اخبار لبنان
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٣٠ أيلول ٢٠٢٦
تختلف النظرة إليها اليوم عما كانت قبل عقود مضت بسبب عوامل عديدة أسهمت في تأخير سن الزواج وزيادة الوعي المجتمعي
هناك اعتقاد بأن مفهوم 'العنوسة' الذي يشير إلى من تجاوز سن الزواج المعتادة من دون الارتباط غير موجود إلا في مجتمعاتنا العربية. ويبدو أيضاً وكأن الزواج لا يرتبط بسن معينة في المجتمعات الغربية، إلا أن هذا ليس صحيحاً في الواقع، لأن المفهوم موجود في العالم العربي كما في المجتمعات الغربية، إلا أنه يبقى نسبياً ويختلف باختلاف الثقافات والظروف الاقتصادية وأنماط المعيشة من نواح عديدة، بالتالي لا يمكن تحديد سن زواج على مستوى عالمي، واعتبار أن تخطيها يؤدي إلى دخول مرحلة العنوسة، حتى إن هذه السن اختلفت أيضاً عبر التاريخ، فما طبق من عقود أو قرون مضت، لا ينطبق على أيامنا هذه مع اختلاف سن الزواج بسبب عوامل عديدة أدت دوراً في ذلك، واللافت أن ثمة عادات وتقاليد ترتبط بهذا المفهوم، وقد بقيت حاضرة مع مرور الزمن، على رغم كل التحولات التي سجلت عبر التاريخ، سواء في مجتمعنا أو في الغرب.
في المجتمعات الغربية اليوم، استبدل مصطلح 'العنوسة' بمصطلحات أخرى مثل 'تأخر سن الزواج' أو ما عرف بـ'العزوبية الاختيارية'. ففي عصرنا هذا لا يرتبط مفهوم العنوسة بالدلالات الاجتماعية نفسها الموجودة في ثقافات أخرى، إذ يعد تأخير سن الزواج اختياراً شخصياً، وعلى رغم هذا التغيير في سن الزواج وتأخيره سنوات عديدة، لا تزال تقاليد معينة ترتبط بمفهوم 'العنوسة' حاضرة في مجتمعات عديدة فيما اندثر بعضها الآخر. ومن العادات اللافتة التي ترتبط بالعنوسة في الغرب:
-رشق البندورة والبيض في بعض القرى اليونانية، حيث يمارس نوع من الضغط الاجتماعي المرتبط بالفكاهة على العازب، في مهرجانات معينة. فتجرى ملاحقته بالبندورة والبيض وببعض الألعاب كشكل من أشكال الدعابة لتشجيعه على الإقدام على خطوة الزواج.
-تنظيف سلالم البلدية أو الكنيسة في ألمانيا إذا أتم الرجل 30 سنة ولم يتزوج بعد، فيجبره أصدقاؤه على كنس السلالم العامة. أما النساء العازبات فيقمن بتنظيف مقابض الأبواب.
-رش القرفة والفلفل في الدنمارك إذا أتم فرد عمر 25 سنة ولم يتزوج بعد، فيقوم أصدقاؤه برشه بالقرفة طوال اليوم بعد ربطه على عمود أو شجرة. وإذا بقي عازباً حتى عمر 30 سنة تستبدل القرفة بالفلفل الأسود المطحون، علماً أن جذور هذه العادة تعود إلى ستينيات القرن الماضي في شمال الدنمارك وهي مستوحاة تاريخياً من تجار التوابل في القرن الـ16 الذين كان ترحالهم الدائم ينسيهم فكرة الزواج.
-صناديق قديمة أو علب كرتون للشخص الأعزب في حال الزواج المتأخر في ألمانيا كرمز ودلالة للشخص الأعزب على أنه أصبح قديماً أو خارج الخدمة.
-يوم القديسة كاترين في فرنسا الذي يحتفل به في الـ25 من نوفمبر (تشرين الثاني)، وترتدي فيه النساء اللاتي بلغن 25 سنة ولا يزلن من دون زواج، قبعات غريبة وملونة باللونين الأخضر والأصفر رمزاً للأمل والإيمان ويطلق عليهن اسم 'الكاترينيات'.
