اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الأول ٢٠٢٦
لم تعد كتابة نص مرتب أنيق متماسك مهمة صعبة تستدعي الأرق والتفكير وقضاء الوقت في البحث والتحليل وتشبيك الأفكار. نعطي الذكاء الاصطناعي فكرة، أو سؤالا، أو حتى بعض الكلمات المبعثرة، وخلال دقائق يعيدها لنا مقدمة وفقرات وخاتمة محررة لغويا ومشكولة، بل ويقترح عنوانا وأفكارا إضافية، ورسوم وكل شي.
وهذا في جانب كبير منه مكسب. أصبح الوصول إلى المعرفة أسرع، واختصرت هذه الأدوات كثيرا من الوقت الذي كنا نقضيه في البحث الأولي، والتلخيص، والترتيب، والتحرير.
لكن كلما أصبحت الآلة أفضل في الكتابة من البشر وأسرع في صف الكلمات ورص الجمل، يلح علي سؤال وجودي: ماذا بقي في النص منا نحن؟ ماذا فيه من خبرتنا؟ من تجاربنا الإنسانية؟ من تفاعلنا مع الآخرين وفي مجتمعاتهم؟
ما الفكرة التي تأصلت لدينا لأننا عشنا التجربة؟ ما السؤال الذي لم يخطر للآلة أن تسأله؟ ما التفصيل الذي رأيناه بأعيننا؟ ما الأمل الذي وصفناه وتشكل من نجاح تجربة وتقدم في الانجاز أو ما الخيبة التي كتبنا عنها بتحفظ ولازمتنا وقتا بسبب ضياع جهود في غير أهلها؟ ما الموقف الذي تشكل من سنوات العمل والاحتكاك بالناس في ورش العمل والاجتماعات والمنتديات؟ ما المبادئ المهنية التي دافعنا عنها ووقفنا خلفها؟ وما التجارب التي صنعت، مع الوقت، بصمتنا في الحديث والنقاش والحكم على الأشياء؟
نقرأ اليوم نصوصا كثيرة جيدة؛ لغتها سليمة، وأفكارها مرتبة، ومقدماتها جاذبة، ونهاياتها منسجمة مع مقدماتها. ومع ذلك، ننتهي من بعضها ولا نكاد نعرف شيئا عن صاحب النص، من هو؟ أين يعمل؟ لأي فكر ينتمي؟ هل يحمل مؤهلا ينسجم مع ما كتب؟
نصا ليس فيه خطأ، لكنه 'متعدد الهوية' يمكن أن يكون لأي شخص.
وهذه المسألة بدأت تظهر في البحث أيضا. ففي دراسة نشرتها Nature Human Behaviour في أغسطس 2026، وأشارت فيها إلى أنها حللت أكثر من 880 ألف نص في مجالات مختلفة، وجد الباحثون أن استخدام النماذج اللغوية في إعادة الكتابة ارتبط بتراجع التنوع اللغوي وتقارب أنماط التعبير. بقي المضمون الأساسي نفسه، لكن النصوص أصبحت أكثر تشابها، وانخفض التباين في تعقيد الكتابة بنسب تراوحت بين 21% و50% عبر البيانات والنماذج التي اختبرها الباحثون.
ربما هنا واحدة من مفارقات المرحلة: تساعدنا الآلة على تحسين النص، لكنها قد تأخذ منه شيئا من صاحبه إذا تركنا لها المساحة كلها، والساحة لتصول وتجول، ولذلك لا أظن أن الفصاحة وحدها ستبقى ميزة كبيرة. فالآلة أيضا فصيحة جدا.
بدأت علاقتي بالتعليم منذ ما يزيد عن 25 سنة من الصفوف الاساسية والثانوية، معلمة للعلوم والرياضيات بحكم بنية المدرسة الحكومية التي جاء توزيعي فيها آنذاك في الرباحية الشمالية، وضرورة أن يكمل المعلم نصابا أسبوعيا محددا. وبعدها أخذتني السنوات والفرص إلى البحث والتقييم والمناهج والسياسات التعليمية والعمل مع مؤسسات وأنظمة تعليمية مختلفة.
وكلما ابتعدت المسافة عن تلك الصفوف، بقيت أكتشف قيمة أشياء تعلمتها داخلها كمظومة تربوية حيوية ديناميكة.
في التقارير والدراسات نتحدث عن الطلبة من خلال التحصيل، والدافعية، والفجوات، ومستويات الأداء والمتوسطات. وهذه كلها مهمة، ولكن المعلم يعرف أيضا أشياء لا تظهر بسهولة في الرقم. يعرف، مثلا، تلك اللحظة التي ينظر فيها إلى وجوه طلبته فيدرك أنهم لم يفهموا، رغم أن أحدا منهم لم يقل ذلك. ويعرف أن طالبا قد يمتلك القدرة لكنه فقد الرغبة في المحاولة. وقد يلتقط من سؤال واحد غير متوقع ما لا تخبره به عشر إجابات صحيحة في اختبار.
هذه المعرفة لم أجدها في كتاب، وحين ننتقل من الصف إلى البحث أو السياسات، من المهم ألا نتركها خلفنا. ربما هي التي تجعلنا ننظر إلى المتوسط ونسأل: من وراء هذا الرقم؟ من تحسن؟ من بقي مكانه؟ وما الذي أخفته النتيجة حين جمعت تجارب مختلفة في رقم واحد؟
مع الوقت، لم تعد الخبرة بالنسبة لي مقدار ما نعرفه فقط. هي أيضا الطريقة التي أصبحنا نرى بها الأشياء لأننا عشناها.
