اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦
قرأت كتاب 'العقل الأسير' للكاتب البولندي تشيسواف ميووش، الصادر عام ١٩٥٣، قبل ما يزيد على عشرين عاماً. يومها، استوقفني كيف يستطيع المثقف أن يساوم على قناعته، ثم يقنع نفسه بأنه اختار الصواب واليوم وأنا أتأمل أحوال وطننا العربي، تعود إليّ أسئلة الكتاب بوجوه أعرفها ومدن أحبها وأصوات يثقلها التعب. كتب ميووش عن استسلام الفكر لسطوة العقيدة السياسية وعن قدرة السلطة على استمالة أصحاب المعرفة حتى يخدموا روايتها. وما يشغلني الآن هو تلك اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن مراجعة موقفه ويصبح همه العثور على مبرر يحميه من الاعتراف بأنه أخطأ، أو صمت حين كان الكلام واجباً.
أنظر إلى خريطة العرب، فأشعر أن حدودها تمرّ في صدور أهلها وأن المسافات بين مدنها تُقاس بما فقده الناس في الطريق. في الضفة الغربية، يضيق المكان على الفلسطيني حتى يصبح وصوله إلى أرضه سؤالاً يومياً وفي غزة، يحمل النازح مفتاح بيت قد لا يجده ويبحث بين الخيام عن فسحة يطمئن فيها أطفاله إلى أن الليل سيمضي وهم معاً وفي جنوب لبنان، ينتظر بابٌ خُلع من موضعه عائلةً لا تعرف ما الذي بقي من حياتها وراءه. أما السودان، فتتسع فيه مسافة الفراق حتى يعجز المرء عن معرفة أين انتهى طريق من يحب وفي اليمن، ينشأ طفل على انتظار الخبز والدواء، كأن الحياة وعدٌ يتأخر الوفاء به وفي ليبيا، تبقى للحرب يدٌ مدفونة في التراب، تهدد قدم عابر ظن أن الطريق عاد آمناً.
أتأمل هذه الوجوه، فأفكر في قسوة أن يمضي الإنسان عمره محاولاً النجاة، ثم يُطلب منه أن يشكر حظه لأنه ما زال حياً. كيف تستقيم الحياة حين يصير سقف الطموح سقفاً يؤوي، وحين تختصر أمّ أمنياتها كلها في سماع صوت ابنها عند الباب؟ تختلف أسباب المآسي ومسؤولياتها، لكن الفقد يعرف طريقه إلى التفاصيل نفسها، فنجانٌ يبقى في مكانه وثوبٌ تحتفظ به خزانة واسمٌ يكاد صاحبه يُنادى قبل أن ينتبه الجالسون إلى غيابه. ثم تُطوى النشرة، وتبقى العائلة أمام مقعد فارغ، تتعلم ببطء أن الغياب قد يصبح أقدم من الحرب، من دون أن يصبح أخف.
وأكثر ما يؤلمني أن بعضنا ما زال يقيس المأساة بموقعها من انحيازه. يتسع صوته لضحايا، ويضيق عن آخرين، كأن للطفولة هوية تستحق النجاة وأخرى تحتمل التأجيل. هنا أجد صدى العقل الأسير. فحين يسبق الولاء حكم الضمير، تتحول المعرفة إلى حيلة لتبرئة الحليف وتصبح الحقيقة ضيفاً ثقيلاً على مجلس الجماعة.
وفي بقية الأقطار العربية، حيث تتفاوت ظروف الأمن والرخاء ومساحات التعبير، يبقى السؤال عن مكان الإنسان من القرار. ماذا تنفعه الأبراج إن ضاق صدره بكلمة وماذا تمنحه الشعارات إن عجز عن الاطمئنان إلى مستقبله؟ لا يجوز اختزال الأوطان في إخفاقاتها، لكن محبتها تستدعي رؤية الشقوق قبل أن تتسع، والإصغاء لمن يعيشون بعيداً عن واجهات الازدهار.
في الطيران، لا يكفي أن تبدو السماء صافية كي نطمئن إلى سلامة الرحلة. ثمة مؤشرات تُراجع واحتمالات تُحسب وصوت آخر ينبغي الإصغاء إليه وقد يبدأ الخطر عندما يستثقل صاحب القرار الملاحظة، فيعامل التنبيه كأنه اعتراض على مكانته والمجتمع الذي يخشى فيه الناس الإبلاغ عن الخلل يفقد فرصته في تصحيح المسار.
ومع ذلك، أحاذر أن أدين الصامتين بسهولة. أعرف أن الخوف على الأبناء والرزق قد يجعل الكلمة باهظة. لكنني أفرق بين من يحتمي بالصمت ومن يصنع للظلم فضيلة ويطلب من المتألمين الامتنان. الأول يحتاج إلى الأمان والثاني يحتاج إلى مساءلة. وهذه المساءلة تبدأ أيضاً من نفسي، ومن الأفكار التي أرتاح إليها أكثر مما أفحصها.
بعد تلك السنوات، يبدو لي أن سؤال الكتاب الأقرب إلينا هو كيف نحفظ استقلال عقولنا وسط الخوف والانقسام. ربما نبدأ بأن نصدق وجع الإنسان قبل خطاب المتحدث باسمه وأن نقبل التصحيح ونترك لأبنائنا حق السؤال. فالأوطان تستحق وعياً يحرس كرامتها وضميراً يبقى يقظاً حين تتعب العيون. ومن حكمة الرحلة أن سلامة الوصول تبدأ بشجاعة تصحيح المسار.

























