في العالم العربي أيضاً، ارتبط مفهوم 'العنوسة' أو تأخر سن الزواج بمجموعة من التقاليد والموروثات الثقافية أيضاً. وفيما اندثر قسم منها، بقي القسم الآخر متجذراً في عديد من المجتمعات العربية، لكن ما يبدو مختلفاً في العالم العربي أن معظم هذه العادات التي تتعلق بمفهوم العنوسة، ارتبطت بفكرة 'فك الحسد' أو السحر أكثر من كونها عادات فيها حس الفكاهة كما في الغرب:
-الاغتسال بماء زمزم أو القراءة واللجوء إلى الرقية الشرعية كاختيار ديني واجتماعي سائد لبث التفاؤل وتيسير الأمور للزواج.
-البخور والتمائم، إذ تستخدم أنواع معينة من البخور في بعض بلدان المغرب العربي ومصر لطرد العين والحسد التي ثمة اعتقاد بأنها تمنع الزواج والخطاب.
-زيارة المقامات والأولياء، ففي بعض دول المغرب العربي ومصر، تزور الفتاة أولياء صالحين لطلب البركة والدعاء وتيسير الزواج.
-الاغتسال بماء خاص مثل ماء زمزم اعتقاداً بأن ذلك قد يحسن نصيب الفتاة.
-البخور والأعشاب لتبخير الفتاة بهدف طرد الحسد أو السحر الذي يعتقد أنه يعطل زواجها.
-اللجوء إلى المشعوذين وتنتشر في بعض المجتمعات ظاهرة اللجوء إليهم لكتابة حجاب أو تميمة للفتاة.
-ترتيب الزواج بحسب السن والالتزام بتقليد عدم زواج الأخت الصغرى قبل الكبرى، مما قد يسبب تأخر زواج الشقيقات الأخريات.
حصلت تحولات كبرى في سن الزواج مع مرور السنوات، وذلك في مختلف دول العالم. وأدت عوامل عديدة دوراً في ذلك، وإن كانت بعض التقاليد قد بقيت موجودة في مناطق معينة ودول. وحتى في لبنان، اختلف سن الزواج عما كان عليه قبل عقود مضت بسبب تركيز المرأة على التعليم والمسار المهني.
بحسب الباحث في الديموغرافيا شوقي عطية، 'لكل من المناطق اللبنانية خصوصيتها في النظرة إلى سن الزواج، لكن قديماً، كان الهدف من زواج الفتاة سترها، فتخرج من بيت أهلها وتنتقل إلى منزل الزوجية فيصبح زوجها مسؤولاً عنها. وكان هذا حلاً خصوصاً في الأسر التي فيها فتيات عدة، فيفضل الأب تزويج الفتاة حتى لا يحمل همها أكثر. كذلك في الأزمنة القديمة، ارتبط الزواج بمفهوم الشرف، فكان الأب يفضل أن يزيل هذه المسؤولية عن عاتقه وينقلها إلى رجل آخر'، وتابع عطية 'ظهرت هذه الظاهرة الاجتماعية بصورة خاصة في سوريا مع توسع الأعمال الإرهابية والعراق بعد سقوط صدام حسين، فللمرة الأولى من عشرات السنوات، انخفضت سن الزواج لدى الفتاة لأن الآباء عمدوا إلى تزويج فتياتهم للحد من المسؤولية والهموم. انخفض سن الزواج وعادت هذه الظاهرة مع قدوم النازحين السوريين إلى لبنان وانخفض سن الزواج إلى 13 أو 14 سنة. هذا الانخفاض في سن الزواج لدى السوريين أثر في المقاييس اللبنانية، لذلك عندما أجرت إدارة الإحصاء المركزي التعداد الخاص بها عامي 2018 و2019 وتناولت السوريين الذين هم خارج المخيمات، وعلى رغم ذلك، بدا أن سن الزواج انخفضت في لبنان من 31 إلى 27 سنة، ويمكن تفسير ذلك بدخول السوريين في التعداد وهم يتزوجون قبل اللبنانيين'.
