اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢٧ حزيران ٢٠٢٦
ترجمة / شهاب
بعد أكثر من أسبوع على انتهاء المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، يرى الكاتب الإسرائيلي عاموس هرئيل أن أبرز مؤشر حتى الآن هو استمرار التفاهم الذي تم التوصل إليه بين واشنطن وطهران بوساطة إقليمية ودولية. ويعتبر أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم تقلبها، لم تغير حقيقة أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تجنب العودة للحرب، وهو ما انعكس على مجمل تطورات المنطقة.
مأزق استراتيجي
ويشير هرئيل فى مقاله المنشور فى صحيفة 'هآرتس' إلى أن إيران تدرك هذا التوجه، وتسعى لاستثماره لتحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية، مع الحرص على عدم اتخاذ خطوات قد تطيح بالتفاهمات أو تعيد المواجهة العسكرية.
ويرى أن هذا الهدوء انعكس على الجبهة اللبنانية، حيث تراجعت المواجهات بعد أسابيع شهدت خسائر كبيرة لجيش الاحتلال 'الإسرائيلي' جراء هجمات بطائرات مسيرة، مقابل سقوط مئات القتلى من عناصر حزب الله ومدنيين لبنانيين بفعل الضربات 'الإسرائيلية'، لتسود الحدود الشمالية حالة من الهدوء الحذر.
وبحسب الكاتب، فإن الواقع الميداني يتناقض مع الصورة التي يحاول رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تقديمها، إذ تقلصت العمليات الهجومية للجيش الإسرائيلي، وأصبح تركيزه على تثبيت مواقعه أكثر من مواصلة العمليات الواسعة.
كما يشير إلى إعلان وزير الجيش 'كاتس' أن القوات 'الإسرائيلية' ستبقى في جنوب لبنان حتى لو طالبت الولايات المتحدة بانسحابها، لكنه يرى أن الأيام المقبلة وحدها ستحدد مدى إمكانية تنفيذ هذا الموقف.
ويعتبر هرئيل أن مختلف الجبهات تعكس حصيلة أكثر من 32 شهراً من الحرب التي اندلعت بعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ويرى أن سياسات نتنياهو أوصلت إسرائيل إلى مأزق استراتيجي، إذ ألحقت الضربات العسكرية أضراراً كبيرة بخصومها، لكنها لم تُترجم إلى ترتيبات سياسية مستقرة أو إنجازات استراتيجية طويلة الأمد.
ويضيف أن هذا الواقع ترافق مع أزمة متصاعدة في العلاقات مع الولايات المتحدة، رغم أن ترامب كان يُنظر إليه داخل إسرائيل بوصفه الأكثر دعماً لها.
ويشير الكاتب إلى أن معهد السياسة والاستراتيجية في جامعة رايخمان سيعقد مؤتمره السنوي في هرتسليا الأسبوع المقبل، بعدما أُجّل شهراً بسبب المخاوف من تصعيد في الخليج، وهي مخاوف تراجعت بعد توقف الحرب، ما سمح بمشاركة الوفود الأجنبية، رغم استمرار انخفاض حركة شركات الطيران الأجنبية إلى إسرائيل.
كما يلفت إلى أن مطار بن غوريون لا يزال يؤدي دوراً رئيسياً في تزويد سلاح الجو الأمريكي بالوقود في الشرق الأوسط، فيما تبقى حركة الطيران الأخرى خاضعة لأولويات العمليات العسكرية الأمريكية.
ويستعرض هرئيل تاريخ مؤتمر هرتسليا، موضحاً أنه كان منصة لإطلاق تحولات سياسية وأمنية بارزة، من بينها إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلي الأسبق أريئيل شارون عام 2003 الترويج لخطة الانسحاب من قطاع غزة، التي نُفذت بعد نحو عام ونصف.
لا تُحسم بانتصار
كما يتناول شخصية اللواء احتياط عاموس جلعاد، رئيس المعهد، الذي شغل مناصب أمنية بارزة، منها رئاسة دائرة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية، ومنسق أعمال الحكومة في الأراضي الفلسطينية، ورئيس الدائرة السياسية في وزارة الدفاع.
وينقل هرئيل عن جلعاد قوله إن التطورات الأخيرة المتعلقة بإيران تؤكد أن الحروب لا تُحسم بانتصار عسكري مطلق، بل تحتاج في النهاية إلى مسار دبلوماسي يرسخ نتائجها.
ويضيف جلعاد أن الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عام 2015، رغم ثغراته، يبقى أفضل من الواقع الذي أعقب انسحاب إدارة ترامب منه عام 2018، إذ تمكنت إيران منذ ذلك الحين من إحراز تقدم ملحوظ في برنامجها النووي، ولا سيما في مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.
ويرى جلعاد أن إسرائيل ألحقت أضراراً كبيرة بحزب الله وحركة حماس وجماعة الحوثي، لكنها لم تتمكن من هزيمة أي منها بصورة نهائية.
