اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
لم يكن هاني دبابش يتخيل أن تنتهي ثلاثة عقود أمضاها في خدمة وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، بقرار فصله من عمله، بعدما أمضى 21 شهراً في سجون الاحتلال، قبل أن يعود إلى وظيفته ويواصل العمل ثمانية أشهر أخرى، ليجد نفسه فجأة خارجها، من دون مصدر دخل يعيل به أسرته أو يوفر احتياجاتها الأساسية.
ومنذ صدور قرار فصله في 11 يونيو/حزيران 2026، يعيش دبابش، إلى جانب عشرات الموظفين المفصولين، فصلاً جديداً من المعاناة، لا يقتصر على خسارة الوظيفة، بل يمتد إلى مستقبل الأبناء والتعليم والعلاج، في وقت يواصل فيه وزملاؤه اعتصامهم داخل مقر الوكالة في قطاع غزة، مطالبين بإعادتهم إلى أعمالهم واسترداد حقوقهم الوظيفية.
ويقول دبابش، الذي بدأ العمل في (أونروا) عام 1996، إنه أمضى نحو 30 عاماً موظفاً في الوكالة، وعمل سائقاً لمديري عملياتها في القطاع، وكان آخرهم توماس وايت، إلى جانب مدير عمليات الوكالة في الضفة الغربية سكوت أندرسون، خلال فترة عملهما في جنوب قطاع غزة.
وكانت مهمته تقتضي نقل المسؤولين إلى أماكن عملهم ومنازلهم والعيادات ومراكز الإيواء، قبل أن يتعرض للاعتقال في أثناء تأدية عمله، حين كان ضمن مهمة لتنسيق إخراج وفد طبي أجنبي محاصر داخل مجمع ناصر الطبي، عبر أحد حواجز الاحتلال مطلع عام 2024.
ويضيف لصحيفة 'فلسطين' أن قوات جيش الاحتلال أنزلته من مركبة الوكالة واعتقلته، ليقضي نحو 21 شهراً في السجن، قبل الإفراج عنه وعودته إلى العمل، مؤكداً أن راتبه لم يتوقف خلال فترة اعتقاله، وأنه استأنف أداء مهامه بصورة طبيعية لمدة ثمانية أشهر، إلى أن فوجئ بقرار الفصل.
ويشير دبابش إلى أن رسالة المفوض العام للوكالة ربطت القرار بادعاءات إسرائيلية، رغم إقراره، وفق ما ورد في الرسالة، بأنه طلب من الجهات الإسرائيلية تقديم أدلة تثبت تلك الادعاءات، لكنه لم يتلقَّ أي رد حتى ذلك الوقت.
ويقول إن الموظفين المفصولين سلكوا المسار القانوني ورفعوا دعاوى أمام محكمة نزاعات أونروا في الأردن، غير أن إجراءات التقاضي قد تستغرق عاماً أو عامين، وربما أكثر، وهو ما دفعهم إلى مواصلة الاعتصام للمطالبة بإنصافهم وعدم انتظار سنوات للحصول على حقوقهم.
ولم يكن دبابش وحده من وجد نفسه أمام هذا الواقع، إذ يروي باسم مقداد، أخصائي العلاج الطبيعي في دائرة الصحة بالوكالة، أن قرار الفصل باغته في أثناء توجهه إلى العمل في 11 يونيو/حزيران الماضي، عبر رسالة إلكترونية من إدارة الوكالة، أبلغته بفصله استناداً إلى ادعاءات إسرائيلية قالت إنها غير مثبتة لديها.
ويقول مقداد، الذي عمل في أونروا منذ عام 2006، لـ'فلسطين' إنه فوجئ لاحقاً بأن القرار شمل نحو 70 موظفاً، بعدما جُمّدت حساباته المصرفية ومحافظه المالية، ليجد نفسه من دون مصدر دخل، ويضطر إلى الاستدانة والاعتماد على المساعدات لتوفير احتياجات أسرته.
