اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٧ شباط ٢٠٢٦
في الوجدان العربي، لا يُعرف رمضان إلا بالمسجد، ولا يُستشعر المسجد في أبهى تجلياته إلا في رمضان. المسجد في هذا الشهر ليس مجرد جدران ومآذن، بل هو «بيت الأمة» الذي تذوب فيه الفوارق الطبقية، والمركز الذي تدار منه حياة الناس الروحية والاجتماعية. من «الحرمين الشريفين» اللذين يمثلان قبلة الأرواح، إلى «الأزهر» و«الأموي» و«الزيتونة»، وصولاً إلى مساجد الأحياء (الفريج) في الخليج، يظل المسجد هو «الخيمة الكبرى» التي تجمع العرب تحت سقف السكينة، والمنارة التي لا ينطفئ نورها طوال ثلاثين ليلة.
•«بيوت الله» في كتب التاريخ.. مدرسة وجامعة وتكافل تاريخياً، كان المسجد الجامع هو «المؤسسة الشاملة» في رمضان. يذكر المؤرخ تقي الدين المقريزي في «الخطط» أن المساجد في مصر الفاطمية والمملوكية كانت تشهد في رمضان نشاطاً تعليمياً لا ينقطع، حيث تُقام «حلقات الذكر» ودروس الفقه والتفسير عقب صلاة العصر وحتى المغرب. ويشير القلقشندي في «صبح الأعشى» إلى أن السلاطين كانوا يحرصون على فرش المساجد بالسجاد الجديد (الزرابي) وتزويدها بـ «خزائن المصاحف» المذهبة قبل رمضان. وفي دمشق، يروي ابن كنان في «يوميات شامية» أن الجامع الأموي كان يتحول في رمضان إلى «مركز إغاثة»؛ حيث تُجمع الزكوات وتُوزع على المحتاجين في باحته الكبرى، وتُقام «موائد السلطان» للغرباء وأبناء السبيل، مما جعل المسجد مؤسسة رعاية اجتماعية تضمن ألا يبيت صائم جائعاً.
•الجزيرة العربية والخليج.. «المسجد والفرِيج» وروح الاعتكاف في دول الخليج العربي، يرتبط المسجد برابط وثيق مع «الفريج» (الحي). المسجد هو «المجلس العام» الذي يلتقي فيه الجيران الذين فرقتهم مشاغل الحياة. يمثل المسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة المنورة «النموذج الأسمى» للمسجد الرمضاني. «سفرة الإفطار» في الحرم المكي هي أطول مائدة في العالم، تجمع جنسيات الأرض كافة. الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان في الحرمين يُعد قمة الطموح الروحي للعربي، حيث تتحول أروقة المسجد إلى مساكن مؤقتة للمتبتلين. مساجد الخليج (الكويت، السعودية، الإمارات، قطر، البحرين، وعمان)، تتميز في رمضان بظاهرة «الغبقة» أو الوجبات التي تُوزع عقب صلاة التراويح والقيام. وفي سلطنة عمان، يبرز دور «سبلة المسجد» (المجلس الملحق)، حيث يجتمع المصلون عقب الصلاة لتبادل الحديث وشرب القهوة العمانية، مما يعزز اللحمة الوطنية والاجتماعية. وفي الكويت والإمارات، تُخصص المساجد الكبرى (مثل جامع الشيخ زايد أو مسجد الدولة الكبير) برامج «للقراء» من أصحاب الأصوات الشجية، مما يحول المسجد إلى مهرجان قرآني ليلي.
•مصر وبلاد الشام.. عراقة «الأزهر» وهيبة «الأموي» في مصر يظل «الجامع الأزهر» هو البوصلة. في رمضان، يزدحم الأزهر بطلاب العلم من «الأروقة» المختلفة. يذكر المؤرخ الجبرتي أن الناس كانوا يشدون الرحال للأزهر في رمضان ليس للصلاة فقط، بل لاستماع «ختمة القرآن» وقصائد المدح النبوي. وتشتهر مساجد الحسين والسيدة زينب بتحولها إلى مراكز «للمحبة والخدمة»، حيث تُقام أكبر موائد الرحمن حول أسوارها، ويمتزج فيها التصوف بالبساطة الشعبية. في دمشق وبيروت: يمثل «الجامع الأموي» بدمشق و«الجامع العمري الكبير» في بيروت مراكز الثقل الروحي. في بيروت القديمة، كان المسجد هو المكان الذي تُحسم فيه القضايا العائلية والاجتماعية ليلة رمضان. صلاة التراويح في هذه المساجد العتيقة، مع أصوات المؤذنين الجماعي، تخلق شعوراً بالاستمرارية التاريخية، حيث يشعر المصلي أنه يسجد في نفس المكان الذي سجد فيه أجداده منذ ألف عام.
