اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
لم تعد محاولات تهريب المخدرات عبر الحدود الأردنية مجرد حوادث أمنية متفرقة، بل أصبحت تعكس نشاط شبكات إجرامية منظمة تتطور أساليبها وتتعدد أدواتها، بدءًا من التسلل البشري، مرورًا بالطائرات المسيّرة، وصولًا إلى البالونات ووسائل التهريب المستحدثة. وما تكشفه هذه المحاولات المتكررة لا يقتصر على حجم الخطر القادم من خارج الحدود، بل يثير قضية أكثر خطورة تتعلق بالجهات التي تنتظر هذه الشحنات داخل المملكة؛ فهذه السموم لا تُهرّب إلى الشجر والحجر، وإنما إلى شبكات تتلقاها وتمولها وتتاجر بها، سواء لترويجها في السوق المحلية أو لإعادة تصديرها إلى دول الجوار. وهو ما يجعل من مواجهة التهريب قضية تتجاوز حماية الحدود إلى تفكيك الامتدادات الداخلية لهذه التجارة الإجرامية.
وإذا كانت قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية تبذل جهودًا كبيرة في إحباط محاولات التهريب والتصدي لمصادرها، فإن استكمال هذا الجهد يقتضي ملاحقة الجهات التي تستقبل هذه المواد وتمول عمليات إدخالها وتدير شبكات توزيعها. فإسقاط طائرة مسيّرة أو ضبط شحنة مخدرات يمثل نجاحًا أمنيًا مهمًا، لكنه لا يحقق الغاية النهائية ما دامت الشبكات المستفيدة قادرة على تمويل محاولات جديدة وتعويض خسائرها. ومن هنا، فإن فاعلية المواجهة لا تُقاس بحجم المضبوطات وحده، وإنما بمدى القدرة على تفكيك البنية الإجرامية كاملة، من المورد والمهرب إلى الوسيط والممول والمستقبل والمروج، ضمن منظومة أمنية واستخبارية وقضائية متكاملة، تستند إلى التنسيق الوطني والتعاون الإقليمي في ملاحقة الجريمة المنظمة وتجفيف مصادر تمويلها.
وتزداد خطورة هذه الشبكات حين تتقاطع أنشطتها مع الإرهاب، إذ أثبتت تجارب دولية أن الاتجار بالمخدرات وتهريبها وغسل عائداتها قد تشكل مصادر لتمويل جماعات إرهابية أو تسهيل أنشطتها، بما يجعل العلاقة بين الجريمة المنظمة والإرهاب تهديدًا مركبًا للأمن الوطني، وإن لم تكن كل شبكة مخدرات مرتبطة بالضرورة بتنظيم إرهابي. كما أن آثار هذه التجارة لا تتوقف عند حدود الجريمة الأمنية، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة، بما تحدثه من استنزاف لطاقات الشباب، وتفكيك للأسر، وإضعاف للإنتاجية، وتهديد للاستقرار المجتمعي. ولذلك، فإن المواجهة الفاعلة تقتضي الجمع بين الحسم الأمني، والملاحقة المالية والقضائية، والوقاية المجتمعية، وتوفير العلاج للضحايا، حتى لا تتحول مكافحة المخدرات إلى معركة مع نتائج الجريمة بدلًا من استهداف أسبابها والقائمين عليها.
إن الأردن، وهو يواجه هذه التحديات في محيط إقليمي مضطرب، مطالب بأن ينظر إلى أمن حدوده وأمن مجتمعه بوصفهما جبهة وطنية واحدة لا تنفصل فيها مواجهة المورد الخارجي عن ملاحقة المتلقي الداخلي. فلا يكفي أن نمنع السموم من عبور الحدود، بينما تبقى الجهات التي تطلبها وتمولها وتنتظر وصولها قادرة على مواصلة نشاطها. والمعركة هنا ليست مع المهرب وحده، بل مع منظومة إجرامية متكاملة ينبغي إسقاط حلقاتها جميعًا، دون الخلط بين من يتاجر بالموت ويجني أرباحه، ومن يقع ضحية للإدمان ويستحق العلاج والإنقاذ. فالأمن الوطني لا يتحقق بإحكام السيطرة على الحدود وحدها، وإنما بامتلاك القدرة على ملاحقة الخطر من منابعه إلى امتداداته، وتجفيف موارده، وتفكيك شبكاته، وحماية المجتمع من آثاره. وتلك هي المعركة التي ينبغي أن يخوضها الأردن على جانبي الحدود؛ معركة لا تنتهي بضبط الشحنة، بل بإسقاط المنظومة التي أرسلتها، وتلك التي كانت تنتظر وصولها.

























































