اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
كان أهالي بلدة حمود في الكرك يشيّعون أحد موتاهم في كنيسة القديس جورجيوس يوم ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ حين أُطلق الرصاص على المشاركين في الجنازة، فقُتل تسعة أشخاص وبعد أقل من أسبوعين، ظهر الخميس ٥ تشرين الثاني، قُتل العريف جواد السلايطة طعنًا أثناء أداء واجبه قرب السفارة السريلانكية في عمّان. في حمود، كان الناس يؤدّون واجب العزاء وفي عمّان، كان جواد في نوبة حراسة وفي المكانين انكسر شيء من الطمأنينة التي تقوم عليها حياتنا اليومية، حين يذهب المرء إلى كنيسته أو عمله على ثقة بأنه سيعود إلى أهله.
لو سُئل المتطرّف عمّا فعله الرجل الذي اعتدى عليه، فقد يجيب بذكر دينه أو الإشارة إلى الزيّ الذي يرتديه وفي هذا الجواب يكمن أصل المشكلة. فالرجل يُحاسَب على ما يتصوّره المعتدي عن جماعة بأكملها ويصبح مجرّد انتمائه إليها دليلًا كافيًا لإدانته. هكذا يُعفي المتطرّف نفسه من عناء التحقّق ومن سماع من أصدر حكمه عليه. ثم تأتي الخطوة الأشدّ خطرًا، حين تمنحه الفكرة التي سوّغت له إيذاء رجل أعزل شعورًا بأنه فعل الصواب. عندئذٍ يحتاج إلى مراجعة المعيار الذي يحكم به على أفعاله، لأن ما كان ينبغي أن يوقظ ضميره صار في نظره سببًا للاطمئنان إليه.
في - معالم في الطريق - أجاز سيد قطب استخدام القوة لإزالة السلطات التي وصفها بالجاهلية، واستلهمت جماعات مسلّحة لاحقًا جوانب من أفكاره وفي - مسائل من فقه الجهاد - المعروف باسم - فقه الدما- قدّم أبو عبد الله المهاجر تبريرات لأعمال قتل وحشية واستند تنظيم داعش إلى كتاباته لتسويغ بعض ممارساته.
واليوم صار الوصول إلى هذه النصوص ومقتطفاتها أسهل عبر الإنترنت وأصبح في وسع القارئ أن يطلب من أداة ذكاء اصطناعي تلخيصها بلغة يسهل فهمها وقد تصل الفكرة إلى شاب في بضعة أسطر تبدو واضحة ومقنعة، بينما يغيب عنها سياقها والخطوات التي انتقل فيها الكاتب من إدانة خصمه إلى تبرير الاعتداء عليه. وهنا يأتي دور التعليم في أن يتعلّم القارئ كيف يفحص الحجة ويسأل عمّا أغفله الملخّص، ويتتبّع كيف انتهى صاحب النص إلى ما يدعو إليه. أما في قضيتي حمود وعمّان، فلا تتضمّن البيانات العلنية التي راجعتها حتى ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦ ما يربط أيًّا من المعتدين بكتاب بعينه.
في المقطع المتداول على فيسبوك، بدا لي أن نحو أربعة أشخاص كانوا على مقربة من جواد السلايطة أثناء الاعتداء وأنهم ظلّوا واقفين يراقبون في الثواني التي يُظهرها التسجيل. وما يؤلمني في المشهد هو التفكير في ما كان يمكن أن يتغيّر لو بادر أحدهم إلى طلب النجدة أو حاول تقديم ما يستطيع من عون آمن. في تقديري، كان التدخّل في تلك اللحظات قد يمنح جواد فرصة للنجاة وربما كان اليوم بيننا. يصعب أن نعرف من تسجيل قصير ما أدركه كلّ واحد منهم أو ما فعله خارج إطار الصورة. لكن السؤال الذي بقي معي هو كم من الوقت يضيع حين يقف أكثر من شخص أمام الخطر، وينتظر كلٌّ منهم أن يبادر غيره؟
وتحية للملازم الثاني فراس العنانزة، الذي سارع إلى نجدة زميله واشتبك مع المعتدي وأوقفه، ثم حاول إنقاذ جواد، وقد أُصيب هو أيضًا وفي شجاعته ما يستحق أن نتأمله. لقد رأى زميله في خطر، وقدّر ما يستطيع فعله بحكم تدريبه ومسؤوليته، وتصرّف في لحظة كانت كل ثانية فيها ذات أثر. وللمدني أيضًا دور يناسب قدرته وموقعه. بهذا المعنى يصبح أمن الناس مسؤولية يتشاركها من يتدخّل لوقف الخطر، ومن يطلب النجدة ومن يحفظ كرامة المصاب حين يكون أضعف من أن يحميها بنفسه.
