء للاستقرار التدريجي.
وحتى ذلك الحين، يواصل أهالي غزة سباقهم الأخير مع الغيوم الداكنة، متشبثين بأبسط أدوات الصيانة لترقيع خيامهم، في انتظار تدخل إنساني عاجل ينهي رحلة النزوح والعيش تحت قماش مهترئ لا يقيهم البرد ولا المطر ولا حتى أشعة الشمس.

























































