اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
لا تتوقف أهمية الانتخابات الأمريكية بالنسبة إلى الأردن عند نتائجها السياسية، بل تمتد إلى الملفات الاقتصادية التي تجمع البلدين، وفي مقدمتها المساعدات والتجارة والتمويل. فالأردن يرتبط بالدولار، ويصدر إلى السوق الأمريكية، ويستفيد من شراكة اقتصادية ممتدة مع واشنطن. ومع تغير التوازنات داخل الكونغرس، تبرز أهمية متابعة ما سيُقر من سياسات ومخصصات فعلية، لا افتراض تحول اقتصادي لم تتضح معالمه. والسؤال الأهم هو كيف يوظف الأردن هذه الروابط في دعم الإنتاج والاستثمار وفرص العمل.
وتختلف قنوات التأثير بحسب طبيعة القرار الأمريكي. فالكونغرس يقر المخصصات والتشريعات المالية، بينما تحتفظ الإدارة بصلاحياتها التنفيذية والتجارية، ويحدد الاحتياطي الفيدرالي السياسة النقدية وفق اعتبارات اقتصادية. لهذا لا تنتقل نتائج الانتخابات إلى الاقتصاد الأردني عبر مسار واحد؛ بل من خلال اعتمادات المساعدات، وشروط التجارة، واتجاهات التمويل العالمي. والتمييز بين هذه القنوات يساعد على قراءة التطورات بواقعية، وتحديد ما يستدعي استجابة اقتصادية.
وتأتي المساعدات الأمريكية في مقدمة الملفات ذات الصلة المباشرة بالأردن. فمذكرة التفاهم للفترة 2023–2029 تستهدف تقديم مساعدات ثنائية بقيمة 1.45 مليار دولار سنوياً، تشمل الجانبين الاقتصادي والعسكري، مع خضوع المخصصات السنوية لإقرار الكونغرس. وقد حظيت العلاقة الأردنية بدعم ممتد من الجمهوريين والديمقراطيين عبر سنوات من الشراكة، وهو ما يعزز استمراريتها مع تغير الأغلبية. وتبقى الأولوية الاقتصادية في متابعة الاعتمادات المعتمدة وتوجيه أثر الدعم نحو الخدمات والتنمية والنشاط المنتج.
أما القناة النقدية فتبدأ من ارتباط الدينار بالدولار، وهو ارتباط أسهم في ترسيخ استقرار سعر الصرف والثقة بالعملة. ولذلك تكتسب حركة الفائدة الأمريكية أهمية في حسابات التمويل المحلي، إلى جانب ظروف الاقتصاد الأردني. فقد يؤدي استمرار الفائدة المرتفعة إلى زيادة كلفة الاقتراض وتأخير بعض المشروعات، في حين قد يتيح انخفاضها تخفيف الضغوط إذا سمحت الاعتبارات المحلية. وهنا لا بد من التمييز بين تغير التوازنات السياسية في واشنطن والقرارات النقدية التي يتخذها الاحتياطي الفيدرالي على أساس التضخم والنشاط الاقتصادي والتوظيف.
غير أن كلفة المال لا تروي القصة كاملة. فقد تتوفر السيولة لدى البنوك، بينما تحتاج المشروعات المنتجة إلى تمويل يناسب طبيعتها من حيث المدة والضمانات والكلفة. فتمويل مصنع لتحديث آلاته يختلف عن تمويل تجارة قصيرة الأجل، كما تختلف احتياجات الشركات الصغيرة عن الكبيرة. ولذلك تكتسب أدوات التمويل الملائم أهمية خاصة في تحويل السيولة المتاحة إلى خطوط إنتاج وتكنولوجيا وصادرات ووظائف. فالأثر الاقتصادي للمال يظهر في ما يضيفه إلى النشاط، لا في توفره وحده.
وتظهر صلة أخرى بالاقتصاد الأمريكي في المديونية العامة. فعوائد السندات الأمريكية تؤثر في تسعير التمويل الدولي، لكن أثرها على الدين الأردني يختلف بحسب آجال الاقتراض وشروطه وطبيعة الالتزامات القائمة. ومن هنا تبرز أهمية توزيع الاستحقاقات، وتنويع مصادر التمويل، والاستفادة من القروض الميسرة عندما تكون مناسبة. والغاية ليست انتظام السداد وحده، بل المحافظة على مساحة مالية تتيح استمرار الإنفاق على الخدمات الأساسية والبنية التحتية والمشروعات التي تعزز الإنتاجية.
وفي التجارة، تتيح الاتفاقيات مع الولايات المتحدة فرصاً مهمة للمنتجات الأردنية، لكن فتح السوق لا يكفي وحده لتوسيع الصادرات. فالمنافسة تحتاج إلى جودة وإنتاجية والتزام بالمواصفات، وإلى زيادة المكون المحلي والقيمة المضافة. وكلما ارتبطت الصناعات المصدرة بموردين وخدمات ومهارات داخل الأردن، اتسع أثرها في الدخل والتوظيف. ولهذا فإن متابعة أي تعديل في القواعد التجارية الأمريكية ينبغي أن تسير إلى جانب تطوير المنتجات والقدرات الإنتاجية.
والأهم في هذه المرحلة ألا تنحصر العلاقة الاقتصادية مع الولايات المتحدة في متابعة ما قد يتغير، بل أن تُستثمر الفرص القائمة بصورة أفضل. فاستقرار المساعدات، وإدارة الدين، وتوفير التمويل الملائم، وزيادة القيمة المضافة للصادرات، كلها مسارات تصب في هدف واحد: توسيع قدرة الاقتصاد الأردني على الإنتاج والنمو. ولا يمكن عزل الأردن عن تقلبات الأسواق والقرارات الدولية، لكن يمكن تقليل أثرها كلما اتسعت قاعدته الإنتاجية وتنوعت خياراته. فالقيمة الحقيقية للاستقرار لا تظهر في المحافظة عليه وحدها، بل في فرص العمل والدخل التي يلمس الناس أثرها.

























