ما يبدو واضحاً أن سن الزواج في لبنان كما في مختلف دول العالم، لم يعد اليوم على ما كان عليه قبل عقود مضت. أما في ما خص التقرير الذي نشر من بضع سنوات ويشير إلى أن نسبة 83 في المئة من الفتيات في لبنان من العوانس، معتبراً أن سن الزواج هي 25 سنة، فقال عطية 'هذا خاطئ ويفتقد الدقة، ففي لبنان حالياً، نادراً ما تتزوج الفتاة في سن 25 سنة أو قبله، وقد اختلفت الأمور إلى حد كبير عما كانت عليه في السابق، فحتى في العائلات التقليدية، لم يعد هناك وجود للزواج المبكر في المراهقة أو في بداية البلوغ كما كان يحصل سابقاً، لذلك، هناك مساعٍ تقوم بها منظمات كثيرة لمنع زواج القاصرات'.
اجتماعياً، لم يعد الإنجاب الهدف الأساس في حياة الفتاة، فثمة متطلبات أخرى وأدوار لها تختلف بين مجتمع وآخر. ففي جماعات معينة، قد تكون تربية الأطفال من الأدوار الاجتماعية المطلوبة من الفتاة والأساسية، فيما يمكن أن يكون التعليم هو الأهم في أخرى، لكن بصورة عامة، في معظم الأحيان، تابع عطية 'الهدف الأساس للفتاة أصبح تحقيق الذات والتعلم، وليس تربية الأطفال فحسب، مما يسهم في تأخير سن الزواج، وأن ثمة عوامل أخرى في لبنان تسهم في تأخير سن الزواج، مثل وضع الشاب المادي، وجاهزيته للزواج وتأسيس عائلة وتأمين بيت، ويعود ذلك إلى أسباب اقتصادية. لذلك، لدى الشاب، أصبحت سن الزواج تتأخر إلى منتصف الثلاثينيات وحتى إلى الأربعينيات، وأصبح ذلك اعتيادياً. بطبيعة الحال، مع تأخر سن زواج الشاب، من الطبيعي أن تتأخر سن زواج الفتيات أيضاً. هناك تراجع خطر ولافت أصلاً في لبنان في معدلات الزواج في مختلف الأقضية، مما يشكل ظاهرة خطرة قد تسهم في المستقبل بتراجع حاد في معدلات الولادات، بما أن تأخير سن الزواج يقلل من فرص الإنجاب لدى الفتاة أيضاً'.
أما الراوية والمتخصصة في التراث الثقافي الحي أمنية مكي فاعتبرت أن مصطلح 'العنوسة' جديد على مجتمعاتنا، 'إذ إن المجتمع الكنعاني الذي بدأ به لبنان كان قائماً على الخصوبة، والإنتاج الزراعي، والولادات، والزواج لتكبير العائلات والإنجاب وتحقيق مزيد من التطور في الحياة الزراعية. بعدها، دخلت البلاد ديانات وثنية، ومن عباداتهم الإله بعل ملك الخصوبة. وارتبطت أساطير كثيرة بالزواج، والزوجة، والمرأة، ولم تكن العنوسة مصطلحاً متداولاً قديماً. عندما خرجت من المجتمع الديانات الوثنية، ودخلت إليها الديانات السماوية، وحتى الديانة اليهودية كانت قائمة على الأسرة والبيت اليهودي. وينطبق هذا على المجتمع الروماني، مما يؤكد أن مفهوم العنوسة لم يكن موجوداً في مختلف الحقب، بخاصة في الديانة المسيحية التي كانت سيطرت طوال 600 سنة قبل أن تخترقها باقي الأديان. وخلال هذه الأعوام كانت الديانة المسيحية التي شكلت ركيزة في لبنان، تقوم على عدم الدخول إلى الملكوت، في حال عدم تأسيس أسرة والإنجاب واحترام الزوجة، ولم يكن احتمال عدم زواج الفتاة وارداً. وفتحت الديانة المسيحية المجال لمن لا تميل إلى الزواج أن تصبح راهبة، فيما بقي مصطلح العنوسة موجوداً، حتى إن صورة الأسرة المسيحية كانت موجودة على صورة العائلة المقدسة'.
