اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١٦ أذار ٢٠٢٦
في ظل الحروب والتوترات المتزايدة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، تمرُّ اقتصادات المنطقة بمرحلة إعادة تشكيل دقيقة. فالصراعات لا تؤثر فقط في الاستقرار السياسي والأمني، بل تعيد أيضاً رسم خريطة التجارة والاستثمارات ومسارات رؤوس الأموال. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تبرز أهمية الاقتصادات القادرة على لعب دور الوسيط أو المنصة الاقتصادية التي تربط بين الأسواق المختلفة.
ضمن هذا السياق، يطرح كثيرون سؤالاً حول موقع لبنان في هذه المعادلة الإقليمية: هل ما زال قادراً على لعب دور اقتصادي ريادي في المنطقة كما عرفه العالم في السابق رغم الأزمة المالية التي يعيشها منذ عام 2019؟
الإجابة لا تكمن فقط في قراءة الأرقام، بل في فهم طبيعة الاقتصاد اللبناني ومقوماته التاريخية. فلبنان لم يكن يوماً اقتصاداً تقليدياً قائماً على الموارد الطبيعية، بل كان دائماً اقتصاد خدمات وأعمال يعتمد على المعرفة والابتكار والانفتاح على الأسواق الإقليمية والدولية. وقد مكّنت هذه الخصائص لبنان من أن يكون، لعقود طويلة، مركزاً مالياً وتجارياً مهماً في شرق المتوسط.
صحيح أن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019 أثّرت بشكل كبير على القطاع المصرفي، حيث تشير البيانات الصادرة عن مصرف لبنان إلى تقلّص الميزانيات المصرفية وتراجع الودائع وارتفاع مستويات الدولرة في النظام المالي. إلّا أن هذه التحوّلات تعكس في الوقت نفسه انتقال الاقتصاد اللبناني إلى مرحلة جديدة تتطلب نموذجاً اقتصادياً أكثر تنوّعاً يعتمد بدرجة أكبر على الاستثمار المباشر والقطاعات الإنتاجية.
ومن هنا تبرز أهمية تعزيز دور المؤسسات المعنية بتشجيع الاستثمار، وفي مقدمتها Investment Development Authority of Lebanon - IDAL التي تعمل على تطوير البيئة الاستثمارية في لبنان وتسهيل دخول المستثمرين إلى السوق المحلية. فالمؤسسة تسعى إلى تبسيط الإجراءات الإدارية وتعزيز الشفافية وتطوير الخدمات المقدمة للمستثمرين بما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية.
ورغم التحدّيات الاقتصادية القائمة، ما زال لبنان يمتلك عناصر قوة أساسية تجعله قادراً على استعادة دوره الاقتصادي في المنطقة. فموقعه الجغرافي يجعله نقطة وصل طبيعية بين الأسواق العربية والأوروبية، كما أن القطاع الخاص اللبناني يتمتع بدرجة عالية من المرونة والقدرة على الابتكار في قطاعات متعددة مثل التكنولوجيا والخدمات المهنية والصناعات الإبداعية.
إضافة إلى ذلك، قد تفتح التحوّلات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة فرصاً جديدة أمام لبنان، خصوصاً في مجالات الخدمات اللوجستية، والاقتصاد الرقمي، و الطاقات الشبابية وإعادة الإعمار في عدد من دول المنطقة. وفي مثل هذه القطاعات، يمكن للبنان أن يلعب دوراً مهماً كمركز للخدمات والأعمال إذا ما نجح في تطوير بيئة استثمارية حديثة وقادرة على استقطاب الرساميل.
ولا شك أن تحقيق هذا الهدف يتطلب استمرار العمل على الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي بدأتها حكومة الرئيس الدكتور نواف سلام والتي تؤكد عليها المؤسسات الدولية مثل International Monetary Fund وWorld Bank، بما يعزز الثقة في الاقتصاد اللبناني ويدعم قدرته على جذب الاستثمارات.
غير أن التجربة اللبنانية عبر التاريخ تظهر أن قوة هذا الاقتصاد لم تكن في موارده الطبيعية، بل في طاقاته البشرية وفي قدرته على التكيف مع التحوّلات الإقليمية وفي طاقاته الاغترابية. فلبنان كان دائماً مساحة للتفاعل الاقتصادي والثقافي في المنطقة، ومركزاً للأعمال والخدمات في شرق البحر المتوسط.
اليوم، وفي ظل التحوّلات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط، قد تكون الفرصة متاحة مرة أخرى أمام لبنان ليعيد تأكيد هذا الدور. لكن تحقيق ذلك يتطلب رؤية اقتصادية واضحة تقوم على تعزيز الاستثمار وتطوير بيئة الأعمال وبناء شراكات اقتصادية جديدة مع المنطقة والعالم.
إن الاستثمار ليس مجرد أداة للنمو الاقتصادي، بل هو أيضاً وسيلة لإعادة بناء الثقة وتحفيز النشاط الإنتاجي وخلق فرص العمل. وفي هذا الإطار، يصبح دور مؤسسة تشجيع الاستثمار في لبنان (إيدال) محورياً في دعم مسار التعافي الاقتصادي الوطني وإعادة وضع لبنان على خريطة الاقتصاد الإقليمي.
وفي عالم يشهد تحوّلات متسارعة، قد يكون السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان لبنان يحتاج إلى المنطقة اقتصادياً، بل إذا كانت المنطقة نفسها مستعدة لإعطاء فرصة من جديد للبنان حتى يستعيد دوره الاقتصادي المميّز الذي لطالما ترك بصماته في اقتصاد العالم من خلال الجاليات المنتشرة في أقصاع الأرض والمطوّرة لشتى الميادين الاقتصادية في العالم.
* رئيس مجلس الإدارة - المدير العام
مؤسسة تشجيع الاستثمارات في لبنان«إيدال»











































































