اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٤ أذار ٢٠٢٦
يُثير مشروع تجديد بركة الملّاحة في أسواق طرابلس وترميمها انتقادات واسعة، لا تقتصر على الفئات الشعبية فحسب، بل تشمل أيضًا الفئات الاجتماعية والبلدية في المدينة. وفي التفاصيل، تردّد منذ أيّام أنّ النّائب فيصل كرامي بادر بترميم البركة على نفقته الخاصّة، ولكن بعد تنفيذ المشروع، ظهرت أصوات معارضة تنتقد طريقة التنفيذ، معتبرة أنّها تُشوّه معلمًا تُراثيًا وتاريخيًا وتطمس ذاكرة أساسية لمدينةٍ معروفة بآثارها التي لا ينبغي أنْ تندثر.
وتقع هذه البركة، بيْن سوقيّ حرج والبازركان، وتٌعدّ تاريخيًا من أقدم البرك في طرابلس، وتُعرف بأنّها كانت تُملأ خلال المناسبات الدينية، لا سيّما في المولد النبويّ الشريف بالعصائر المتنوّعة مثل عصير الحامض (الليموناضة)، التوت والعرقسوس وتُقدّم للنّاس مجانًا. ووفق المؤرّخين، يعود تاريخ هذه البركة المصنوعة من الحجر البحصاصيّ والمكسوّة بالرخام الأبيض، إلى العصر المملوكيّ. وعلى الرّغم من أنّها كانت من السبل التي تتدفق بالمياه العذبة، إلا أنّها تأثرت في أحداث طرابلس الأمنية والعسكرية المتتالية، فانقطت مياهها لاحقًا، وتحوّلت إلى محطّة منسية ومحاطة بالأحذية والثياب التي لا تُقدّر هذه النعمة التاريخية.
وأدّى هذا الإهمال التاريخيّ إلى دفع العديد من المؤرّخين وعلماء الآثار لانتقاد الدّولة ومطالبتها بترميم هذه البركة وإعطائها الأولوية مع مجموعةٍ من البرك التي كانت موجودة في المدينة، ولا يتوفّر لها أيّ سجل رسميّ أو رقميّ واضح يُحدّد عددها على الأرض، علمًا بأنّ المؤرّخين يذكرون بأنّها كانت كثيرة. واليوم، مع الحديث عن تجديد بركة الملّاحة على نفقة كرامي، يُشير المعنيّون بالمشروع والمتابعون إلى غياب المهنية عن العمل والتنفيذ، على الرّغم من متابعة بلدية طرابلس والمديرية العامّة للآثار بتعاونٍ واضح مع الجهة المموّلة، إلا أنّ الجهة الأخيرة لم تلتزم بالمعايير اللازمة والتي تُحافظ على هوّية هذه البركة.
وتابع 'لبنان الكبير' منشورًا كتبه رئيس اللجنة الثقافية في بلدية طرابلس المهندس باسم زودة، وذكر فيه أنّ لجنة الآثار والتراث أكّدت منذ بداية المشروع، ضرورة العمل بالتنسيق الكامل مع بلدية طرابلس والمديرية العامّة للآثار، وأنْ يستند أيّ تدخل إلى أقدم نسخة معروفة للبركة حفاظًا على أصالتها وهوّيتها التاريخية، مؤكّدًا أنّ اللجنة خلال مرحلة التنفيذ، أبدت اعتراضها على عناصر لا تتوافق مع المرجعية التاريخية، مُصرّة على أن يكون الترميم مطابقًا للنّسخة الأقدم المعروفة من حيث المادّة والطابع العام، وهو الطابع الذي رفعت المديرية العامّة للآثار ملاحظاتها بموجبه.
وعن هذه العناصر، يذكر زودة: استخدام رخام رماديّ كثيف التعريق بدلًا من الرخام الأبيض المستخدم تاريخيًا في البركة، تلبيس الجزء السفليّ بحجر يميل لونه إلى الأصفر لا يتجانس مع هوّية البركة ولا يستند إلى مرجعية موثّقة، اعتماد فوهات مياه حديثة صغيرة الحجم وذات مظهر صناعيّ لا ينسجم مع الطابع التاريخي، مع إضافة إنارة غير مباشرة داخل جسم البركة، وهو عنصر لم يكن موجودًا في النّسخة الأصلية.
وعلى الرّغم من هذه الانتقادات، لم تُؤخذ الملاحظات بالاعتبار، وتمّ استكمال الأعمال بصيغتها الحالية، وهو الأمر الذي أثار استياء النّاشطين في المدينة ودفعهم إلى الحديث عن تقصير بلديّ واضح في متابعة مراحل التنفيذ وعن صمتها أمام 'المعمعة' السياسية والانتخابية، خصوصًا أنّ هذه المسؤولية ترتبط بذاكرة المدينة وأصالتها وتُعدّ مهمّة تاريخية.
وفي المقابل، يُبدي بعض الحقوقيين امتعاضه من مخالفة الاتفاق خلال مراحل التنفيذ، وهو أمر لا يُعدّ حرّية شخصية أو يرتبط بذوق المنفّذ، بل يُحسب من النّاحية التقنية. كما ينتقد الحقوقيّون، عدم إشراف البلدية أو المديرية العامّة للآثار على المشروع، ويُؤكّد عدد منهم أنّه في حال ثبوت هذا التقصير، سواء في المواد المتستخدمة أو التنفيذ، فإنّه لا بدّ من توثيق المخالفات، وإعادة تنفيذ المشروع من جديد للالتزام بالأصول المتّبعة.











































































