اخبار فلسطين
موقع كل يوم -راديو بيت لحم ٢٠٠٠
نشر بتاريخ: ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٦
بقلم: د. صبري صيدم
في ليلةٍ واحدة، تقاطع فيها أمران مهمان: تعطلت خدمات منصة «إكس» المعروفة سابقاً بـ 'تويتر' وازداد اشتعال الحملة العالمية على نموذج الذكاء الاصطناعي «غروك» والذي اعتبر نتاج بنات أفكار مالك إكس إيلون ماسك، ليجد العالم الرقمي نفسه فجأة أمام مشهد مرتبك تختلط فيه الأمور التقنية مع الأمور القيمية: عطب تقني في مربع الفضاء الإلكتروني، وعطب أخلاقي في الفضاء الآدمي أصاب صميم أحد أكثر التطبيقات إثارة للجدل.
قراءة هكذا حال إنما تقاطعت أيضاً مع حقيقة أساسية تشغل بال البشر، لتتحول تدريجياً إلى قضية ملحة تفرض نفسها على المجتمعات قاطبة، خاصة في خضم تنامي تقنيات الذكاء الاصطناعي: هذه التقنيات على صاروخيتها في التطور والنمو، لا يمكن أن تُترك بلا ضوابط، ولا يمكن أن تتحول إلى كيان منفلت من القيم والكوابح الإنسانية بحجة ان الأشخاص الذين تعرض صورهم عراة في تطبيق غروك مثلاً، هم ليسوا أشخاصاً حقيقين بل هم نتاج التوليد الإلكتروني لشخصيات وهمية بجودة قريبة للحقيقة والواقع.
لذا فإن الهجوم على تطبيق «غروك» لم يكن عبثياً أبداً. فالنموذج، الذي رُوِّج له باعتباره قادرا على كسر الضوابط القانونية والرقابية، ويمتلك الجرأة على تحدي الركائز الاجتماعية، إنما تجاوز بالنسبة لمجتمعات عدة حتى تلك التي تعتبر نفسها 'متحررة' و'منفتحة'، حدود القيم واللياقة والأخلاق، بل تجاوز خطوطًا حمراء استثارت مشاعر البشر، وكراماتهم الإنسانية، واحترام قيمهم وصون خصوصياتهم وعاداتهم ومفاصل حياتهم.
وعليه فقد خرج النقاش (مع غروك) من بعده التقني البحت، وبات يطرح نقاشًا أخلاقياً وقيميًا بامتياز يرتكز إلى عناصر عدة: ما هو المسموح؟ ، ومن يضع محددات هذا المسموح وما هي حدوده؟ وأين هي قوانين الدول التي توّصف ما يمكن تداوله؟ وما لا يمكن حتى مجرد الاقتراب منه؟
إن الدعوة إلى إخضاع تطبيق «غروك» وغيره من النماذج القائمة والتي ستولد لاحقاً، لضوابط أخلاقية مشددة وعلى صعوبة تطبيقها، ليست دعوة إلى تكميم الأفواه الرقمية، بل إلى حماية البشرية من المزيد من الانهيار الخلقي القائم على مفاهيم الحرية والتحرر والانفتاح. فالحرية، في عالم الذكاء الاصطناعي يجب أن تكون تماماً كما الحرية في عهد الذكاء الآدمي المتواصل، تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين، وهي في ذات المقام لا تعني أبداً الفوضى، و الانزلاق في أتون الاستباحة المطلقة لكل شيء، فالجرأة والجسارة لا تبرران الإساءة، والابتكار في عصر الذكاء الاصطناعي لا يغيّر من ركائز العلاقة الإنسانية في المجتمعات داخلياً، وبين المجتمعات وعلاقتها بمجتمعات خارجية ، ولا يمنح حصانة ضد أي مساءلة وملاحقة.
القاعدة البشرية تقول بعدم السماح لأي نموذج تقني علمي، مهما علت إمكانياته وتعاظمت قدراته، أن يتجاوز الثوابت البشرية أو يتلاعب بالقيم العامة تحت شعارات 《الانفتاح》و《التحرر من المساءلة القانونية》و«الحياد»، ويجب أن لا يسمح له بأن يتطاول على «عادات الشعوب ومعتقداتها».
أما ما ذكر عن توقف خدمات تطبيقات «إكس» في تلك الليلة، فقد أعاد التذكير بهشاشة الخدمات الرقمية، وبأن القوة التقنية ليست مارداً لا يمكن إيقافه خاصة عندماً يمتلك خطرًا مضاعفًا. المنصات والنماذج معًا تحتاج حتماً إلى إطار حوكمة واضح، يوازن بين الابتكار والمسؤولية.
تقول منصات الذكاء الاصطناعي في عالم المعركة التي تدور اليوم بين التقانة وأخلاقياتها: معركة اليوم ليست ضد الذكاء الاصطناعي، بل من أجله: ذكاء منضبط، أخلاقي، يخدم الإنسان ولا يتعالى عليه، ويعرف بأن الخطوط الحمر ليست عائقًا أمام التقدم، بل شرطًا لاستدامته.
إن ما كتبته أعلاه وإن كان يعبر عن قناعات يتقاطع معها كثيرون، إلا أنني أعي تماماً بأن تطبيقها وحمايتها لن يكون أمراً سهلاً، خاصة وأن رؤى سابقة قد واكبت ولادة الانترنت والاستنساخ وأجيال الاتصالات على تعددها وغيرهم من تقنيات الحداثة العلمية، بقيت وحتى تاريخنا هذا محل سجال آدمي لم ينتهِ أبداً، بينما استمر البعض بفعل ما يحلو لهم دونما ضوابط أو حتى مكابح. ولا أنسى طبعاً الدور الذي تلعبه الإدارة الأمريكية الحالية في الإطاحة بكثير من المحاذير والمحظورات. للحديث بقية!

























































