اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١٧ أذار ٢٠٢٦
د. مصطفى قراعلي*
في زمن الحرب التي يعيشها لبنان اليوم، لم تعد المسألة مسألة وقف إطلاق نار أو توازن قوى بين الأطراف المتصارعة، بل مسألة بقاء الدولة نفسها والطريق القادر على إنقاذها من الانهيار المتكرر.
فلبنان، الذي عاش عقودًا طويلة تحت ظلّ الصراعات الإقليمية ومنطق السلاح، يجد نفسه اليوم أمام مفترق حاسم: إما البقاء في دائرة الصراع، أو البحث عن مسار آخر يعيد بناء الدولة من باب الاقتصاد والمؤسسات.
وسط هذا المشهد المضطرب، يبرز اتجاه متزايد يرى أن بناء بديل اقتصادي حقيقي قد يكون السبيل الأكثر واقعية للحفاظ على لبنان ومنع تفككه. فحين يصبح الاقتصاد قادرًا على إعادة ربط لبنان بالعالم، ويتحول الاغتراب اللبناني إلى شريك منظم في التنمية، يمكن أن يبدأ مسار مختلف يعيد للدولة قدرتها على الاستمرار خارج منطق السلاح والمحاور.
فتح مسار اقتصادي مع الاغتراب اللبناني
من هذا المنطلق جاءت زيارة العمل التي قمتُ بها إلى أستراليا خلال الأسابيع الماضية، حيث عقدت سلسلة لقاءات اقتصادية واغترابية هدفت إلى إعادة فتح النقاش حول دور الاغتراب اللبناني في إعادة بناء الاقتصاد الوطني، وإلى البحث في إطلاق مسار اقتصادي جديد يربط طرابلس، شمال لبنان، بامتدادها الواسع في أستراليا.
وتأتي هذه الزيارة في لحظة يعيش فيها لبنان واحدة من أعمق أزماته الاقتصادية والسياسية، ما يجعل إعادة بناء الجسور مع الاغتراب اللبناني أحد المفاتيح الأساسية لأي مشروع نهوض اقتصادي.
وقد شهدت مدينة سيدني لقاءات مع فعاليات اقتصادية واغترابية جرى خلالها بحث سبل تحويل العلاقة التقليدية بين لبنان واغترابه من رابط اجتماعي أو عاطفي إلى شراكة اقتصادية منظمة تقوم على الاستثمار والمشاريع القابلة للتنفيذ.
وتحتضن أستراليا واحدة من أكبر الجاليات اللبنانية في العالم، ولا سيما من أبناء طرابلس والشمال الذين أسهموا منذ عقود في بناء الاقتصاد الأسترالي. هذا الامتداد البشري والاقتصادي يفتح الباب أمام تحويل العلاقة بين المدينة واغترابها إلى جسر اقتصادي فعلي يربطها باقتصاد عالمي أوسع.
إطلاق فكرة مكتب الاقتصاد الاغترابي
في هذا السياق، طُرح إطار العمل لتأسيس «مكتب الاقتصاد الاغترابي – طرابلس» كمنصة اقتصادية تهدف إلى ربط الطاقات الاستثمارية للاغتراب اللبناني بفرص التنمية في طرابلس والشمال.
الفكرة تقوم على مبدأ بسيط لكنه أساسي: تحويل العلاقة التقليدية بين لبنان واغترابه من علاقة عاطفية إلى شراكة اقتصادية منظمة، عبر عرض مشاريع محددة وقابلة للتنفيذ، وإيجاد مستثمرين لها بين اللبنانيين في الخارج، من رجال الأعمال ومن أبناء الاغتراب الراغبين في الاستثمار.
ويهدف هذا المسار إلى تحديد فرص استثمارية صغيرة ومتوسطة في قطاعات السياحة والتراث والاقتصاد المحلي، بحيث تتحول المدينة إلى منصة لاستقطاب رأس المال الاغترابي بدل أن تبقى مجرد نقطة هجرة لأبنائها.
علاقة المبادرة بالمؤسسات الاقتصادية في طرابلس
يجري تطوير هذه المبادرة بالتوازي مع حوار مع عدد من المؤسسات الاقتصادية في طرابلس، من بينها غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس والشمال، إضافة إلى السعي للتنسيق مع المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لأي مشروع اقتصادي مستقبلي في المدينة.
الهدف هو بناء شبكة تعاون بين الاقتصاد المحلي والطاقات الاستثمارية في الخارج، بحيث يتحول مكتب الاقتصاد الاغترابي إلى منصة تنسيق بين المستثمرين الاغترابيين والمؤسسات الاقتصادية في لبنان.
مشاريع أولية قيد الدراسة
ضمن هذا الإطار، يجري العمل على طرح مجموعة من المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن تشكل نماذج أولية للاستثمار الاغترابي، من بينها مشاريع سياحية وتراثية في محيط قلعة طرابلس، إضافة إلى مبادرات مرتبطة بالاقتصاد المحلي في الشمال.