وفي المدرسة يمكن أن نتدرّب على هذه المسؤولية قبل أن نمتحن فيها. لنتخيّل طالبًا دخل الصف وفي هاتفه مقطع يصف جماعةً كاملة بالخيانة أو الكفر. يستطيع المعلّم أن يناقش معه كيف انتقل المتحدث من واقعة تخصّ فردًا إلى إدانة جماعة وما الدليل الذي قدّمه وكيف يتغيّر معنى الكلام إذا أعيد إلى سياقه. ويستطيع درس التربية الوطنية أن يجعل المواطنة أمرًا يعيشه الطلبة، حين يعملون معًا ويختلفون علنًا، ثم يدافع كلٌّ منهم عن حق زميله في الاعتقاد والعبادة. فمَن يتعلّم أن ينصف زميلًا يخالفه في الصف يكتسب خبرة أخلاقية سيحتاج إليها يوم يسمع من يطالبه بإدانة أناس لا يعرفهم.
وفي البيت، قد تكون لحظة الوقاية حين يجرؤ الابن على عرض المقطع الذي حيّره على والديه. وطريقة استقبال السؤال ستؤثر في المكان الذي سيبحث فيه عن جوابه في المرة التالية. وللمسجد والكنيسة دور في أن يتعرّف الناس بعضهم إلى بعض من خلال عمل مشترك في الحي، من مساندة عائلة أصابها فقد إلى خدمة مدرسة أو رعاية محتاج. حين يعرف الشاب جاره من هذه اللقاءات، تصبح لديه معرفة مباشرة يستطيع أن يختبر بها الصورة التي يرسمها المحرّض لذلك الجار.
وللأردن جهود سابقة في الوقاية من التطرف العنيف يمكن البناء عليها. والمطلوب اليوم أن تُترجم إلى عمل واضح في كل محافظة، بتدريب المعلّمين والمرشدين وإعداد دروس في التحقّق من المحتوى الرقمي، وتوفير جهات يستطيع الأهل والشباب الرجوع إليها لطلب المشورة وينبغي أن تشمل الوقاية مساحات حقيقية لمشاركة الشباب وأن تُقاس نتائجها بقدرة الطالب على كشف التحريض ومناقشته وبمعرفة الأسرة إلى من تلجأ حين يقلقها ما تسمعه أو تراه ويبدأ هذا العمل بالاستماع إلى الشباب أنفسهم، فهم أقدر على وصف ما يصل إليهم عبر هواتفهم، وما يجعل بعض الرسائل مقنعة في أعين أقرانهم.
سيحمل أهل حمود ذكرى جنازة فقدوا فيها تسعة من أحبّتهم وستبقى في بيت جواد السلايطة ذكرى رجل خرج إلى عمله ولم يعد ومن حقّ هذه العائلات علينا أن يمتدّ أثر التعزية إلى ما نعلّمه لأبنائنا عن حرمة حياة الآخرين، وما نفعله حين يصبح إنسان أمامنا بحاجة إلى العون.

























