ويضيف أن أكثر ما يثير قلقه هو صعود مجتبى خامنئي، نجل المرشد الإيراني، داخل تيار متشدد في الحرس الثوري لا يثق بالغرب ويتمسك بمواصلة المواجهة مع إسرائيل، معتبراً أن هذه المواقف ليست مجرد شعارات سياسية، بل تعكس توجهاً راسخاً. ويرى أن مشروع تدمير إسرائيل بدأ في عهد علي خامنئي، إلا أن نجله أكثر اقتناعاً وتمسكاً بهذا النهج.
ويعتبر هرئيل أن التوتر الذي ظهر أخيراً بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بعد الاتفاق مع إيران لم يكن مفاجئاً، بل جاء نتيجة مسار بدأ قبل ذلك بوقت طويل.
ويشير إلى أن نتنياهو راهن طوال عام 2024 على عودة ترامب إلى البيت الأبيض، ما دفعه، بحسب تحليله، إلى تأجيل صفقة تبادل الأسرى انتظاراً لفوزه. وبعد وصول ترامب إلى السلطة، حظي نتنياهو بدعم واسع في الحرب على غزة والملفات الإقليمية، كما تبنى الرئيس الأمريكي مواقفه بشأن الحرب، ومنح الضوء الأخضر للهجوم الإسرائيلي الأول على إيران، ثم اقتنع لاحقاً بإمكانية الدفع نحو تغيير النظام في طهران، وهو ما انعكس أيضاً في الاستعداد للهجوم الإسرائيلي الثاني خلال شباط/فبراير الماضي.
يرى هرئيل أن الفتور الذي طرأ على علاقة نتنياهو بترامب، إلى جانب المخاوف من تأثيره على اتفاق المساعدات الأمنية الأمريكية الجديد المقرر بدء العمل به عام 2028، دفع رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى تبني خطاب جديد يركز على ضرورة تعزيز الاعتماد العسكري على الذات.
وفي هذا السياق، ينقل الكاتب عن نتنياهو قوله خلال لقائه ضباط احتياط في منطقة 'غوش عتصيون': 'أقدّر كثيراً الدعم الذي قدمه لنا أصدقاؤنا في الولايات المتحدة، لكن علينا أن نتحرر من حالة التبعية، وأن نبني منظومة تسلح مستقلة خاصة بنا.'
ويرى هرئيل أن هذا التصريح يأتي ضمن سلسلة مواقف يسعى من خلالها نتنياهو إلى ترسيخ فكرة الاعتماد على القدرات العسكرية الإسرائيلية، بالتوازي مع حديثه المتكرر عن تحويل إسرائيل إلى 'إسبرطة عظيمة'، خاصة بعد الضغوط التي مارسها ترامب خلال مفاوضات صفقة الأسرى الأخيرة.
غير مسبوقة
ويكشف الكاتب أن نتنياهو يقود بعيداً عن الأضواء نقاشات لإعداد تصور لميزانية الدفاع خلال العقد المقبل، أوكلها إلى رئيس مجلس الأمن القومي الجديد شموئيل بن عزرا، معتبراً أن هذه الخطوة تندرج أيضاً ضمن مساعيه لتعزيز نفوذه داخل مؤسسات الدولة عبر تثبيت مسؤولين مقربين والدفع بتشريعات يرى الكاتب أنها تقوض النظام الديمقراطي، بما يعكس رغبته في البقاء في الحياة السياسية.
ويضيف أن نتنياهو يتحدث عن ميزانية دفاع غير مسبوقة تبلغ نحو 130 مليار شيكل، أي ضعف ميزانية وزارة الدفاع قبل الحرب، مبرراً ذلك بالحاجة إلى الاستعداد لاحتمال تراجع المساعدات الأمريكية، وتمويل زيادة أيام خدمة الاحتياط، وتعزيز إنتاج الصواريخ ومنظومات التسليح.
ويعتبر هرئيل أن جزءاً كبيراً من هذه الميزانية يهدف إلى الحفاظ على قدرة إسرائيل على تنفيذ ضربات مستقبلية داخل إيران، رغم أن الحرب الأخيرة كشفت، بحسب وصفه، عن إخفاقات يرفض نتنياهو الاعتراف بها.
ويتساءل الكاتب عن قدرة إسرائيل على التوفيق بين هذا الإنفاق العسكري الضخم والحفاظ على متطلبات دولة الرفاه، مشيراً إلى أن الحكومة لم تقدم إجابة واضحة، واكتفت بشعارات من قبيل بناء 'إسبرطة' جديدة.
وينتقل هرئيل إلى الضفة الغربية، ناقلاً عن اللواء احتياط عاموس جلعاد تحذيره من أن استمرار التدهور الأمني، ولا سيما اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، يضر بصورة إسرائيل وعلاقاتها مع الولايات المتحدة.
