اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٧ تموز ٢٠٢٦
غالبًا ما ينصبّ الاهتمام على مواقف الرئيس نبيه بري انطلاقًا من الهويات التي يحملها. فهو المخاطب المفضل أميركيًا وعربيًا، ولا سيما بعد اغتيال أمين عام حزب الله، وتحوله من زعيم شيعي إلى زعيم الشيعة، والمعوّل عليه منح المشروعية، على طريقته، للخطوات التي أقدمت عليها السلطة السياسية، من حصرية السلاح، مرورًا بالتفاوض مع إسرائيل، وطرد الجناح العسكري لـالحزب من حمى القانون، وصولًا إلى توقيع الاتفاق الإطاري.
ناهيكم عن كونه رئيس البرلمان القابض على مفاتيح التشريع، ولاعبًا سياسيًا مخضرمًا يبرع في هضم التحولات والتموضع في قلب ما أفرزته من معادلات. بيد أن المرحلة التي طبعت تموضعه في الوسط بين الدولة والحزب، وإطلاقه مواقف تظهره كأنه يضع قدمًا هنا وقدمًا هناك، فيغطي قرارات الدولة وفي الوقت نفسه يستوعب فورة الحزب، ومَنْ خلفه، يبدو أنها تغيرت.
تأسيًا بمصطلح التكويع الخارج من قاموس التحولات في سوريا لاختزال الانتقال السياسي من ضفة لقبيلها، هناك من كان يحلو له توصيف تموضع رئيس البرلمان بالتكويع ليس نحو الدولة تمامًا، إنما نحو السعودية، الراعي الأساسي لقيامتها من ركام الميليشيا، والتي فتحت حوارًا معه على قاعدة الرئيس الراحل صائب سلام التفهم والتفاهم، بهدف رعاية مسار متدرج يضمن دمج وتذويب العصبية الشيعية الأممية ضمن الدولة، بالتوازي مع الحفاظ على استقرار البلاد.
لكن ثمة تغير طرأ على إيقاع الحرب التي فجرتها الصواريخ الـ6 ثأرًا للخامنئي. فمذاك زادت وتيرة انفتاح الرئيس بري على الحل الإيراني وطاولة إسلام أباد، وإن كان ذلك على حساب المسار التفاوضي الذي بدأته الدولة، حيث راحت ترتسم في الأفق حركة أشبه بـ تكويعة على التكويعة. لتظهر أكثر مع توقيع مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران، وما تمخض عنها من نشوء خلية منع الاحتكاك، والتي بدت وكأنها تزاحم المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، ويقال في الكواليس السياسية أنها لعبت دورًا في تسريع توقيع الاتفاق الإطاري.
فغداة توقيع مذكرة التفاهم، جرى اتصال بين رئيس مجلس الشورى الإيراني ونظيره اللبناني، بدا من خلاله بري ويكأنه يمنح قاليباف مشروعية حامل القلم عن لبنان ويسقطها نسبيًا عن الدولة. وهو ما تعزز أكثر بالاتصال الثاني الذي أعقب لحظة توقيع الاتفاق الإطاري، ومواقف عين التينة الرافضة له، وتوصيفه بأنه أسوأ 10 مرات من اتفاقية 17 أيار، وإصرارها المستمر على المظلة الإيرانية والحديث المتسرب من مجالسها الضيقة عن انتصار إيران.
وفيما تكشف مصادر سياسية أن أميركا أردات من إنشاء خلية منع الاحتكاك إنزال طهران عن شجرة التصعيد ورفع عنها حرج الالتزام بمعادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال بتحويلها إلى حائط مبكى للشكاوى، وفي الوقت نفسه خلق إطار ناظم يمنح إيران مقعدًا أدبيًا ومعنويًا مقابل تطويعها وإجبارها على منح مشروعيتها للترتيبات الناشئة عن المسار التفاوضي بين بيروت وتل أبيب، فإن لقاليباف وبري فيها مآرب أخرى.
ثمة من ينسب إلى بري بصمة في تزكية اسم السفير الإيراني في لبنان، محمد رضا شيباني كممثل عن بلاده في الخلية، لكونه حرس ثوري لايت، نصف دبلوماسي ونصف استخباراتي، وذلك لإقفال الطريق أمام اختيار شخصية عسكرية تنتمي إلى الحرس الثوري بالمباشر وتخضع لسلطة أحمد وحيدي، ندّ قاليباف الشرس في الصراع على السلطة، والذي يميل لتقويض التفاهمات مع أميركا.
هذا الخيار بحد ذاته يصوب ضربة لموقف الدولة بإجبارها على الاجتماع والتنسيق مع شخصية رفضت اعتمادها كسفير. وبالتالي مرة جديدة يكون بري قد فضّل الحل الإيراني على حساب الدولة، والتعهدات التي قدمها إلى راعي قيامتها، حيث يظهر أنه يزكّي هذه الخلية لتكون إطارًا بديلًا عن الميكانيزم، وملحقًا بترتيبات إسلام أباد، بمفاعيل ترمي لإعادة إنتاج مشروعية الوصاية السياسية والأمنية الإيرانية على لبنان، على نسق المشروعية التي منحتها اللجنة المستولدة عن تفاهم نيسان 1996 لوصاية نظام الأسد، بما يسهم في إضعاف موقع الدولة.
غير أن ذلك لن يحدث. فالاتفاق الإطاري وقّع ليطبق، والمؤشرات على تنفيذه تتكامل حلقاتها، كما تقول مصادر سياسية، ليمسي التعويل على أفضلية الحل الإيراني رهانًا في غير مكانه وزمانه.











































