الهدف ليس إطلاق مشاريع ضخمة في المرحلة الأولى، بل البدء بمشاريع محددة وقابلة للتنفيذ يمكن أن تشكل نماذج ناجحة تشجع المستثمرين الاغترابيين على العودة إلى السوق اللبنانية.
هل تجد طرابلس دورها الاقتصادي؟
ولعلّ اللحظة التي يعيشها لبنان اليوم تعيد طرح سؤال قديم جديد:
هل يمكن لطرابلس أن تجد دورها الاقتصادي في لحظة يبحث فيها البلد عن طريق للخروج من أزمته؟
طرابلس كبوابة اقتصادية
تندرج هذه المبادرة ضمن رؤية أوسع تطرحها مبادرة »طرابلس أولًا «لإعادة تفعيل الدور الاقتصادي للمدينة.
فطرابلس التي كانت تاريخيًا بوابة لبنان الاقتصادية على المتوسط تمتلك اليوم مقومات استعادة هذا الدور، من بينها مرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية الخاصة، والعمق الزراعي والصناعات الغذائية في الشمال، إلى جانب طاقات الشباب والاختصاصيين في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
إعادة وصل المدينة بامتدادها الاقتصادي في العالم يمكن أن يعيد لها موقعها الطبيعي كمركز اقتصادي في شمال لبنان.
وإذا نجحت طرابلس في بناء نموذج اقتصادي يعتمد على شراكة الاغتراب، فقد تتحول هذه التجربة إلى نموذج يمكن أن يُحتذى في مناطق أخرى من لبنان.
البُعد السياسي للمبادرة
لكن هذه المبادرة لا تنفصل عن رؤية سياسية أوسع تتعلق بمستقبل الدولة في لبنان.
فالأزمة اللبنانية ليست اقتصادية فقط، بل هي أيضًا أزمة بنيوية مرتبطة بالنظام الطائفي السياسي الذي عطّل قيام دولة المؤسسات.
ومن هنا تأتي الدعوة إلى الدولة المدنية خارج القيد الطائفي، باعتبارها الإطار الوحيد القادر على توفير الاستقرار السياسي الذي يحتاجه أي اقتصاد للنهوض.
الاغتراب كامتداد للدولة
الاغتراب اللبناني لا يجب أن يُنظر إليه كمجتمع منفصل عن الوطن، بل كامتداد طبيعي له. فالخبرات التي اكتسبها اللبنانيون في الخارج والنجاحات الاقتصادية التي حققوها يمكن أن تتحول إلى عنصر قوة للبنان إذا جرى تنظيم العلاقة بينهم وبين الداخل ضمن إطار مؤسسي واضح. وعندها يمكن لطاقات الاغتراب أن تنتقل من مجرد مصدر للتحويلات المالية إلى قوة اقتصادية قادرة على دعم مسار إصلاحي جديد في لبنان.
وهنا يأتي دور مكتب الاقتصاد الاغترابي كأحد الأدوات التي يمكن أن تساعد في إعادة بناء هذا الرابط.
الخاتمة
في ظلّ الحرب التي يعيشها لبنان اليوم، لم يعد ممكناً الخروج من أزمته عبر استمرار الصراعات ولا عبر انتظار تسويات إقليمية تُفرض عليه من الخارج.
فالطريق الأكثر واقعية يبدأ بإعادة بناء الاقتصاد وربط لبنان بامتداده الاغترابي في العالم. فهذه العلاقة لا تفتح باب الاستثمار فحسب، بل تفتح أيضاً آفاق شراكات دولية جديدة يمكن أن تساعد لبنان على إعادة بناء دولته واقتصاده على أسس مختلفة عمّا عرفه في القرن الماضي.
ومن هذا المنطلق، قد تشكّل المبادرات التي تربط طرابلس بامتدادها الاقتصادي في الخارج بداية مسار جديد يعيد للمدينة دورها الطبيعي كجسر بين لبنان والعالم. وقد بدأت بالفعل خطوات أولى في هذا الاتجاه، على أمل أن تتحول المبادرات الصغيرة اليوم إلى بنية اقتصادية أوسع تعيد وصل لبنان بامتداده الاغترابي في العالم.
ففي زمن الحرب والأسئلة الكبرى حول مستقبل الدولة، يصبح بناء الاقتصاد الطريق الأكثر واقعية للحفاظ على لبنان… وربما الطريق الوحيد لحمايته من نفسه.
ومن طرابلس يبدأ اليوم هذا الطريق، المدينة التي عرفت دائماً كيف تكون جسر لبنان إلى العالم.
* مؤسس مبادرة «طرابلس أولًا» ومطلق مشروع مكتب الاقتصاد الاغترابي











































