يتقدم الذكاء الاصطناعي بسرعة داخل البحث العلمي نفسه، فهو يستخدم اليوم في البحث عن الأدبيات وتلخيصها، واقتراح الأفكار، وتحسين اللغة، والمساعدة في صياغة الردود على المحكمين وغيرها من مراحل العمل البحثي ، ولذلك لم يعد السؤال المناسب: هل سيستخدم الباحث الذكاء الاصطناعي؟ نعم سيستخدمه، وبصور أكثر مما نفعل الآن. السؤال: ما الذي لا ينبغي عليه أن يفوضه له؟
لفتتني عبارة وردت في افتتاحية (Nature Computational Science ) وجاء فيها أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يساعد المحكم العلمي، لا أن يحل محله. وتؤكد الافتتاحية أن مسؤولية الدقة والنزاهة والاستنتاجات تظل مسؤولية بشرية ، وهنا، في رأيي، ستزداد قيمة الباحث الحقيقي، ليس لأنه يستطيع الوصول إلى مئة دراسة؛ ستصل إليها الآلة أسرع، بل لأنه يستطيع أن يتوقف أمام نتيجة ويقول: لا أقتنع.
أن ينقد الرقم قبل أن يحتفي به، وأن يسأل عمن اختفى داخل المتوسط، وأن يدرك أن النتيجة قد تكون صحيحة تماما إحصائيا، لكنها لا تقول الكثير تربويا.
وأن يعرف، قبل ذلك كله، أي سؤال يستحق أن نسأله أصلا.
ربما سنبحث بعد سنوات عن مهارة لم نكن نراها مدرجة في قوائم مهارات القرن 21 من قبل، أو لم نضع لها اسما: مهارة التحرر من الآلة.
وطبعا لا أقصد بها رفض التكنولوجيا، ولا الكتابة بقلم الرصاص نكاية بالذكاء الاصطناعي. المقصود أن نعرف كيف نستخدمه، وكيف نبتعد عنه أيضا، نوع من رسم حدود العلاقة بينه وبيننا.
أن يستفيد المعلم منه في التخطيط، لكنه يظل قادرا على إغلاق الشاشة وخلق دافعية للتعلم داخل الصف.
أن يستعين الباحث به للوصول إلى المعرفة، لكنه يحتفظ لنفسه بالشك والنقد والموقف.
وأن يستخدم الكاتب الأداة في التحرير والترتيب، من دون أن يسلمها صوته وتجربته، وملامحه، والطريقة التي يرى بها العالم.
فالآلة يمكن أن تقترح علينا عشر صيغ للجملة نفسها، لكن أي واحدة منها تشبهنا؟ يمكنها أن تجمع ما كتب حول قضية، لكن ماذا أضافت تجربتنا نحن؟ ويمكنها أن تعطينا إجابات كثيرة، لكن من قال إن السؤال الذي أعطيناها إياه كان السؤال الصحيح؟
أظن أن هنا تبدأ الحدود التي علينا أن نرسمها بأنفسنا.
ربما لم يعد كافيا، قبل أن ننشر نصا، أن نسأل: هل اللغة جيدة؟ هل الأفكار مرتبة؟ هل المراجع صحيحة؟ بل هناك سؤال آخر يستحق أن يسبقها: أين أنا في هذا النص؟
هل فيه شيء عرفته من الميدان؟ هل غيرت تجربة ما طريقة فهمي للموضوع؟ هل يوجد سؤال يخصني أنا، أم أنني اكتفيت بالأسئلة التي اقترحتها الأداة؟ وهل صقلت الآلة لغتي، أم محتها واستبدلت بها لغة تشبه آلاف النصوص الأخرى؟ لغة 'متعددة الهويات'؟
لا أرى في استخدام الذكاء الاصطناعي مشكلة في حد ذاته. بل سيكون غريبا أن نطالب الباحث والمعلم والكاتب بأن يتجاهلوا أدوات بهذه القدرة، المشكلة أن نحضر بالأداة ويغيب صاحبها، صوته، نجاحه وفشله، تجربته، مبادئه. لا يمكن تحميل السنوات التي قضيناها في الصف، ولا المواقف التي غيرت آراءنا، ولا الأخطاء التي تعلمنا منها، ولا المبادئ التي دافعنا عنها، ولا الزملاء الذين تعلمنا منهم، ولا المرشدين الذين شكلوا جزءا من شخصيتنا المهنية، ولا تلك الأسئلة التي بقيت معنا لأنها خرجت من الواقع لا من الكتب.
هذه الأشياء، مع صغرها وتراكمها، هي التي تصنع البصمة، لذلك لا يقلقني كثيرا أن تصبح الآلة قادرة على الكتابة مثلنا، ما يقلقني أكثر أن نبدأ نحن بالكتابة والتفكير مثلها. ويقينا كلما أصبحت الكتابة الآلية أفضل، والذكاء الاصطناعي أسرع وأدق في إنتاج النصوص ورص الكلمات، زادت قيمة الصوت البشري الحقيقي.
صاحب التجربة يعرف... ويُعرف جيدا، ليس من فصاحة ما يقول، بل من السؤال الذي يسأله، والتفصيل الذي ينتبه إليه، وما يستطيع أن يراه أبعد من النص والرقم.

























