•المغرب العربي.. «الزيتونة» و«القرويين» ومدارس الحفظ في دول المغرب العربي (تونس، المغرب، الجزائر)، المسجد في رمضان هو «حصن اللغة والدين». جامع الزيتونة وجامع القرويين: في رمضان، تزداد حلقات «تحفيظ القرآن» للأطفال (الكتاتيب الملحقة بالمساجد). يذكر المؤرخون أن صلاة التراويح في «القرويين» بفاس تتميز بختمات قرآنية متعددة، ويحرص المغاربة على حضور «الدروس الحسنية» الرمضانية التي تُلقى في المساجد الكبرى. مساجد الجزائر العتيقة: في أحياء «القصبة»، يظل المسجد هو المكان الذي تنطلق منه مبادرات «التويزة» (العمل التطوعي)، حيث يجتمع الشباب لتنظيف المسجد وتطييبه بالبخور والجاوي، وتوزيع «الشوربة» على المارين وقت المغرب.
•العراق واليمن.. من «الروضة الكيلانية» إلى «الجامع الكبير» في العراق يبرز دور المساجد كمراكز «للتراحم» وسط الأزمات. في بغداد، تُعد «الروضة الكيلانية» وجامع «أبي حنيفة» مقاصد رئيسية في رمضان، حيث تُقام حلقات «المناقب النبوية». في اليمن يُعد «الجامع الكبير» بصنعاء مدرسة روحية فريدة في رمضان. يذكر المؤرخ الحجري أن حلقات «تفسير القرآن» في الجامع الكبير لا تنقطع بين الظهر والعصر، ويحرص اليمنيون على إحضار أطفالهم لتعلم «القراءة الصنعانية» المجودة، مما يجعل المسجد مكاناً لنقل الهوية من جيل إلى جيل.
•السودان وموريتانيا.. المسجد كـ «حوش» اجتماعي في السودان المسجد يمتد إلى «الشارع»، حيث تُفرش المصليات أمام المساجد وفي الميادين الملحقة بها، وتُقام صلاة التراويح تحت الأشجار وفي الهواء الطلق. المسجد السوداني هو الذي ينظم «الإفطار الجماعي» على الطرقات السريعة لإيقاف المسافرين وإفطارهم، في تجسيد حي لمعنى «المسجد كمنطلق للجود». في موريتانيا تبرز «المحاظر» (المدارس المسجدية)، حيث يتفرغ الموريتانيون في رمضان لمراجعة متون اللغة والفقه داخل المسجد، ويتحول المسجد إلى «مكتبة حية» تضج بأصوات التكرار والحفظ.
•الأبعاد الاجتماعية والسياسية للمسجد الرمضاني يرى الباحثون في الأنثروبولوجيا أن المسجد في رمضان يؤدي أدواراً تتجاوز الشعائر: -الضبط الاجتماعي: المسجد يعيد تنظيم وقت المدينة (أذان، إفطار، تراويح، سحور). -التعليم المستمر: الحلقات العلمية هي نوع من «التعليم الشعبي» المجاني للجميع. -التكافل الميداني: عبر المسجد تُعرف العائلات المتعففة وتُقدم لها المساعدات دون تجريح. -منبر الوعي: تُناقش في دروس المساجد قضايا الأمة الكبرى، مما يبقي الضمير الجمعي يقظاً.
إن المسجد في الوجدان العربي هو «المرساة» التي تحمي الإنسان من تيارات المادية الجارفة، وفي رمضان يتضاعف هذا الدور ليكون المسجد هو الوطن الصغير لكل مغترب، والبيت الكبير لكل مقيم. من «منارات» الخليج الحديثة إلى «صوامع» المغرب العتيقة، يظل المسجد هو المكان الذي نجد فيه أنفسنا، ونلتقي فيه بإخوتنا، ونجدد فيه عهدنا مع السماء. سيظل الجامع هو «القلب النابض» الذي يضخ دماء الإيمان والمحبة في عروق الأمة، ليظل رمضان شهراً للنور المتصل والخير المستدام.











































































