اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢١ تموز ٢٠٢٦
خاص / شهاب
أعاد تقليص المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة أزمة الخبز إلى الواجهة، بعد أن خفّض برنامج الأغذية العالمي كميات الخبز المخصصة للأسر، وأغلق عددًا من نقاط التوزيع التي كانت تخدم آلاف المواطنين في مختلف مناطق القطاع. ومع تراجع الكميات المتاحة، عادت الطوابير أمام المخابز ونقاط التوزيع، فيما اضطر كثير من السكان إلى التنقل بين أكثر من مركز بحثًا عن ربطة خبز، في ظل استمرار الاحتلال في إغلاق المعابر وتقييد إدخال الطحين والوقود اللازمين لتشغيل المخابز.
في مدينة غزة ومناطق أخرى من القطاع، انعكس تقليص نقاط توزيع الخبز بشكل مباشر على حياة المواطنين، إذ باتت العائلات تضطر إلى التوجه نحو مراكز محدودة بقيت قيد العمل، ما تسبب في اكتظاظ أعداد كبيرة من المنتظرين منذ ساعات الصباح الأولى. ويقول الأهالي إن المسافات التي يقطعونها للحصول على الخبز ازدادت بعد إغلاق النقاط القريبة منهم، فيما لا تضمن ساعات الانتظار الطويلة حصولهم على الكمية المطلوبة، بعد نفاد الخبز قبل وصول الدور إلى كثير من المنتظرين.
مصدر قلق يومي
ومن بين الذين تغيّرت تفاصيل حياتهم اليومية بفعل هذا الواقع، أشرف أبو مرق (40 عامًا)، الذي وجد نفسه مضطرًا إلى إعادة ترتيب يومه بعد إغلاق نقطة توزيع الخبز القريبة من مكان إقامته.
ويقول إن إغلاق النقطة أعاده مجددًا إلى طوابير الانتظار، بعدما كان يعتمد عليها في تأمين احتياجات عائلته، موضحًا أن الحصول على ربطة الخبز أصبح مصدر قلق يوميًا، خاصة مع حاجة الأطفال إليها وعدم وجود بدائل متاحة.
ويضيف أبو مرق أن الخبز أصبح الغذاء الأكثر اعتمادًا بين الأسر في قطاع غزة، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار المواد الأساسية، فيما بات من الصعب على العائلات إعداد الخبز داخل منازلها بسبب غياب الوقود والكهرباء وارتفاع تكلفة البدائل، سواء من الحطب أو وسائل إشعال النار. ويشير إلى أنه يعيش منذ يومين حالة من القلق خشية عدم تمكنه من توفير رغيف الخبز لأطفاله في ظل تقلص الكميات وإغلاق نقاط التوزيع القريبة.
في حين تقول فاطمة عبد الهادي (62 عامًا) إن إغلاق نقطة توزيع الخبز القريبة منها قلب تفاصيل يومها، بعدما أصبحت تضطر للسير نحو ساعة للوصول إلى أقرب مكان تحصل منه على الخبز. وتوضح أنها منذ قرار تقليص نقاط التوزيع باتت تقضي وقتًا طويلًا في الطوابير، ففي اليوم الأول امتد انتظارها لأكثر من ثلاث ساعات، ما يعني أن تأمين ربطة الخبز لعائلتها أصبح يأخذ من يومها ساعات كانت تقضيها في تدبير احتياجات أخرى.
وتخشى عبد الهادي أن تتواصل هذه الإجراءات ويصبح الحصول على الخبز أكثر صعوبة، كما حدث خلال فترات الحرب، قائلة إنها حتى لو توفر لديها ثمن الدقيق فإنها لا تستطيع تحمل كلفة خبزه، فلا يوجد وقود كافٍ، والحطب الذي تلجأ إليه العائلات ارتفع سعره مع كل أزمة.
وتشير إلى أن تأخر الخبز يعني تأخر الطعام داخل منزلها، وأن أحفادها الأيتام قد ينتظرون حتى بعد الظهر للحصول على أول وجبة، في وقت أصبحت فيه ربطة الخبز من أكثر الاحتياجات التي تشغل بال الأسر يوميًا.
وتأتي هذه الشهادات في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تدهور الأمن الغذائي في قطاع غزة، مع استمرار تراجع تدفق المساعدات والمواد الأساسية.
ووفق وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية، يحتاج القطاع إلى نحو 600 شاحنة يوميًا من الغذاء والمستلزمات الأساسية، بينما لا يدخل فعليًا سوى ما بين 190 و250 شاحنة، ما يعني عجزًا يتجاوز 65% عن الحد الأدنى المطلوب.
مستويات حرجة
وأدى هذا التراجع إلى توقف عدد من المطابخ والتكايا الخيرية التي كانت توفر وجبات يومية للأسر النازحة والأشد فقرًا، في وقت تشير التقديرات إلى أن 77% من سكان القطاع يواجهون مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم أكثر من 100 ألف طفل مهددون بسوء التغذية الحاد.