أضافت مكي 'مع دخول الفتوحات الإسلامية، سمح بتعدد الزوجات وكان احتمال عنوسة الفتاة شبه معدوم. بعدها، دخلت الجيوش الأجنبية وأصبحت هناك زواجات مع هؤلاء الجنود، ومنهم الصليبيون. لم يظهر مصطلح العنوسة إلا في ظل الاستعمار العثماني، إذ فرض على رجال المنطقة، خصوصاً اللبنانيين، المشاركة في الحروب. ولم يكونوا يعودون بسهولة، أو أنهم كانوا يعودون مصابين، مما أسهم في بدء ظهور مفهوم العنوسة. ومن أشهر المعارك آنذاك، سفر برلك، وقد ترملت كثيرات من النساء بعدها، وبدأت الأسرة تشعر بمعاناة الظروف المعيشية الصعبة، لأن المجتمع كان لا يزال قائماً على الزارعة وعلى الأسرة الكبيرة. بدأ عندها انتشار ظاهرة أن المرأة المطلقة أو الأرملة تعاود الزواج، لكن مفهوم العنوسة كان لا يزال في بداياته الخجولة'.
في ظل الانتداب الفرنسي، ومع تراجع معدلات الرجال بسبب ظروف الحرب والانضمام إلى الجيش، بدأت مع نهاية الحكم العثماني المجاعة الكبرى في لبنان، وكان الزواج والإنجاب صعباً، حتى إنه بحسب مكي مع الانتداب الفرنسي، 'استمر انضمام الرجال إلى الجيش، وبدأت المرأة تشعر بالحاجة إلى أن تعتمد على نفسها وتثبت قدراتها، فعملت في الزراعة وأيضاً في صناعة الحرير. انشغلت المرأة منذ ذلك الوقت عن تكوين الأسرة لأن إعالتها أصبحت أكثر صعوبة، إضافة إلى أن تأمين الرجل المناسب للزواج صار أيضاً أكثر صعوبة. تطور مفهوم العنوسة شيئاً فشيئاً، ومع غياب الدولة، أصبحت هناك معدلات كبرى من المسنين الذين يحتاجون إلى الإعالة، وأصبحت الفتاة تبقى في المنزل لخدمة أهلها، بخاصة في الجبال. في المقابل سجل تقليل من أهمية الفتاة، لا سيما في القرى، حيث لا ترث من ملكية الأهل. وبغياب التقدير لها، بدأت تتجه أكثر إلى نفسها'.
وتابعت مكي 'أنه مع دخول الثورة الصناعية، صدرت تشريعات وقوانين تحكي بالمساواة بين الرجل والمرأة، ودخل الفكر الغربي والماركسي وترسخت فكرة المساواة هذه. بدأت المرأة تشعر أكثر بالاكتفاء، مما أسهم في انتشار مفهوم العنوسة أكثر، بخاصة بعدما بدأت المرأة تتعلم وتعمل، وقد زاد الانفتاح، وارتفعت معدلات العنوسة، بخاصة مع الهجرة الواسعة للشباب، وصولاً إلى اليوم، حيث تشير الأرقام إلى وجود 5 نساء لكل رجل، بالتالي يعد مفهوم العنوسة مستحدثاً إلى حد ما ولم يكن موجوداً في القدم. وهو يتأثر أكثر بالمجتمعات العلمانية على رغم أن لبنان لا يزال مجتمعاً قائماً على العاطفة الدينية. ومع الانفتاح الزائد والمراحل التي بلغتها المرأة في تحقيق ذاتها أصبح اختيار الشريك الذي يرضيها أكثر صعوبة، مما أسهم في زيادة معدلات العنوسة'.
أما ما بقي من هذا المفهوم حتى اليوم، فليس إلا بعض العادات والتقاليد التي ترتبط به، خصوصاً في بعض القرى النائية وفي مجتمعات معينة، حيث تصنف المرأة بـ'العانس' إذا بلغت سن الـ30 ولم تتزوج بعد، مما يشكل ضغطاً نفسياً ومجتمعياً كبيراً على الفتيات، حتى إنه في بعض المجتمعات، لا يزال هناك تدخل عائلي ووساطات لمساعدة شاب أو فتاة على تأمين الشريكة المناسبة أو الشريك المناسب والاستقرار عبر تدبير لقاءات مدبرة. وعلى رغم الوعي المجتمعي والمرحلة التي بلغتها المرأة في إثبات قدراتها، لا يزال البعض يربط قيمتها بوجودها في إطار المؤسسة الزوجية، وإن كانت متفوقة مهنياً وأكاديمياً.











































