ويؤكد أنه لم يتغيب عن عمله منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى صدور قرار فصله، موضحاً أنه عمل في أقسام الطوارئ ومؤسسات الوكالة ومراكز الإيواء والعيادات بين رفح وخان يونس، ولم يتسبب، بأي ضرر لزملائه أو اللاجئين الذين كانوا يترددون على المرافق الصحية.
ويضيف أن العمل كان يمثل محور حياته على مدار 20 عاماً، وأن فقدانه لم يكن مجرد خسارة وظيفة، بل ضربة لحياته الأسرية والاجتماعية، لا سيما أنه يعيل أسرة من ستة أفراد، ولديه أربعة أبناء يدرسون في الجامعات، بات عاجزاً عن تغطية نفقاتهم الجامعية.
ولا تتوقف تداعيات القرار عند الجانب الاقتصادي، بحسب مقداد، إذ يقول إن الاتهامات المرتبطة بالفصل انعكست على علاقاته الاجتماعية، وأثارت مخاوف لدى بعض المحيطين به، حتى إن بعض المستأجرين تعرضوا للطرد من مساكنهم، فيما تراجع تواصل جيران وأقارب معهم، خشية التعامل مع أشخاص ارتبطت أسماؤهم بادعاءات إسرائيلية.
ويصف ما يمر به الموظفون بأنه تدمير لحياتهم، خصوصاً أن بعضهم تجاوز الخمسين من العمر، وأصبح من الصعب عليه العثور على فرصة عمل بديلة بعد سنوات طويلة قضاها في خدمة الوكالة.
أما دبابش، فتتخذ معاناته بعداً إضافياً، إذ يعيل أسرة من ستة أفراد، بينهم مصاب أصيب خلال فترة اعتقاله، بعدما أطلق جيش الاحتلال النار عليه أثناء خروجه للحصول على بعض الطحين، ما أدى إلى إصابته في الحبل الشوكي وإصابته بالشلل.
ويقول إنه بات عاجزاً عن توفير العلاج والرعاية اللازمة له، فضلاً عن تحمل تكاليف تعليم ابنته التي تدرس طب الأسنان وابنه الذي يدرس التمريض في جامعة الأزهر، بعدما كان راتبه يشكل مصدر الدخل الأساسي للأسرة.
ويضيف أن أسرته أصبحت تعتمد على المساعدات والتكايا، وتنتظر وصول كرتونة المساعدات وكيس الطحين الذي تحصل عليه مرة كل ثلاثة أشهر، في ظل غياب أي دخل ثابت.
وبعد وعود سابقة من إدارة الوكالة بإيجاد حلول خلال 48 ساعة، ثم تقديم وعود أخرى بعد شهرين أو ثلاثة أشهر، يقول دبابش إن الموظفين عادوا إلى الاعتصام عقب عدم تنفيذ تلك الوعود، مشيراً إلى أنهم يمضون يومهم الحادي عشر داخل مقر الوكالة، في خان يونس، متمسكين بمطلب العودة إلى العمل.
وعلى الرغم من لجوء الموظفين إلى القضاء، فإن طول أمد التقاضي يضاعف مخاوفهم من استمرار أوضاعهم المعيشية الصعبة، إذ يشير مقداد إلى أن صدور حكم في القضية قد يستغرق ثلاث أو أربع سنوات.
وبين سنوات الخدمة والاعتقال والعمل خلال حرب الابادة، يجد هؤلاء الموظفون أنفسهم اليوم أمام معركة جديدة عنوانها استعادة وظائفهم وحقوقهم، بعدما تحولت قرارات الفصل، من إجراء إداري إلى أزمة تطال أسرهم وتعليم أبنائهم واحتياجاتهم اليومية، في حين يواصلون الاعتصام على أمل العودة إلى أعمالهم وإنهاء حالة الانتظار المفتوح.

























































