اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شمس نيوز
نشر بتاريخ: ١٣ أيلول ٢٠٢٦
كان شهر سبتمبر يحلّ في قطاع غزة محمّلًا بطقوس اعتيادية تختصرها حركة الأسواق ومظاهر الاستعداد السنوية؛ أطفال يتنقلون برفقة عائلاتهم بين المكتبات لشراء القرطاسية والمستلزمات، وحقائب وزي مدرسي جديد، وصفوف تُجهّز لاستقبال عام دراسي جديد، ومدارس كانت تمثل فضاءً للتعليم واللعب واللقاء.
أما اليوم، ومع دخول الحرب عامها الثالث، فقد تبدلت هذه المشاهد كليًا. يعيش مئات الآلاف من أطفال غزة عامهم الدراسي الثالث بعيدًا عن مقاعد الدراسة المنظمة، فيما دفعت الظروف الاقتصادية والإنسانية القاسية أعدادًا كبيرة منهم نحو أعمال شاقة للمساهمة في تأمين القوت اليومي لعائلاتهم؛ من بيع المستلزمات البسيطة في الشوارع إلى نقل المياه وجمع الحطب.
سارة.. حلم الطب في خيمة تعليمية
تستذكر سارة العراج (17 عامًا)، طالبة في الثانوية العامة، كيف كانت قبل عامين، وهي في الصف العاشر، تتابع طالبات التوجيهي بشغف، وتنتظر وصولها إلى هذه المرحلة التي كانت تتخيل أنها ستبدأها بتجهيز طاولتها بالأقلام الملونة والخرائط الذهنية ووضع جداول دراسية تساعدها على تحقيق حلمها بالحصول على معدل مرتفع يؤهلها لدراسة الطب.
اليوم وصلت سارة إلى الثانوية العامة، لكن المشهد مختلف تمامًا. تخرج إلى خيمة تعليمية تحمل دفترًا واحدًا وقلم رصاص، وسط نقص حاد في المقومات التعليمية.
ورغم ذلك، تؤكد أن طموحها لم يتغير، وأن معركتها اليومية أصبحت تتمثل في تحدي غياب المناهج والظروف المعيشية القاسية والحفاظ على شغفها بالتعلم، أملاً في الوصول إلى الحلم ذاته.
من الصفوف المجهزة إلى التعليم تحت قماش الخيام
وتوضح المعلمة وطفة الفرا، التي تعمل في مدرسة الأحمد، أن العملية التعليمية قبل الحرب كانت تسير وفق خطط تربوية واضحة داخل فصول مجهزة، بحيث تمتلك كل مرحلة عمرية منهجها ومقاعدها ووسائلها التعليمية المناسبة.
لكنها اليوم تجد نفسها أمام واقع مختلف؛ إذ تدرّس أطفالًا من أعمار ومستويات تعليمية متعددة في الجلسة ذاتها، تحت قماش خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات البيئة الصفية.
وتشير الفرا إلى أن الجهد الأكبر للمعلمين لم يعد يتركز فقط على استكمال المناهج، بل على محاولة معالجة الفقدان المعرفي والنفسي الذي راكمته سنوات الحرب والانقطاع عن التعليم، بالاعتماد على وسائل بديلة شديدة البساطة، من بينها سبورة صغيرة مثبتة على أحد أعمدة الخيمة.
أبو رامي.. حين خرج الدفتر والقلم من ميزانية الأسرة
بالنسبة إلى أبو رامي (51 عامًا)، وهو رب أسرة لأربعة أبناء، كانت بداية العام الدراسي تمثل عبئًا ماليًا كبيرًا، لكنها كانت ترتبط في الوقت نفسه بفرحة عائلية منتظرة.
يقول إن تجهيز أبنائه للمدارس كان يستهلك في بعض السنوات ما يعادل ميزانية شهر كامل بين الأحذية والزي الرسمي والحقائب والقرطاسية، لكن الأسرة كانت تستقبل هذه النفقات باعتبارها جزءًا من طقوس العودة إلى الدراسة.
اليوم تغيرت الأولويات بالكامل؛ فطعام اليوم، ومياه الشرب، ومتطلبات النزوح والخيام، أصبحت في مقدمة حسابات الأسرة.
ويشير أبو رامي إلى أن شراء دفتر أو قلم أصبح خارج القدرة المالية لعدد كبير من العائلات النازحة، في ظل انهيار الظروف المعيشية وارتفاع تكاليف الاحتياجات الأساسية.
موسم المدارس الذي اختفى من الأسواق
ولا يقتصر غياب موسم المدارس على الطلبة والأسر؛ فانعكاساته واضحة أيضًا في الأسواق.
يقول عبد فروانة، صاحب محل لبيع المستلزمات والحقائب في منطقة مواصي خانيونس، إن هذه الفترة من كل عام كانت تمثل ذروة الموسم التجاري، إذ كانت المحال تزدحم بالعائلات الباحثة عن الزي المدرسي والحقائب والقرطاسية، إلى درجة يصعب معها إيجاد مساحة فارغة داخل المحل.
أما الآن، بحسب فروانة، فإن الحركة التجارية المرتبطة بالمدارس تكاد تكون غائبة تمامًا، ولا توحي الشوارع بوجود موسم دراسي جديد، بينما تتركز مشتريات المواطنين على الغذاء والاحتياجات الأساسية.
ويلخص أمنيته بكلمات بسيطة: «بنتمنى ربنا يفرجها علينا في غزة، وترجع الحياة لطبيعتها، ويسترها على هالناس».
أرقام ثقيلة خلف المشهد
وتتقاطع هذه الشهادات الميدانية مع واقع إحصائي ثقيل تكشفه التقارير الرسمية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية.
فبحسب البيانات الواردة، يواجه نحو 620 ألف طالب وطالبة في قطاع غزة حرمانًا متواصلًا من التعليم النظامي، في ظل الدمار الواسع الذي أصاب المنشآت التعليمية وخروج أعداد كبيرة من المدارس عن الخدمة.
كما استُشهد أكثر من 20,051 طالبًا وطالبة في سن التعليم المدرسي، إلى جانب أكثر من 532 معلمًا ومعلمة و769 موظفًا من الكوادر الإدارية والخدمية.
وخرج أكثر من 19,886 طالبًا وطالبة من المنظومة التعليمية نتيجة النزوح والإصابة والسفر، إلى جانب عشرات الآلاف من الطلبة والعاملين في القطاع التعليمي الذين تعرضوا لإصابات مختلفة منذ بدء الحرب.
سبتمبر بلا عودة
هكذا يبدو سبتمبر في غزة مختلفًا عن كل ما ارتبط به لسنوات طويلة. فبدل الحقائب الجديدة وصفوف الصباح والطوابير المدرسية، تحضر الخيام والنزوح والبحث عن الماء والغذاء، فيما تحولت العملية التعليمية من مسار أكاديمي منتظم إلى مبادرات فردية ومحلية تحاول فقط إبقاء الأطفال على صلة بالمعرفة.
ورغم قسوة الواقع وغياب أبسط المستلزمات، تستمر محاولات المعلمين والطلبة داخل الخيام وعلى مقربة من ركام المدارس لإعادة فتح دفاتر التعليم، ومقاومة سنوات الانقطاع، والحفاظ على مساحة صغيرة للأمل في موسم كان اسمه يومًا: العودة إلى المدارس.

























































