اخبار لبنان
موقع كل يوم -أي أم ليبانون
نشر بتاريخ: ١٠ أيار ٢٠٢٦
كتب سعد الياس في 'القدس العربي':
تبدو الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية التي تُعقد في واشنطن يومي الخميس والجمعة المقبلين في الرابع عشر والخامس عشر من ايار/مايو الحالي مختلفة عن الجولتين السابقتين من حيث الشكل والمضمون. ففي الشكل سيضمّ الوفد اللبناني هذه المرة السفير السابق في الولايات المتحدة سيمون كرم، والسفيرة الحالية ندى حمادة معوض، ونائب رئيس البعثة الدبلوماسية وسام بطرس، بالإضافة إلى الملحق العسكري الحالي في السفارة اللبنانية في واشنطن. فيما أفيد أن الوفد الإسرائيلي قد يكون برئاسة الوزير السابق للشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية رون ديرمر إلى جانب السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة يخئيل لايتر. وبالنسبة إلى التمثيل الأمريكي فسيحضر مستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام، والسفير الأمريكي لدى لبنان ميشال عيسى، والسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، وفريق من وزارة الخارجية قد يترأسه الوزير ماركو روبيو.
أما من حيث المضمون، فتشير المعطيات إلى أن المحادثات ستتطرق للملف الأمني ليس فقط من زاوية وقف إطلاق النار بل من زاوية سلاح «حزب الله»، وضرورة وضع جدول زمني لمعالجة هذا الملف الشائك للانتقال من مرحلة احتواء المواجهة إلى مرحلة الحسم في ظل اعتقاد أمريكي وإسرائيلي أن أي استقرار دائم على الحدود الجنوبية لن يكون ممكنًا من دون معالجة جذرية لمسألة السلاح الخارج عن سلطة الدولة. وكان لافتاً موقف وزير الخارجية الأمريكي من «أننا لن نتفاوض مع حزب الله بل نركز على التعامل مع الحكومة اللبنانية»، مشددًا «على ضرورة قطع مصادر تمويل الحزب ودعم الحكومة اللبنانية».
وعلى هذا الأساس، فإن الجولة الثالثة تختلف عن سابقاتها وهي أبعد من اجتماع تحضيري بل أصبحت في مرحلة لقاء لوضع أسس التفاوض المباشر وفي طليعتها بحسب الوفد اللبناني البند الأهم المتمثل بتثبيت وقف إطلاق النار ووقف عمليات الهدم والتجريف في البلدات الحدودية، للانطلاق إلى الملفات الأخرى المتعلقة بعودة النازحين وتحرير الأسرى وإعادة الإعمار، وذلك بناء على توجيهات رئيس الجمهورية العماد جوزف عون الذي ما زال عند موقفه برفض أي فرض لإيقاع سياسي على لبنان تحت ضغط أي تهديد أو تهويل، ممتنعاً عن لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل التوصل إلى تحقيق تقدم فعلي وملموس في المفاوضات.
وينطلق الرئيس عون من قناعات وطنية ثابتة لديه ولا يتخذ قراراته بناء على ضغوط أو تحت وطأة التهديد خصوصاً من جانب «حزب الله». فالرئيس الآتي من المؤسسة العسكرية ومن خلفية وطنية ينظر إلى مسألة السيادة باعتبارها خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، وبالتالي لا يخضع الرئيس للابتزاز السياسي ولا يحتاج دروساً في الوطنية ولا يتوقف عند مزايدات وخطابات شعبوية، بل يعمل وفق منهجية تعتمد على التوازن بين الواقعية السياسية وبين الثوابت الوطنية بعيداً عن المغامرات التي جرّت لبنان إلى حروب أو إلى توترات داخلية.
وسبق لرئيس الجمهورية أن أكد «بلغة العهد والوعد، أنه لن يكون هناك أي اتفاق يمس حقوقنا الوطنية أو ينتقص من كرامة شعبنا الصامد أو يفرط بذرة من تراب هذا الوطن»، قائلاً «هدفنا واضح ومعلن: وقف العدوان الإسرائيلي على أرضنا وشعبنا، الانسحاب الإسرائيلي، بسط سلطة الدولة على كامل أرضها بقواها الذاتية حصراً، عودة الأسرى، وعودة ناسنا إلى بيوتهم وقراهم موفوري الأمن والحرية والكرامة». وهذا ما يفسّر تمسّكه بضرورة تحقيق إنجاز تفاوضي واضح يحفظ حقوق لبنان في أرضه وسيادته قبل الانتقال إلى أي مرحلة أخرى، مدركاً أنه سيكون عرضة لهجمات ولتخوين بسبب نزع الورقة اللبنانية من يد إيران و«حزب الله» واستعادة الدولة اللبنانية قرارها للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن.
إلا أن المساعي الرئاسية لإنقاذ لبنان ما زالت تصطدم برفض «حزب الله» الذي يطلق الاتهامات شمالاً ويميناً حول أن المفاوضات التي يخوضها الوفد اللبناني هي تنازل مجاني وتمثل ضعفاً.
وحسب مصادر سياسية فإن أحد أبرز الأسباب لهذه الهجمة من قبل «حزب الله» على رئيس الجمهورية وعلى كل من يدعم خيار المفاوضات المباشرة هو أن «الحزب» يرغب في أن يتولى هو هذا التفاوض بطريقة غير مباشرة للمقايضة بين حقوق وسيادة لبنان وبين سلاحه، وهذا ما ترفضه الإدارة الأمريكية.
من هنا، كانت دعوة رئيس الجمهورية إلى العقلانية والابتعاد عن الشعارات المضللة، وتأكيده الصريح أنه والشعب اللبناني مع الحياة للوطن وليس مع الموت العبثي المجاني والدوري بذرائع القضايا الخارجية. وعلى الرغم من أن كثيرين من البيئة الحاضنة لـ «حزب الله» ما زالوا يدافعون عن منطق محور الممانعة ويطلق بعضهم وبينهم نواب تهديدات للرئيس عون من أن لقاءه نتنياهو يعني «توديعاً للبنان» الذي نعرف، إلا أن شريحة أخرى من الطائفة الشيعية باتت على اقتناع بعد ما شهدته من دمار وقتل وتهجير بأن هناك مَن استغل عواطفها ليبني مجده على حساب استقرار الجنوب وقراه وبلداته.
في غضون ذلك، جاءت الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية في أول خرق كبير منذ وقف إطلاق النار ليؤشر إلى أن العودة إلى توسيع الحرب وعدم حصرها بالجنوب هو أمر غير مستبعد في حال نجح «حزب الله» في تجميد المفاوضات أو تفريغها من مضمونها. ما يعني التصويب على أهم فرصة مدعومة أمريكياً وعربياً ودولياً لإنقاذ البلد من المآسي المفتوحة منذ سنوات ووضع لبنان على سكة الحل الفعلي وصولاً لاستعادة حياته الطبيعية. وبالتالي تدعو قوى سياسية «حزب الله» إلى التوقف عن التصويب على المفاوضات المباشرة وتخوين رئيس الجمهورية ومحاولة تهديده، داعية إياه إلى التذكّر أنه لولا الحرب التي أعلنها بمفرده تارة تحت شعار «وحدة الساحات» وطوراً تحت شعار «الثأر لخامنئي» من دون مشاورة الدولة ولا باقي اللبنانيين لما كان خيار التفاوض مطروحاً في الأصل.











































