ويقتبس عنه قوله إن القضية الفلسطينية تواصل استنزاف مكانة إسرائيل الدولية، وإن تجاهل ما وصفه بـ'الإرهاب اليهودي' سيقود إلى نتائج سلبية، حتى وإن لم يحظ باهتمام واسع داخل المجتمع الإسرائيلي، مؤكداً أن إسرائيل هي الطرف الذي يحتاج إلى دعم الرئيس الأمريكي، وليس العكس.
ينتقل هرئيل إلى الجبهة اللبنانية، معتبراً أنها تمثل نموذجاً واضحاً للقيود التي باتت تحكم هامش الحركة الإسرائيلي بعد التفاهمات الأخيرة. ويشير إلى أن وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس أعلن أن الجيش سيواصل البقاء داخل ما يسميها 'المنطقة الأمنية' في جنوب لبنان لإبعاد التهديد عن مستوطنات الشمال، وأن القرى الواقعة فيها ستظل مدمرة ولن يُسمح لسكانها بالعودة.
إلا أن هرئيل يشكك في قدرة كاتس على تنفيذ هذه السياسة، معتبراً أن قرار استمرار الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان لا يعود لوزير الجيش ولا حتى لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بل يتوقف في نهاية المطاف على القرار الأمريكي، وتحديداً موقف الرئيس دونالد ترامب.
ويضيف أن الإدارة الأمريكية منحت، ضمن الآلية الجديدة لمنع الاحتكاك في لبنان، دوراً لكل من إيران وباكستان، بينما بقيت إسرائيل خارج هذا الإطار، وهو ما يراه مؤشراً على حجم النفوذ الأمريكي في إدارة الملف.
ويشير أيضاً إلى استضافة واشنطن لقاءات مباشرة بين وفدين إسرائيلي ولبناني لدفع المسار السياسي على الحدود، وينقل عن السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر قوله إن هذه المفاوضات تُجرى في وقت أصبح فيه الوضع قابلاً للانهيار في أي لحظة.
ويرى هرئيل أن إسرائيل لا تمتلك القدرة الكاملة على فرض شروطها في أي اتفاق مقبل، لأن معظم بنوده ستُحسم عبر التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يفسر، بحسب رأيه، عدم إحراز تقدم ملموس في محادثات واشنطن.
محدودية قدرة 'إسرائيل'
ويعتبر أن الحكومة الإسرائيلية تقدم للرأي العام صورة لا تنسجم مع الواقع الميداني، إذ تقلصت بصورة كبيرة حرية عمل الجيش منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ على الجبهتين الإيرانية واللبنانية، وأصبح دوره يقتصر على إزالة التهديدات المباشرة التي تستهدف قواته أو مستوطنات الشمال، دون القدرة على تنفيذ عمليات واسعة كما في السابق.
ويستشهد الكاتب بتصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت، الذي قال، استناداً إلى اتصالاته مع القادة العسكريين والمقاتلين، إن هذا هو الواقع الفعلي للجيش، خلافاً لما يعلنه بعض الوزراء الذين يواصلون الحديث عن حرية عمل كاملة داخل الأراضي اللبنانية.
ويرى هرئيل أن اقتراب موعد الانتخابات يدفع نتنياهو إلى تشديد سيطرته على المشهد الداخلي، سواء عبر التحكم بالرواية الرسمية للحرب، أو بإدارة النقاش حول المسؤولية عن إخفاقاتها، إلى جانب توسيع نفوذه داخل المؤسسة الأمنية.
وفي ظل تراجع العمليات العسكرية، انتقل الاهتمام الإعلامي داخل إسرائيل إلى المجمع العسكري التابع لحزب الله في بلدة تبنيت شمال قلعة الشقيف، والذي يضم مقر قيادة الجبهة الجنوبية للحزب ومقر قوة 'بدر'، بينما يؤكد الجيش الإسرائيلي أن عشرات من عناصر الحزب ما زالوا يتحصنون داخله.
ويضيف أن القوات الإسرائيلية أنشأت، بعد تقدمها شمالاً، جيباً عسكرياً معزولاً يشبه 'الإصبع'، ويرى أن هذا التموضع لا يخدمها تكتيكياً، إذ يجعل قواتها أكثر عرضة للمخاطر وأصعب من حيث الإسناد العسكري.
ويشير إلى أن بعض الضباط يواصلون الحديث عن تحقيق انتصار عسكري في المنطقة، إلا أنه يرى أن هذا الوصف لا ينسجم مع الواقع، خاصة مع محدودية قدرة إسرائيل على استثمار موقع تبنيت كورقة ضغط في المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة مع إيران.
ويخلص هرئيل إلى أن على إسرائيل حسم موقفها سريعاً بشأن وجودها العسكري في لبنان، معتبراً أن الانسحاب من بعض المناطق بمبادرة إسرائيلية قد يكون أقل كلفة سياسياً من انتظار فرضه عليها لاحقاً، بما يسمح لإيران بتقديمه بوصفه إنجازاً سياسياً تحقق بفضل الرئيس الأمريكي.

























