ويعكس واقع المخابز حجم الاعتماد الذي بات عليه سكان القطاع في تأمين الخبز اليومي، إذ تؤكد جمعية أصحاب المخابز أن نحو نصف سكان قطاع غزة يعتمدون حاليًا على الخبز المدعوم، بعد أن كانت هذه النسبة تتجاوز 70% خلال مراحل سابقة، وذلك مع تراجع إنتاج المخابز وانخفاض كميات الدقيق المخصصة لهذا النوع من الخبز.
ويقول كامل عجور، صاحب مجموعة مخابز عجور، إن المخبز لا يستطيع الاستمرار في تلبية احتياجات المواطنين بالقدرة المطلوبة دون توفر الدقيق والوقود بشكل منتظم، موضحًا أن المشكلة تبدأ من نقص المواد التي تدخل في عملية الإنتاج قبل أن تصل إلى نقاط التوزيع. ويشير إلى أن مخابز القطاع كافة تحتاج إلى نحو 40 ألف لتر من السولار يوميًا حتى تعمل بطاقتها الإنتاجية الكاملة، بينما يؤدي أي نقص في الوقود إلى خفض ساعات التشغيل وتقليص كميات الخبز المنتجة.
ويضيف عجور أن الضغط على الخبز المدعوم ازداد بشكل واضح، في ظل تراجع القدرة الشرائية لدى الأسر وارتفاع أسعار الخبز التجاري، ما جعل آلاف العائلات تعتمد على الكميات المحدودة التي تصل عبر برامج الدعم. ويوضح أن استمرار عمل المخابز لا يرتبط فقط بتوفر الدقيق، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الوقود والزيوت وقطع الغيار اللازمة لصيانة خطوط الإنتاج، وهي جميعها مواد أصبحت صعبة التوفير في ظل القيود المفروضة على إدخال البضائع إلى القطاع.
وتوضح هذه المعطيات أن أزمة الخبز الحالية لا تقف عند حدود إغلاق نقاط التوزيع أو طول الطوابير، بل تمتد إلى قدرة المخابز نفسها على الإنتاج، الأمر الذي يجعل أي تراجع جديد في الإمدادات ينعكس مباشرة على حياة الأسر التي تعتمد على الرغيف كغذاء أساسي يوميًا.
ويرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن أزمة الخبز التي عادت إلى الواجهة في قطاع غزة لا يمكن فصلها عن واقع اقتصادي وإنساني أكثر اتساعًا، مشيرًا إلى أن الأرقام المتوفرة تعكس فجوة كبيرة بين الاحتياجات الفعلية للسكان وما يدخل إلى القطاع من مساعدات وبضائع.
ويقول أبو قمر لـ'شهاب': 'إن قطاع غزة يحتاج يوميًا إلى نحو 600 شاحنة من المساعدات والاحتياجات الأساسية كحد أدنى، فيما تتجاوز الحاجة الفعلية هذا الرقم، بينما لا تدخل فعليًا سوى أعداد محدودة من الشاحنات، موضحًا أن شاحنات المساعدات الإنسانية لا تتجاوز في كثير من الأحيان 60 إلى 70 شاحنة يوميًا، معظمها من الطحين والمعلبات، في حين تدخل بقية السلع عبر مسارات تجارية بتكاليف مرتفعة تفوق قدرة غالبية المواطنين'.
مزيد من التدهور
ويشير أبو قمر إلى أن الحديث عن تحسن الأوضاع الاقتصادية لا ينسجم مع الواقع المعيشي للسكان، موضحًا أن معدلات البطالة ما تزال عند مستويات مرتفعة، وأن غالبية الأسر تعتمد على المساعدات في ظل اتساع دائرة الفقر وتراجع مصادر الدخل.
ويضيف أن اقتصاد القطاع تعرض لانكماش حاد خلال سنوات الحرب، وفقد قطاعات واسعة من قدرته الإنتاجية، بينما ما تزال المواد الخام ومستلزمات تشغيل القطاعات المختلفة تواجه قيودًا على الدخول.
ويؤكد أن استمرار منع إدخال مستلزمات الإنتاج، حتى البسيطة منها، يعرقل أي محاولة لتعافي الأسواق أو عودة دورة العمل، لافتًا إلى أن أزمة السيولة ما تزال تلقي بظلالها على حياة المواطنين، مع استمرار صعوبة توفر النقد وتجمّد جزء من التعاملات المالية.
ويلفت أبو قمر إلى أن أزمة الوقود تمثل عاملًا إضافيًا يضاعف الضغوط على مختلف القطاعات، ومنها المخابز، موضحًا أن القطاع يحتاج إلى كميات أكبر بكثير مما يدخل فعليًا، وأن نقص الوقود ينعكس مباشرة على الإنتاج والخدمات الأساسية.
ويخلص إلى أن ما يجري في غزة ليس أزمة خبز منفصلة، بل نتيجة مباشرة لتراكم أزمات الغذاء والطاقة والاقتصاد، ما يجعل الوضع الإنساني قابلًا لمزيد من التدهور إذا لم تتغير آليات إدخال المساعدات وتوفير الاحتياجات الأساسية.

























































