اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١٦ أذار ٢٠٢٦
ليس ما تتعرض له قناة MTV أو جريدة نداء الوطن أو عدد من الإعلاميين والمنصات الحرة في لبنان مجرد سجال إعلامي عابر. فالهجوم المنظم الذي يشنه جمهور حزب الله وشتّامو محور الممانعة ضد هذه المؤسسات لا يمكن فهمه فقط بوصفه اختلافاً في الرأي أو منافسة إعلامية. ما يجري أعمق من ذلك بكثير؛ إنه تعبير عن صراع قديم بين سلطة تحاول احتكار الحقيقة وبين إعلام يصرّ على كشفها.
الطغاة في كل زمان يكرهون شيئًا واحدًا أكثر من أي شيء آخر: الرأي الحر. ليس لأنهم يخشون النقد فحسب، بل لأن وجود صوت مستقل يهدد البنية الرمزية التي يقوم عليها حكمهم. فالمشروع السلطوي لا يعيش فقط بالقوة، بل يعيش أيضًا بالرواية. رواية تقول إن الزعيم لا يخطئ، وإن المشروع لا يُسأل، وإن المعركة التي تُخاض باسم الجماعة هي قدر تاريخي لا يجوز التشكيك فيه.
لكن الإعلام الحر يفعل شيئاً خطيرًا بالنسبة لهذه الأنظمة: إنه يطرح الأسئلة.
والسؤال، في الأنظمة التي تبني شرعيتها على الأسطورة، أخطر من السلاح. فحين يطرح صحافي سؤالاً بسيطًا حول كلفة الحروب التي فُرضت على لبنان، أو حول مصير الدولة، أو حول من يملك قرار الحرب والسلم، فإن هذا السؤال يهدد الرواية التي تم بناؤها طوال سنوات. ولهذا السبب، لم يعد القمع يكتفي بالرصاص، بل انتقل إلى الاغتيال المعنوي الممنهج. يتم تحويل الإعلامي فوراً من ناقد إلى عدو، وتُسحب القضية من حيز النقاش العام إلى حيز التخوين والعمالة، لإهدار دم الصحفي معنوياً وعزله عن محيطه قبل التفكير في تصفيته جسدياً.
إن هذا الهجوم الشرس يهدف إلى ما هو أبعد من إسكات الخصوم؛ إنه يهدف إلى إحكام القبضة على الوعي الجمعي للبيئة الحاضنة. يسعى الحزب من خلال تعميم ثقافة الأسطورة غير القابلة للنقد إلى تحويل بيئته إلى مجتمع لا يفكر ولا يناقش، مجتمع يكتفي بالتلقي والتصفيق. إنهم يخشون أن تصل أسئلة الإعلام الحر إلى مسامع جمهورهم، لأن السؤال هو بداية الوعي، والوعي هو العدو الأول لمنطق التكليف والتبعية المطلقة. إنهم يريدون لبنان ساحة صامتة، ورواية واحدة، وشعباً يرى في السؤال خيانة وفي النقد طعنة في الظهر.
هذه ليست ظاهرة لبنانية فريدة، فالتاريخ مليء بالأمثلة على العلاقة المتوترة بين الأنظمة الأيديولوجية والإعلام الحر. القاعدة واحدة: كل رواية رسمية تحتاج إلى إسكات الأصوات التي قد تكشف هشاشتها. ومن هنا يمكن فهم العداء المستمر الذي يواجهه الإعلام الحر في لبنان. فوسائل إعلام مثل MTV أو نداء الوطن لا تمثل فقط خطاً سياسياً معيناً، بل تمثل شيئاً أخطر بالنسبة لمنطق الأنظمة المغلقة: فضاءً عاماً يسمح بتعدد الروايات.
وفي عالم يقوم على احتكار الحقيقة، يصبح التعدد تهديداً.
الأنظمة الواثقة من روايتها لا تحتاج إلى إسكات الآخرين؛ هي تناقشهم. أما حين يصبح الخيار هو الهجوم الإلكتروني، أو التحريض الجماهيري، أو التخوين المنهجي، فإن ذلك يكون غالباً اعترافاً غير مباشر بأن الرواية المضادة بدأت تزعج أكثر مما ينبغي، وأن حصون الأسطورة بدأت تتصدع أمام منطق الواقع.
لقد أثبت التاريخ اللبناني أن الإعلام الحر قد يتعرض للضغط، لكنه لا يختفي. فالإعلام الذي فشل النظام الأمني اللبناني السوري في إخضاعه طوال سنوات من القمع والوصاية، لن تنجح في إخضاعه اليوم بعض الجيوش الإلكترونية أو حملات التخوين.
تحية إلى كل من يقف اليوم في خط الدفاع الأول عن الكلمة الحرة. إنكم لا تدافعون فقط عن مؤسسات، بل تدافعون عن فكرة لبنان: لبنان الذي يقوم على حق الاختلاف، وعلى إمكانية مساءلة أي سلطة. ولا بدّ لهذا الإعلام أن ينتصر، لأن الحقيقة البسيطة هي أن الرأي الحر قد يُحاصر، لكنه لا يُكسر.











































































